8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"حزب الله" ينفّذ خطّة "عسكرية" لإعادة تنظيم الصفوف

منذ مساء الخميس الأسود، حصل تعديل نسبي في خطاب "حزب الله" حيث لوحظ التركيز "الاستثنائي" على خطر الفتنة الشيعية ـ السنّية، والتشديد على وعي الحزب لهذا الخطر وعلى قراره عدم الإنزلاق إلى الفتنة في أي حال من الأحوال.
"التعديل النسبي" في خطاب "حزب الله"
ينبغي القول ان هذَين التعديل والتشديد عليه مهمّان بمقياس ان الحزب الذي يقود الصراع على السلطة، يعلن "نيته" استيعاب حقيقة ان صراعاً معنوناً بإسقاط الحكومة، في بلد كلبنان، هو صراع مفتوح بالضرورة على خطر الفتنة الأهلية.
بيد ان ثمة جوانب اخرى، في موازاة هذا التعديل النسبي الذي جرى إدخاله على الخطاب السياسي، لا بدّ من التوقف عندها.
بداية، لا مفرّ من تسجيل حقيقة ان هذا "التعديل" المشروح آنفاً، انما هو نتيجة لـ"تجربة" نحو شهرين من "التحرك"، تبيّن معها ان هذا "التحرك" يدق بسرعة أبواب الفتنة في شعاراته ووسائله من ناحية وانه يستثير "العصبيات" الطائفية عموماً والسنّية على وجه الخصوص من ناحية ثانية. وبكلام آخر، إذا كان من الطبيعي ملاحظة ان "التعديل" مهمّ وايجابي منسوباً إلى قرار ذاتي لدى "حزب الله"، فمن الضروري في الوقت نفسه أن يسجّل ان هذا "التعديل" هو نتيجة لفشل "التحرك" في مرحلته السابقة، تماماً لانه لامس الفتنة بقوة.
الحملة المستمرة على "المستقبل" وبقاء الخيَم
على ان هذا "التعديل" في الخطاب حيال "المسألة السنّية"، لم يقترن في الممارسة بخطوات ملموسة.
فإعلام "حزب الله"، أي قناة "المنار" تحديداً، يشنّ حملة ضدّ "تيار المستقبل" ورئيسه سعد الحريري بحجة امتلاك ميليشيا، وبنى حملته على معطيات مختلقة من أساسها وعلى تقارير كاذبة.
وإضافة إلى ذلك، أبقى الحزب على احتلاله لوسط بيروت بالخيم، وسط معلومات عن إدخاله السلاح إلى الساحة. ومع اقتراب الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، راح "حزب الله" يصعّد ضدّ سيناريو وهميّ، فيه ان قوى 14 آذار تخطط لمحاصرة الساحة واقتحامها.
وبدلاً من أن يتقدم بـ"مبادرة" تتيح لـ"تيار المستقبل" وحركة 14 آذار إحياء ذكرى الرئيس الشهيد، بدا حريصاً على إلغاء هذه المناسبة بكل معانيها ودلالاتها بالنسبة إلى سنّة لبنان، وإلى كل اللبنانيين.
إذاً، لم يقترن التشديد على خطر الفتنة والخوف منه، وهو ـ أي التشديد ـ نتيجة لفشل "التحرك"، بخطوات تحقّق انفراجاً على مستوى العلاقة الشيعية ـ السنّية، ما يعني ان الخطر الذي يخاف منه لا يزال قائماً بالفعل، طالما استمرت "خطوط التماس" سواء عبر الحملة الإعلامية أو عبر استبقاء "التخييم" في ساحة رياض الصلح.
الانزعاج من جنبلاط وصموده في بيروت
غير ان المتابع لخطاب الحزب وأدائه في الأيام الأخيرة، يلاحظ ان قيادته وعلى رأسها الأمين العام السيد حسن نصرالله، ترمي كلاً من رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط ورئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع بـ"تهمة" العمل على تغذية الفتنة الشيعية ـ السنّية تنفيذاً لـ"مشروع أميركي ـ إسرائيلي" كما تزعم هذه القيادة.
في الوقت نفسه إذاً، حملة على "المستقبل" و"ميليشياه" (!) و"تجاهل" لذكرى الرئيس الحريري بعد أيام، ومحاولة "تحييد" سياسي لزعيم "تيار المستقبل" عن "مشروع الفتنة" ونسبة هذا المشروع إلى جنبلاط وجعجع.
مما لا شك فيه ان ثمة غضباً شديداً من جانب "حزب الله" على جنبلاط وجعجع، وإن كان "الغضب" يتركّز على جنبلاط.
بالتأكيد، ليس صحيحاً ان لجنبلاط ميليشيا، وان هذه الميليشيا لعبت دوراً في أحداث يومَي الثلاثاء والخميس من الأسبوع الماضي. والكل يعلم، لا سيما قيادة الجيش، ان جنبلاط تعاون مع الجيش وسلّمه محازباً أطلق النار على خصوم لـ"الحزب التقدمي الاشتراكي" في صوفر.
