في قراءة "موضوعية" لواقع "حزب الله"، ثمة اعتقاد لدى العدد الأكبر من المتابعين ان ثلاثة "مكوّنات" متوازية تؤثر في "قراره" وتُشكّله، أي ان ثلاثة "عوامل" تتدخّل في قرار "حزب الله".
المكوّنان الإيراني والسوري
المكوّن الأول، إيراني. وهو المكوّن أو العامل الايديولوجي و"التنظيمي" والمالي، باعتبار ان "حزب الله" يُعرف ويعرّف نفسه بوصفه جزءاً عضوياً في المشروع العقائدي ـ السياسي الإيراني وحلقته المركزية ولاية الفقيه في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
والمكوّن الثاني، سوري. وهو عامل سياسي من ناحية، لكنه عامل "مصلحي" من ناحية ثانية، على اعتبار ان سوريا تمثّل بالنسبة إلى "حزب الله" نوعاً من "الشريان" أو "الوريد" الذي يمرّ عبره الدعم الإيراني.
ليس ثمة أي "اكتشاف" في هذه القراءة حتى الآن. لكن، ينبغي الإشارة إلى ان النظام السوري في مرحلة وصايته على لبنان، إذ رفض أي "شراكة" معه في هذه الوصاية، فرض على إيران التي تملك حزبها في لبنان، أن يكون هو ـ أي النظام في سوريا ـ الممّر إلى "حزب الله"، فنشأت علاقة إيرانية ـ سورية حول "حزب الله"، أوكلت طهران بموجبها إلى دمشق "المشروع السياسي" في لبنان، واعتبرت إيران ان شراكتها مع النظام السوري مؤمّنة عبر "حزب الله". ومع تغيّر الظروف في لبنان منذ العام 2005 بعد جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والخروج السوري، وإذ تغيّرت معادلة العلاقة بين الجانبين الإيراني والسوري، حيث بات هناك مشروع إيراني إقليمي يلحظ لحزب الله دوراً فيه، بقيت دمشق ممراً إيرانياً إلى "حزب الله"، بالرغم من "تضخّم" نفوذ إيران سياسياً في البلد بنتيجة "الفراغ" السوري.
بيد ان ما يقتضي الإشارة إليه، هو أن لا "تزاحم" بين المكوّنين الإيراني والسوري، أي ان "حزب الله" من حصّة إيران إقليمياً، فيما حصة النظام السوري تتعلق بـ"موقع" سوريا في "الجغرافيا السياسية"، بصرف النظر عمّا إذا كانت سنوات العلاقة ـ السياسية والأمنية ـ بين نظام الأسد و"حزب الله" قد أسفرت عن "تسوْرن" بعض المواقع والأشخاص داخله. وهذا يضاف إلى حقيقة ان الحصّة السورية الفعلية تتمثّل بأشخاص وجهات حزبية يوالون النظام في دمشق ويتبعون تعليماته.
الوضع اللبناني: إيرانية الحزب استقلالُه!
وفيما يتمّ التشديد على عدم الخطأ في تقدير "الولاء" الإقليمي لحزب الله على انه ولاء إيراني، فإن ثمة مكوّناً ثالثاً لا بدّ من لفت الانتباه إليه، هو المكوّن اللبناني.
لا بدّ من القول سلفاً هنا ان المقصود بـ"مكوّن لبناني" ليس نسبة من "التلبنن"، أي ليس المقصود ان "حزب الله" إنكفأ عن برنامجه "الفوق لبناني" إلى الكيان وخصائصه. فالمقصود ان "حزب الله" الذي "يعمل" في لبنان، معنيّ بأن يأخذ في الاعتبار "الممكن" و"غير الممكن" في "ساحة عمله".
وتأسيساً على المقدّمات الآنفة "يجب" تصوّر ان قرار "حزب الله" يتشكّل من حساب المعطى ـ أي الطلب ـ الإيراني ومن مراعاة العامل ـ والطلب ـ السوري، لكنه يفترض أن "يدرس" العامل اللبناني، أي ما يمكن تحميله، بما هو في "الوعي الحزب اللهي" ساحة لـ"تصريف" العامل الإيراني. على انه "يجب" القول أيضاً ان حجم المكوّن اللبناني، يكبر أو يصغر، هو أمر تسمح أو لا تسمح به القيادة في إيران. و"يجب" القول كذلك ان حيّز الاستقلال عن النظام في سوريا، أمر تقرّر فيه القيادة الإيرانية أيضاً. لا بل "يجب" القول أخيراً ان "حزب الله" "سوف" يبدو أكثر استقلالاً ضمن المشهد اللبناني، إن هو ظهر بـ"مظهر" إيراني صرف.. طبعاً إذا ميّزت إيران نفسها و"مصالحها" عن النظام السوري و"مصالحه". وبكلام آخر، ان "حزب الله" الإيراني "يمكن" أن يكون أكثر اعتباراً لـ"العامل" اللبناني إن تباعدت طهران عن دمشق في ظروف محدّدة.. وهذه هي الإشكالية أو المفارقة.
