8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

برّي "مساعد مخرج" في بعض الأحوال و"فريق" في جميعها

ما يلفتُ في حملة الرئيس نبيه برّي على الحكومة ورئيس "تيّار المستقبل" سعد الحريري، ليس فقط مضمونُها بل توقيتُها السياسيّ أيضاً.
من ناحية المضمون، لم يترك برّي مجالاً للشكّ في انّ الموقف "المعلوماتيّ" الذي أدلى به حيالَ المحكمة الدوليّة، انّما هو الموقف السوريّ من هذه المحكمة، وفي "أحسن الأحوال" يبرّر الموقف السوريّ من المحكمة الدوليّة. وفي ردّه على تساؤلات الحريري حول الدوافع الى إعلان هكذا موقف، اكتفى برّي بالقول انّ ما صدر عنه ليس سوى مجرّد "معلومات"، لكنّه لم يوضح سبب تبنّيه تلك "المعلومات" التي تؤكدّ انّ رئيس لجنة التحقيق الدولية سيرج براميرتس لم ولن يتوصّل الى أيّ نتائج في تحقيقاته حتى موعد تقريره النهائي في حزيران المقبل وانه سيستقيل تالياً.
توقيتُ الحملة والموقف السوريّ من المحكمة
أمّا من ناحية التوقيت السياسيّ للحملة، فليس خافياً على أحد انّ النظام السوريّ، في "لحظة" اتصالات سعودية ­ ايرانيّة حولَ الأزمة اللبنانية، يعلن مسبقاً أنّه لن يُكتب لها النجاح. ولموقف نظام الأسد هذا تفسيرات عدّة. فإما انّه على قدر كبير من الانزعاج حيال استبداله بإيران في بحث الوضع اللبنانيّ، وإما انّ ثمّة اتفاقاً ما بينه وبين إيران على أن تقوم طهران نيابةً عن الجانبين الايرانيّ والسوريّ بتقطيع الوقت، وإمّا انّه ليس مع تقطيع الوقت حتّى مفضلاً "خيار التفجير" في كّل وقت.
وبهذا المعنى، وفي لحظة يبدو "حزب الله" الذي "تُلزمه" الاتصالات السعوديّة ­ الايرانيّة بأن يعتمد خطاباً يخفف من الإثارة، فإن الرئيس برّي يُعطي بما صدر عنه من مواقف "اشارة" سوريّة" أي اشارة الى الموقف السوريّ التعطيليّ. ولا يُسقط بعض المتابعين من الاعتبار، انّ برّي الذي نقلَ عنه رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط قبلَ أيّام انّه قال في جلسة جمعتهما انّ نظام الأسد "لا يحبّ سماع كلمة المحكمة الدولية"، وهو ما لم يستطع نفيَه، انّما يريد ـ أي برّي ـ "المزايدة" في محاولة لـ"تبييض" الصفحة.
تجربة مؤتمر الحوار والمظلّة
العربيّة "المتصالحة" مع دمشق
بيدَ انّ ما يجدرُ التوقّف عندَه، بعيداً عن أمور الحملة الراهنة، يتعلّق بالموقع "الفعليّ" لبرّي في ظروف الصراع السياسيّ الذي تشهده البلاد. ولم يعُد مهّماً النقاش في ما اذا كانَ رئيس "أمل" في ما يتّخذه من مواقف مُكرهاً على اتخاذها أو ناجمة عن قناعاته، بما انّ برّي ردّ بعنف على كلّ من حاول الايحاء في الفترة السابقة بأنّه غير قادر على اتخاذ خيارات "حرّة" أي متحرّرة من الضغوط.
النقاشُ في موقع برّي في ظروف الصراع السياسيّ القائم، يأخذُ في الاعتبار اولاً تجربة مؤتمر الحوار الوطني بين شهرَي آذار وتمّوز 2006.
أطلق رئيس المجلس دعوته الى انعقاد مؤتمر الحوار الوطني في الثاني من آذار من العام الماضي، في ظروف سياسيّة محليّة وإقليميّة تتّسم بعدد من المعطيات الرئيسيّة.
داخلياً، كانت حركة 14 آذار في وضع هجوميّ، بعدَ أن أعادَ المشهد المليونيّ في الذكرى السنويّة الأولى لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2006 تأكيد حضورها الشعبيّ وكونَها أكثريةً سياسية وشعبيّة. وتجلّى وضعها الهجوميّ آنذاك في اندفاعها تحت شعار اسقاط رئيس التمديد إميل لحّود.
وعلى الصعيد الاقليمي ­ العربيّ، لم يكن الافتراق العربيّ ­ السوريّ قد بلغَ المستوى القائم اليوم من الحدّة. وكانَ "النظام العربيّ" لا يزال يفسح المجال أمام النظام السوريّ لتغيير سلوكه والتصالح مع الشرعيّتين العربيّة والدوليّة.