لذلك، لا يمكن أن يقتنع أحد بأن جنبلاط وحزبه "قاتلا" في بيروت أو أنهما حرّضا على التقاتل. والسبب في غضب "حزب الله" في "مكان" آخر.
منذ اليوم الأول لـ"تحرّك" الحزب وحلفائه في الأول من كانون الأول الماضي، اتخذ جنبلاط قراره بـ"الإقامة" في بيروت. وقرار جنبلاط لم يكن فقط نابعاً من اقتناعه بأن للعاصمة دَيناً عليه وعلى سائر القادة السياسيين، بل هو مبني على موقف سياسي ينطلق من ان "تحرّك" الحزب وحلفائه ليس سوى انقلاب سوري ـ وإيراني ـ وان بيروت هي "ساحة" هذا الانقلاب. وقراره الإقامة في بيروت هو الترجمة العملية لشعار الصمود في وجه الانقلاب، الذي رفعته حركة 14 آذار.
تحرّك رئيس "التقدمي" لوأد الفتنة
إنزعاج "حزب الله" من جنبلاط، يعود أولاً إلى قراره الإقامة الدائمة في العاصمة إدارةً لـ"الصمود" في وجه الانقلاب. وخلال مواكبته لأحداث الشهرين الماضيَين، يعرف جميع الذين يلتقون جنبلاط أنه كان شديد التخوّف من انزلاق الوضع الى صراع سنّي ـ شيعي، وأنه كان داعية "تعقّل"، أي أنه كان حريصاً على ألاّ يقترن الصمود السياسي بخطوات تؤدي الى استدراج حركة 14 آذار الى فخّ الحرب الأهلية. ويعرف جميع الذين يلتقون جنبلاط أنه كان "مستنفراً" يوم الخميس الأسود خوفاً من أن يقود "الحماس" مناصرين ومحازبين له في بعض أحياء العاصمة الى خطوات توقع الجميع في الفخّ. وكذلك، يعلم المتّصلون بجنبلاط أنه عندما اتصل به رئيس مجلس النواب نبيه برّي بخصوص قطع طريق الناعمة الساحلية، لبّى بسرعة وأعطى تعليماته بفتح الطريق، كما أعطى موافقته على إعلان حظر التجوّل في بيروت.. ولم يكتفِ بالتحدّث مع برّي في الأمور "العمليّة"، بل ناشده القيام بمبادرة سياسيّة ما تعيد الوصل بين المتخاصمين.
"العقل السياسي" والتحريض على القتل
إذاً، المصدر الأول لانزعاج "حزب الله" من جنبلاط هو قراره إدارة الصمود السياسي في وجه الانقلاب انطلاقاً من بيروت. ولما كان "حزب الله" يعرف في سرّه أن ليس صحيحاً أن جنبلاط يحرّض على الفتنة الشيعية ـ السنية، فإن المصدر الثاني للانزعاج، هو أن وليد جنبلاط يقول رأيه بصراحة "جارحة" ويقوم دائماً بـ"فضح" أبعاد خطط "حزب الله" وحلفائه. وبهذا المعنى، فإن "حزب الله" يستهدف التصويب على "العقل السياسي" لحركة 14 آذار، أي على الشخصية التي تستشعر الأخطار عن بعد، والتي تجيد قراءة المعطيات والاحتمالات.. وإن كان "حزب الله" يعتبر أن له مع جنبلاط ثأراً شخصياً لأنه "تجرّأ" على "هيبة" السيد نصرالله.
على أن العديدين ممن يفهمون أسباب انزعاج "حزب الله" من جنبلاط، لا يتردّدون في اعتبار الكلام الذي جاء على لسان أحد مسؤولي الحزب في مقابلة تلفزيونية الأسبوع الماضي، إذ دعا أهالي القتلى والجرحى الى أخذ "حقوقهم" من جنبلاط، بمثابة تحريض على قتل هذا الزعيم اللبناني. وذلك وسط معلومات منقولة عن "أجواء" قيادة الحزب تفيد أنه لم يعد مهتماً بما يمكن أن يحصل مع جنبلاط. وهذا ما دعا هؤلاء العديدين الى اعتبار التحريض تمهيداً لاستهداف جنبلاط، لا سيما من جانب المخابرات السورية وشبكاتها.
جعجع وإسقاط الجناح العونيّ
في الشارع المسيحي
أما بالنسبة الى جعجع، فإن أسباب الحملة معروفة هي أيضاً.