الاستعصاء اللبناني
والآن، وفي ضوء ما تقدّم، وفي ظلّ الحديث عن "تهدئة" تمهّد لاستئناف الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى مبادرته الأسبوع المقبل، من المفيد استعراض "إحتمال" القرار الذي سيتّخذه "حزب الله" والموقف الذي سيقفه.
لو كان المكوّن اللبناني، أي العامل اللبناني، هو الأرجح في حسابات الحزب، لأمكن القول ان "حزب الله" سيُسارع إلى تسهيل أمور مبادرة موسى لتسهيل التوصّل إلى تسوية للأزمة اللبنانية. ذلك ان "الوضع اللبناني" الذي يمثّل ساحة عمل الحزب، أعطى البرهان القاطع على ممانعته لـ"مشروع" حزب الله واستعصائه أمامه. وإذا كان من الواجب القول ان لحزب الله مؤمنين بمشروعه ومؤيدين له، فمن الواجب القول في المقابل ان مشروعه وقد وُضع على محكّ التجربة والاختبار، أدى إلى استنفار مضادّ، ما جعل البلاد تقف على مشارف الحرب الأهلية.
لكن، وبما ان المكوّن ـ العامل اللبناني ليس الأرجح، فإنه لا يمكن الظنّ ان "حزب الله" سوف يعيد النظر بما أقدم عليه حتى الآن ما لم يدخلُ اعتبارٌ اضافيّ على الخطّ. ومعَ ذلك، وقبل الدخول في ماهيّة الاعتبار الاضافي، يمكن القول انه ما أظهره الوضع اللبناني من ممانعة واستعصاء، يمكن أن يكونَ سلاحاً ايجابياً في يد "حزب الله" لدى ايران، أي أن يُعلم "المركز" بأن الايغال في ما تمّ الإقدامُ عليه حتّى الآن مكلفٌ جداً على "ساحة العمل" وعلى الحزب نفسه. والحال انّ في حوزة الحزب تجربتَين كبيرتين: "تجربة" حرب تمّوز ـ آب بعلاقتها مع الاجتماع اللبناني و"التجربة" الممتدة من الأوّل من كانون الأوّل حتّى اليوم مروراً بالثلاثاء والخميس الأسوَدَين.
إيران في الاتصالات مع السعوديّة
في هذه الأثناء، من المهم التوقف عند المكوّن الايراني في قرار "حزب الله".
منذ فترة، دخلَت ايران في اتصالات مع المملكة العربية السعودية. وخلال هذه الاتصالات، أبدت ايران اهتماماً بتجنيب لبنان خطر الانزلاق الى الفتنة الشيعية ـ السنّية، لا بل تؤكد المعلومات المتوافرة انّ القيادة الايرانية هي التي طلبت من "حزب الله" ليل الثلاثاء ـ الأربعاء من الأسبوع الماضي وقف "التحرّك الاحتجاجي" الذي كانَ ينزلق بسرعة نحو الفتنة المذهبية. كذلك، ذُكر انّ ايران توصلّت مع المملكة الى صيغة تسوية للأزمة اللبنانية قريبة من مضمون المبادرة العربيّة.
بكلام آخر، "تحاول" ايران الايحاء بالاهتمام وبالاستعداد للمساعدة، في وقت يعلن النظام السوريّ تصميمه على التفجير في لبنان ورفضه أن يتمّ التوصّل الى تسوية.
.. وإيران مع دمشق
غير انّ أحداً من المتابعين لم يكن في مقدوره، خلالَ الأيام الماضية، الجزم بأنّ ما يرشَح من مواقف ايرانية، باتَ نهائياً. وإذا كانَ عدم القدرة على تحديد الوجهة "الأخيرة" للمواقف الايرانية، ناجماً عن قناعة راسخة لدى المتابعين بأنّ لإيران مشروعها الاقليمي الذي يتطلّع الى إلحاق لبنان به، فإن جانباً آخر لا يساعدُ على البتّ يتّصل بالعلاقة الايرانية ـ السورية.