لماذا وافق نظام الأسد على الحوار قبل أن ينسفَه؟
في التجربة مع الرئيس برّي اذاً، انّه لم يكن ليدعوَ الى عقد مؤتمر الحوار الوطني لو لم تكن ثمّة مظلّة عربيّة، ولو لم تكن هذه المظلّة العربيّة على علاقة معيّنة بالنظام في سوريّا. وفي تلك الفترة أيضاً، لم يكن برّي لـ"يبادر" لو لم يأخذ ضوءاً أخضر "ما" من دمشق. وقد تمّ التأكّد بالفعل مِن انّ نظام الأسد أراد آنذاك أن يحقّق انتقالُ الفرقاء السياسيين اللبنانيين الى طاولة الحوار "تنفيساً" لوضع 14 آذار "الهجوميّ" مِن جهة وأن يعطيَ للنظام العربيّ والمجتمع الدوليّ في آن، إشارة عن دور "إيجابيّ" يمكن أن يلعبه في لبنان وعن إنتظاره لـ"مقابل" معيّن مّن جهة ثانية.
ربّ قائل انّ ما أقرّه مؤتمر الحوار بالإجماع العام الماضي، ليس مُرضياً للنظام في دمشق. وهذا صحيح. بمعنى انّ المحكمة الدوليّة والعلاقات الديبلوماسيّة بين لبنان وسوريا وتحديد مزارع شبعا والسلاح خارج المخيّمات الفلسطينية، عناوين لا يوافق عليها النظام السوريّ. لكنّ الجميع يعرف انّ هذا النظام الذي "سمح" لبرّي بدعوة مؤتمر الحوار، هوَ من يملك تنفيذ هذه المقرّرات أو تعطيلها، وانّه كان "صاحياً" باستمرار حيال إمكان تعطيل المؤتمر في اللحظة المؤاتية حول أيّ بند من بنوده "الاستراتيجية" الأخرى. وهذا ما حصل بالفعل فيما بعد.
بالتجربة مع الرئيس برّي، لا شكّ انّه في المرّة الوحيدة التي بادرَ، فعل ذلك من دون أي مجازفة، أي انّه لم يمشِ بين النقاط ولم يسِر فوق البيض ولم يجازف، بل على العكس اختار طريقاً آمنة. وإذا كان أركانٌ في فريق 14 آذار، رغبةً منهم في تعزيز موقع برّي لا بل رغبةً منهم في تسليمه أوراقاً تعززه، شاءوا الحديث عن دور وسيط له او "رفعوا" توصيفهم له وأطلقوا عليه تسمية "الراعي" اللبناني لتسوية محتملة، فان كل ذلك لا يغيّر في حقيقة ان مؤتمر الحوار الوطني ما كان لينعقد لولا انه لم يكن في دائرة "الامان" و"السلامة".
"التشاوري" والثقب السوري
على اي حال تكررت التجربة ثانية في ما سمي "اللقاء التشاوري".
كثيرون يعرفون انه كان في نيّة بري الدعوة الى استئناف مؤتمر الحوار "المعلّق". لكن بري المسبوق بالخطاب الشهير لرئيس النظام السوري بشار الاسد في 15 آب الماضي، اي في اليوم التالي لتوقف العدوان الاسرائيلي، والذي حمل فيه على القادة العرب من ناحية وهدّد باسقاط الحكومة اللبنانية من ناحية ثانية، ذهب الى المملكة العربية السعودية مطالباً خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز بـ"تحمّل" ما صدر عن الاسد خدمة للبنان ومساعدة له، لكنه لم يستطع في المملكة أن "يضمن" ان النظام السوري لن يعرقل اي مبادرة.
اذاً، سعى بري الى إعادة تشكيل المظلة العربية "المتصالحة" مع نظام الاسد. ومع ان المظلة العربية توافرت بالفعل، فإنه لم يستطع "الإقدام" بما ان هذا النظام خارجها. فكانت دعوته الى ما سمي "اللقاء التشاوري" الذي فُرض عليه منذ البداية ان يكون تحت سقف الموقف السوري. وكان من الطبيعي، والحالة هذه ان يفشل "التشاور".
وهنا ايضاً، وفي تجربة ثانية، يتبيّن ان "الشرط السوري" هو الشرط "الضروري".. وربما "الكافي" بالنسبة الى بري كي يتحرك. ولان هذا "الشرط" غير موجود، فإنه لم يتحرك.
بري ليس وسيطاً بل "مساعد راعٍ" في أحسن الاحوال
كثيرون هم الذين يعتقدون ان الرئيس بري يميل الى أدوار "الوساطة" و"الإخراج". وهذا صحيح.
وفي الوقت نفسه، ثمة إجماع على ان الرجل يمتلك من الذكاء و"الدهاء" الكثير. وهذا صحيح أيضاً.
ولذلك، ثمة إقتناع بأن بري ليس "الآن" في وضع يساعده على التحرك، وانه لعله ليس مرتاحاً الى "الوضعية" الحالية التي يجتازها.
