8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مَن يدفع باتجاه تدويل لبنان كلّه.. تحت الفصل السابع؟

منذ فترة غير وجيزة، يلاحظ المتابعون ان لدى "حزب الله" خطّة معيّنة في الجنوب حيال "اليونيفيل" يضعها قيد التنفيذ، تطرح سؤالاً كبيراً عمّا يريده في هذه المنطقة من لبنان في المرحلة الراهنة ـ المقبلة.
في الخطاب السياسي للحزب يختلط التحريض على موقف حركة 14 آذار من القرار 1701 والقوات الدولية بالتحريض على هذه القوات نفسها. وهو إذ واكب وصول القوات الدولية وانتشارها بحملة سياسية تطالبها بالتزام "حدود" دورها أي عملياً "التساكن" مع المقاومة وسلاحها، "اخترع" حزب الله عنواناً مفاده ان الحكومة والأكثرية عملتا قبل صدور القرار 1701 على استقدام قوات متعددة الجنسيات تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة وانهما لا تزالان تعملان لتحقيق هذا الهدف المزعوم على أن يكون انتشارها في كل لبنان وتحت الفصل السابع.
التعبئة ضدّ "اليونيفيل"
وفي موازاة هذا الاتهام لـ14 آذار، قام "حزب الله" بتعبئة ضد "اليونيفيل" خاصّاً القوات الفرنسية من بينها بـ"سهامه" فاتهمها بامتلاك نسبة عالية من العدائية حيال المقاومة وسلاحها وبالتخطيط لمشاريع تلبّي الأطماع الإسرائيلية، كما حصل لدى التداول في مشروع فرنسي لإقامة ما يشبه منطقة حظر جوي بما يمنع إسرائيل من الإقدام على خروق جوية للسيادة اللبنانية. ومع ان أي "مواجهة" مع القوات الفرنسية لم تسجّل، فقد سجّلت في المقابل "مواجهة" بين "الأهالي" والقوات الاسبانية. ولم تقتصر حملة "حزب الله" على نوايا مفترضة لدى "الطوارئ"، بل اتهمها في الآونة الأخيرة بـ"التقصير" في التصدي لخروق إسرائيلية برّية، أكد حصولها من ناحيته فيما كانت "اليونيفيل" تنفيها.
"أعمال".. وما لم يطبّق كاملاً من الـ1701
على ان ما جرى في الأيام الماضية تجاوز حدود تنظيم حالة "عدائية" في وجه القوات الدولية، باتجاه أعمال لا يريد الحزب منها فقط أن تؤكد انه "موجود" بل يريد من خلالها الايحاء بأنه "عاد" إلى ممارسة صيغة "حضوره" السابقة على 12 تموز الماضي. والحديث هنا، ليس عن رفع صور قائد الحزب وشهدائه في منطقة الحدود، ولا عن اتهام إسرائيل له بزرع متفجرات في هذه المنطقة، بل عن حالة "استعراضية" كتلك التي حصلت يوم الثلاثاء الأسود في بيروت، حيث نقلت المعلومات ان "المواطنين" قاموا بإيعاز من "حزب الله" بما يشبه التطويق لمواقع الدوليين وقطع طرق تحركهم وعزل المواقع عن بعضها.. قبل أن يفكّ "الحصار" في وقت لاحق من ذلك اليوم.
لا يتزامن ذلك كلّه فقط مع "اضطرار" الجيش إلى سحب جزء مهم من عديده إلى بيروت بسبب الأحداث في العاصمة ومن أجل حماية الأمن فيها، بل هو يتزامن مع ما يشبه الشكوى من جانب "اليونيفيل" من أن لا ضمانة "نهائية" لأن يكون الجنوب دخل في حالة من الاستقرار التام والنهائي، بما ان الحزب لا يزال يمتلك السلاح وبما انه "ممنوع" على القوات الدولية القيام بمداهمات. وهذه الشكوى بمضمونها العام، عبّر عنها القائد السابق لـ"الطوارئ" الجنرال الفرنسي آلان بيلليغريني في حديث إعلامي يوم تسليمه القيادة لخلفه الايطالي.
وهذه المقدّمات جميعاً تهدف إلى القول ان الإنشغال بـ"أزمة الداخل" الذي فُرض على الجميع، لا يبرّر عدم الانتباه إلى ان تنفيذ القرار 1701 يبدو متعثراً في شقّيه المتعلق أولهما بفرض حصرية دور الجيش و"اليونيفيل" في الجنوب حتى الحدود والمتعلق ثانيهما بضبط الحدود اللبنانية ـ السورية ضبطاً تاماً.
بيد ان ما ينبغي التشديد عليه سياسياً في ظل هذه المعطيات، هو ان "حزب الله" الذي استدار نحو الداخل بعد حرب تموز ـ آب الماضية، يقوم الآن بنوع من الإستدارة المتجدّدة نحو الجنوب.
هربٌ من الفتنة الداخلية أم تحسّبٌ لمرحلة إقليمية جديدة؟
وفي هذا المجال، ثمة لدى الوسط السياسي تفسيران لهذه الإستدارة المتجدّدة نحو الجنوب.