فخلال الاتصالات الايرانية ـ السعودية، ذكر المفاوضون الايرانيون انهم حاولوا لدى دمشق تسويق التسوية في صيغتها القريبة من مضمون المبادرة العربية، لكنّ نظام الأسد رفض، وعليه طالبوا المملكة والدول العربية بأن تقوم بمساعيها في سوريا.
ثمّة أسئلة كثيرة يثيرها "الأداء" الايراني. هل فعلاً حاولت ايران لدى النظام في سوريا؟. هل ضغطت وهي تملك إمكانيات الضغط؟. أم انّ ثمّة توزيعاً معيناً للأدوار بحيث تلين طهران وتتشدّد دمشق؟. وهل إيران في صدد تقطيع الوقت في انتظار ما ستؤول اليه الأزمة الايرانية ـ الأميركية؟، أم انّها في صدد تجميع أوراق لتحسين شروط التفاوض؟. وهل باتت على قناعة بأنّ عليها أن تتدخّل للمساعدة على وقف مشاريع الفتنة المتنقّلة بين لبنان وفلسطين والعراق؟
المكوّن الإيرانيّ شرطٌ لازم
وغنيّ عن القول انّ هذه الأسئلة الكثيرة تنمّ عن نسبة من "الشكوك". ولذلك، يستحيل القول ان "حزب الله" في لبنان، وعلى أبواب استئناف عمرو موسى مبادرته، يستعدّ لـ"التسهيل". فإن لم يكن المكوّن ـ الايراني مضافاً الى العامِل اللبنانيّ، لا يمكن توقّع التسهيل. وبهذا المعنى، يتّضح أن وحدَه اجتماع المكوّنين الايراني واللبناني، يجعل قرار "حزب الله" ايجابياً، على اعتبار انّ المكوّن السوري "سلبي" باستمرار.
انّ "شرط" تقدّم "حزب الله" باتجاه التسوية، يتمثّل في اقتران العامِلَين اللبناني والايراني، الأمر الذي من المبكّر التفاؤل بحصوله.
ولذلك، ينبغي مع اقتراب عودة موسى الى بيروت الأسبوع المقبل، الاستعانة على قراءة الأوضاع والتعاطي معها بقدر من الحذر.
وبهذا المعنى، لا يمكن بالمطلق استبعاد أن يكون ما يشهده الوضع اللبناني راهناً من كلام كثير عن "تهدئة"، مجرّد تهدئة هشّة، لتمرير عودة عمرو موسى، ولتمرير الذكرى الثانية لاستشهاد الرئيس الحريري بلا "احتكاك"، فيأتي موسى ليعيد "اكتشاف" انّ طبخة التسوية لم تنضج ظروفها.
"العاصفة" لم تنحسر بعد
ويُستدلّ على انّ ذلك ليس مستبعداً بالمطلق، من انّ أقطاباً في ما يسمّى "المعارضة" عادوا الى نغمة 19+11 كصيغة للحكومة، ويعلنون تبنّي "المنطق" السوري بالكامل حيال المحكمة الدولية، اذ يقرنون بتّ المحكمة بانتهاء التحقيق الدولي مع رهان واضح على فشل رئيس لجنة التحقيق الدولية سيرج براميرتس في التوصّل الى نتائج.
وعندما لا يكون هكذا احتمال مستبعداً بالمطلق، لا مناصَ من اعتبار انّ احتمال مواصلة ما يسمّى "المعارضة" الضغط بشتى الأشكال وبطلب من النظام السوري، هو احتمالٌ قائم.
وليس خافياً في هذا المجال انّ كلّ المعلومات المتوافرة تفيد انّ النظام السوري يريد للوضع اللبناني أن يبقى على حالِه من التوتّر والتفجّر، من أجل استدراج مفاوضات عربية معه في موازاة المفاوضات مع إيران أو بدلاً منها، وذلك بالتزامن مع سعيه الى استدراج مفاوضات دولية معه على إيقاع حام، في مرحلة ما من السنة الجارية.
استنتاجاً من كلّ ما سبق ذكره، لا يكفي اعتبار انّ الأزمة بلَغت ذروتها قبل أيّام، أو انّ "حزب الله" استطاع أن "يشاهد" بأمّ العَين ما يمكن أن ينجمَ عن خطّته، للقول انّ ثمّة إنفراجاً يلوح في الأفق. و"الأمانة" والمنطق يقتضيان القول انّ العاصفة لم تنحسر بعد وانّ لبنان لا يزال في دائرة الخطر.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.