وفي جميع الاحوال، و"تخفيفا" من المشكلة، من الواضح ان "الازمة اللبنانية" ليست سوى نتاج لـ"أزمة اقليمية" عامة، اي انها تفوق طاقة اللبنانيين، وطاقة بري من ضمنهم، على الحلّ.
بيد ان الاستعراض السابق لتجربتَي بري في مؤتمر الحوار وفي لقاء التشاور، يهدف الى القول ان "النفخ" في دور بري "الوسيط" و"الرعائي" لم يكن وهو ليس اليوم في محله.
فبالتجربة يتبيّن ان بري يستطيع ان يكون "المخرج اللبناني" لاتفاق يحصل على صعيد إقليمي، أي انه "مساعد مخرج" او "مساعد راعٍ". ذلك انه والعديد من حلفائه "مشتبكون" في علاقات اقليمية، إضافة الى ان "الازمة" ناجمة عن عوامل اقليمية كما سبق القول.
شروط دور "المساعد"
لكن، كي تتوافر للرئيس بري القدرة في مرحلة مقبلة على ان يلعب دوره كمساعد مخرج، لا بد من توافر شروط موضوعية وذاتية، أبرزها شرطان.
فأن يكون سياسيٌّ ما في لبنان "مساعد مخرج" ليس ذماً به على الاطلاق، بل هو اعتراف بأن الداخل اللبناني لا يزال أضعف من الخارج بما لا يجعل الإخراج البحت لبناني ممكناً. لكن في المقابل، كي يستطيع سياسي ما او فريق سياسي ما في لبنان تأدية هذا الدور، لا بد من ان يحقق الداخل تقدماً معيناً. وعلى سبيل الاشارة، يقال دائماً ان الفترة الذهبية للبنان السياسي هي عندما كان "القرار الخارجي" يمر في لبنان بـ"إخراج لبناني" شبه سرّي.. اي ان نسبة المساهمة اللبنانية في "الإخراج" هي على علاقة بـ"نسبة" الداخل اللبناني من حساب نسبة الخارج.
الشرط الموضوعي هو اذاً تنمية دور الداخل، اي تبلور الموقف اللبناني.
اما الشرط الذاتي، فهو ان يتخذ من يرشح نفسه او من يُرشّح لدور من هذا القبيل، موقعاً يعكس استقلالاً نسبياً.
صحيحٌ ان اصواتاً كثيرة تبرز في حلقات النقاش الكثيرة هذه الايام، تطالب بنوع من "الرأفة" او "التسامح" حيال رئيس "حركة أمل". وصحيح ان من يحثون على ذلك يطالبون بعدم اعتبار بري "غضنفرا" عندما يتعلق الامر بضغوط او تهديدات سورية.
مثال "سيدي وستي"
غير ان ما يرى كثيرون انه غير مقبول من بري، هو ان يقوم بتنفيذ المثل الشائع القائل "لا يقدر على سيدي فيهجم على ستي"، اي ان المطلوب من بري سواء كان يواجه ضغوطاً أو لا، أو كان مقتنعاً بمواقف معينة، الا يوجه "سلاحه" على الآخرين، أو أن يبدو مزايداً حتى على حلفائه.
إذاً، في ما يتجاوز الحملة الراهنة التي شنّها برّي في اليومَين الماضيَين على الحكومة وعلى زعيم "تيار المستقبل"، فإنّ الأمر المطروح يتعلّق بالسؤال عن مدى حرص برّي على الاحتفاظ بـ"شعرة معاوية" مع الآخرين، وبمدى حرصه على عدم تكسير "المجاذيف".
فإذا ردّ برّي على ذلك كلّه بالقول انّه "فريق" وانّه "صاحب موقف"، سيُردّ عليه بأنّه من المستحسن أن يؤدّي بطريقة أفضل.
لكن برّي "الفريق"، لا يمكن أن يؤدّي دور الفريق في رئاسة المجلس النيابيّ، خاصةً عندما تكون أكثريّة المجلس غير موافقة على موقفه السياسيّ كفريق. وكذلك لا يستطيع رئيس المجلس النيابيّ في لبنان أن "يحزّب" الموقع لأنه اذا فعل يؤذي دور هذه المؤسسّة. كما لا يمكن ولا يحقّ لرئيس المجلس أن يستبعد المؤسسة الدستورية الأم عن لعب دورها، خاصّة متى تذكّر انّ مَن سبقوه الى رئاسة المجلس ضاعفوا من حضور المجلس ودوره في الأزمات وليس في أوقات الراحة.
ثمّة انتكاسةٌ في تصوّر برّي لموقعه ما كان يجوز أن يسمح بحصولها. حتّى لو كانَ لديه ما يقوله اعتراضاً على الحكومة أو غيرها، فإنّ أحداً لم يسمع منه في المقابل اعتراضات علنية على ممارسات "المعارضة"، بالرغم ممّا يُنقل عنه من اعتراضات "سريّة".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00