التفسير الأول الذي يتبنّاه كثيرون هو ان "حزب الله" بعد أن لمس في ضوء تجربة الشهور الماضية ان الداخل سريع القابلية للتفجّر وان الفتنة المذهبية خطرٌ داهم لا يداويها الكلام عن رفضها، انّما يرغب ـ أي "حزب الله" ـ خوفاً من الفتنة الداخليّة في إحياء الأولوية الجنوبية.
أما التفسير الثاني فمبنيّ على تقدير في بعض الأوساط ان العلاقة الإيرانية ـ الأميركية ذاهبة في الأسابيع المقبلة إلى مزيد من التدهور، في ظل معلومات ديبلوماسية تفيد ان الخيارات "السياسية" استنفدت، وان "حزب الله" يريد بعودته إلى الأولوية الجنوبية الاستعداد للمرحلة الإقليمية الجديدة.
في المشهد اللبناني العام إذاً، ثمّة جديد "حزب اللهي" لا بدّ من الانتباه إليه وأخذه في الاعتبار، وذلك قبل إعلان عدد من الاستنتاجات.
نظام الأسد: عطّلوا المحكمة لبنانياً
في الوقت نفسه، ومن أجل اكتمال الصورة، لا مفرّ من التوقّف عند جانب آخر من المشهد يتعلق بالمحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه.
في هذا المجال، ليس مفيداً التذكير مجدّداً بالموقف التخريبي لقيام المحكمة الدولية الذي يلتزمه النظام السوريّ، انّما المفيد عرضُ "آخر" مستجدات هذا الموقف التخريبيّ للنظام في سوريا.
تذكرُ المعلومات في هذا الصدد انّ نظام الأسد يتظاهر بالقناعة بأنّ مجلس الأمن لن ينشئ المحكمة الدولية تحت الفصل السابع في أيّ حال من الأحوال، ويؤكّد انّ إجماعاً دولياً لن يتحقق أبداً في هذا الشأن. وعلى هذا الأساس، يعتبر انّ الانتهاء مِن هذا الموضوع يتطلّب فقط اجهاض المحكمة ضمن المسالك الدستوريّة اللبنانيّة.
وتقولُ المعلومات انّ مسؤولين في النظام السوريّ أبلغوا "قناعتهم" هذه الى الرئيس نبيه برّي الذي طُلب منه اغلاق كلّ المنافذ في وجه محاولات التصديق على نظام المحكمة، على أساس انّ عدم إقراره لبنانياً لن يقودَ الى إقراره دولياً تحت الفصل السابع. وعلى هذه الخلفيّة، أطلق برّي مواقفه الأخيرة حيالَ المحكمة، وفيها ليس فقط التشكيك بتوصّل رئيس لجنة التحقيق الدوليّة سيرج براميرتس الى نتائج وليس فقط ربط المحكمة بانتهاء التحقيق، بل مطالبة برّي بتوقيع رئيس الجمهوريّة مشروع نظام المحكمة.
الفصل السابع ينتظر المحكمة.. حكماً
مِن نافل القول انّ قناعة نظام الأسد مفتعلة، وانّ في ما أُبلغ برّي به تضليلاً، لأن المعادلة لا تزال هيَ هيَ: انّ منع إقرار المحكمة الدوليّة لبنانياً سيؤدّي الى إقرارها دولياً تحت الفصل السابع. ولعلّ حملة رئيس "حركة أمل" على المراسلات بينَ الحكومة والأمم المتحدة تعكسُ معرفتَه بهذه المعادلة وخوفه منها.
يعرفُ الرئيس برّي انّه في يوم من الأيّام اقترح على الأكثريّة، كي لا يكون إقرار المحكمة الدوليّة بحاجة الى تصديق في المجلس النيابيّ، أن يحصل تعديلٌ في بندَين في نظام المحكمة: البند الماليّ وبند الفترة الزمنية للمحكمة. ومِن الطبيعي أن تكون مراسلاتٌ حصلت بين الحكومة والأمم المتحدة لدراسة قانونيّة هذا الاحتمال. لكن ما هو غير طبيعيّ أن يكون برّي تراجع.
كذلك يعرفُ برّي تمام المعرفة انّ الحكومة الملتزمة قيام المحكمة الدوليّة وقد أقرّت نظامها، والتي تُسدّ في وجهها أبواب المجلس النيابيّ، والتي تعلمُ علمُ اليقين انّ المعركة المفتوحة في البلد من جانب حلفاء النظام السوريّ وأتباعه هي معركة إسقاط المحكمة أوّلاً، يتوجّب عليها احاطة الأمم المتحدة بواقع الحال في لبنان، الذي يمنعها من السير قدماً في التوقيع على اتفاق مع المنظمة الدوليّة التي اتخذت قرارات إجماعيّة في هذا الموضوع.
لذلك يعرفُ برّي انّ اضطرار الحكومة الى إعلام الأمم المتحدة بما يمنعُها من ممارسة دورها من ناحية وبما يمنع مجلس النواب من ممارسة سيادته بالرغم من عريضة موقّعة من أكثريّة النوّاب من ناحية ثانية، من الطبيعيّ أن يدفعَ الأمم المتحدة الى النظر الى لبنان باعتبار انّ فيه دولةً تحت الأسر والحصار، بتدخّل خارجيّ. وعلى هذا الأساس، يفترض به أن يعرفَ انّ ذلك هو أقصر الطرق نحوَ.. الفصل السابع حتّى لو لم تطلب الحكومة إقرار المحكمة تحت هذا الفصل. وهل كانَ برّي وحلفاؤه يريدون أن يعطّلوا الدولة وألا تعرضَ الحكومة المؤتمنة على امور الدولة أمرها، أم انّهم كانوا ولا يزالون يريدون أن تستسلم الحكومة لتعطيل المحكمة الدوليّة؟.
"مواجهة" الـ1701 تحيلُه الى الفصل السابع
والآن، ما الرابط بينَ ما يجري في الجنوب مِن جهة والمستجدّات على صعيد موضوع المحكمة الدوليّة مِن جهة أخرى؟.
بصرف النظر عن الحسابات التي يجريها "حزب الله" في استدارته المتجدّدة نحو الجنوب أو لإحيائه الأولويّة الجنوبيّة، فممّا لا شكّ فيه انّ في ذلك مغامرةً بـ"مواجهة" القرار 1701، وانّه اذا استقرّ على هذه الإستدارة يكون كمن يهرب من الرمضاء الى النار.
صحيحٌ انّ تغيير الواقع في الجنوب بعد 1701 كانَ واحداً رئيسياً من أهداف الصراع على السلطة الذي افتتحه "حزب الله" منذ آب الماضي، أي انّ استهدافه تغيير موازين القوى السياسيّة الداخليّة كان بأفق "مواجهة" القرار الدوليّ في ظلّ توازن مختلف على مستوى القرار السياسيّ للدولة.
غير انّ ما يدفع الحزب باتجاهه، في استدارته المتجدّدة نحو الجنوب، وفيما لو "رسا" على خطّته، هوَ استدعاء وضع القرار 1701 تحت الفصل السابع. وبهذا المعنى، فإنّ "حزب الله" يكون في هذه الحالة سائراً نحوَ نتيجة تناقضُ ما يرفضه علناً.
طعباً، يملك "حزب الله" في خطابه السياسيّ مفردات عديدة يردّ بها عادةً على وضع "اليونيفيل" تحت الفصل السابع، وقد سمع اللبنانيّون مِن قادة الحزب هذه المفردات التي ردّ بها على هكذا فرضيّة. قال انّه سيعتبر "الطوارئ" قوّات احتلال. وقال انّه سيقاتلها في هذه الحالة كما قاتل العدو الإسرائيلي. وهدّدت أوساط الحزب بأن حالة من هذا القبيل ستأتي بـ"القاعدة" ومشتقّاتها إلى الجنوب. والتهديد بـ"القاعدة" حصل أيضاً في معرض إعتبار ان خطاب فريق 14 آذار ضدّ الإنقلاب في الداخل، متطرّف ويخلق ظروفاً مؤاتية لـ"حضور" تنظيم مثل "القاعدة" على "الساحة اللبنانية".
لبنان بين الجنوب والمحكمة.. والتدويل الأخطر
إذاً، الرابط بين مسألتَي الجنوب والمحكمة الدولية، ليس حقيقة ان ثمة تدويلاً في لبنان، فهذه الحقيقة معروفة قبل الآن. الرابط هو ان لبنان مرشّح في ظل هذه المعطيات كافة لتدويل تحت الفصل السابع.
والسؤال هنا هو: لماذا الدفع في هذا الاتجاه؟ وهل انّ حركة 14 آذار هي من يقود البلاد في هذه الوجهة؟
ويتفرّع عن هذا السؤال سؤال آخر: إذا كان "حزب الله" يريد فعلاً التخلّص من القوات الدولية في الجنوب ومن أحكام القرار 1701، وبعضها لم يطبّق، وإذا كان فعلاً يستطيع أن يتحمّل أمام أهل الجنوب مسؤولية العودة إلى ما قبل 12 تموز، فلماذا لا يعلن ذلك صراحة ويطرح "مشروعه"؟
أما السؤال الأهم فهو: شيئاً فشيئاً يتأكد ما يقوله فريق 14 آذار مِن انّ المشكلة ليست مشكلة مشاركة في الحكومة، بل هي مسألة خلاف استراتيجي في الخيارات، فلماذا "البلف" ولماذا لا يكون الحوار مباشراً حول هذا الخلاف؟ ولماذا ايهام جمهور الحزب بأن المشكلة تنتهي بقيام ما يسمّى "حكومة وحدة وطنية" أو انتخابات نيابيّة مبكّرة؟ ألا يرى الحزب انه لو كان ثمة حكومة من هذا النوع الآن وقبله وبعده، لانفجرت حكماً؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00