وفي هذا المجال، غنيّ عن القول إن حملة "حزب الله" على جعجع، هي "فاتورة" لصالح الحليف العونيّ. بيدَ أن السبب المباشر، يتعلّق بالدور الرئيسي الذي لعبته "القوات" في إسقاط "الجناح المسيحي" للانقلاب في الشارع يوم الثلاثاء من الأسبوع الماضي، ما أدى الى تعرية "التحرّك" إلاّ من طابعه الشيعي. ولا يخفى أن ذلك الثلاثاء، شهد عملياً استعادة "القوات" و"مسيحيي 14 آذار" زمام المبادرة في الشارع المسيحي.
وإذا كان ما تقدّم يمثّل السبب الرئيسي المباشر للانزعاج من جعجع، فإن ثمة سبباً مكملاً هو فشل عملية استحضار تاريخ غابر في الهجوم على "القوات" لحساب الحليف العوني، بالضبط لأن اللبنانيين طووا ذلك التاريخ وتصالحوا حول فكرة الدولة، وهو ما يؤكد عليه جعجع باستمرار.
العزف على وتر تحريض السنّة
ضدّ جنبلاط و"القوات"
مما تقدّم ذكره حتى الآن، يبرز سؤال "كبير": ماذا يعني أن يُعلن "حزب الله" وعيه خطورة الفتنة الشيعية ـ السنية، وأن يستمرّ في الحملة على ما يسمّيها "ميليشيا المستقبل"، بالتزامن مع الحملة "التعبويّة" المركّزة على جنبلاط بشكل خاص ومع محاولة "الإيحاء" بـ"تحييد" الحريري سياسياً؟
الشقّ الأول من الجواب هو أن كل ذلك يترجم الفشل الذي حصده "التحرّك" في مرحلته السابقة وحتى الآن.
على أن الشقّ الثاني، هو أن "حزب الله" لم يخرج "نهائياً" بعد من العزف على الأوتار الطائفية. ليس فقط هو "يعبئ" الشيعة ضد قوى تمثيل طائفي بعينها، بل هو يحرّض السنّة على جنبلاط وجعجع. وهو يحاول العودة الى "نغمة" سابقة تقول إن هناك من يسيّر الطائفة السنّية من خارجها، أي أنه يحرّض على سعد الحريري بطريقة شبه مباشرة. وهو يحرّض مسيحياً ضد "القوات اللبنانية".
خطة "عسكرية"
أما الشقّ الثالث من الجواب فهو الذي "يجمع" الشقّين السابقين معاً. فحزب الله، بناءً على فشل "تحرّكه" من جهة، وبناءً على محاولته اختراق "جبهة" 14 آذار من جهة ثانية، إنما يحاول إعادة تنظيم صفوفه وصفوف حلفائه للمرحلة المقبلة. ولذلك لا يمكن الحديث عن تهدئة "دائمة" من جانبه، بل عن "نوع" من التهدئة تواكب تحضيره لمرحلة تالية من "التحرّك".
وفي هذا الإطار، شبّه سياسيٌ مخضرم ما يقوم به "حزب الله" حالياً، بأنه أشبه بعملية انتشار عسكرية جديدة، يقوم بها كل "جيش" بعد معركة "غير موفّقة"، فيدرس "الثغرات" وأسباب الفشل، ليعدّ لمعركة جديدة. ويقول هذا السياسي المخضرم ان ما يجعله يميل إلى هذا الاعتقاد، هو ان "حزب الله" لا يترك، في خطابه السياسي، مجالاً للشكّ أبداً في انه لم يستنتج حتى الآن ضرورة وقف تحرّكه، بل هو يعلن انه في صدد البحث عن وسائل أخرى و"مختلفة" من ضمن الهدف العام الذي يتمسّك به أي الاستيلاء على السلطة.
ويضيف السياسي نفسه انه يقول قوله هذا "فقط" للحذر من التفاؤل بأن "التعديل" الذي أدخله "حزب الله" على خطابه في الأيام القليلة الماضية، يمثّل تغييراً يمكن البناء عليه بشكل "حاسم".
..والتزام مع إيران
غير ان سياسياً آخر يوافق على تقدير السياسي السابق للموقف، يدعو إلى الانتباه إلى ان محاولة الابتعاد من جانب "حزب الله" عن الاحتكاك مع الوضع السنّي وإن كانت غير ناجحة حتى الآن للأسباب المشار إليها آنفاً، فإنها مع ذلك تمثّل "التزاما" من قبل "حزب الله" تجاه إيران التي التزمت بدورها تجاه المملكة العربية السعودية بالعمل على منع الانزلاق نحو فتنة شيعية ـ سنّية.
خلاصة ما يمكن قوله، هو ان "التعديل النسبي" على خطاب "حزب الله" بالرغم من أهمية ملاحظته، لا يخفي حقيقة ان الخروج "الحاسم" من دائرة خطر الفتنة، لا يكون بالتحريض على فتنة من "نوع" آخر، سنّية ـ درزية أو سنّية ـ مسيحية أو مسيحية ـ مسيحية، ولا يكون باستعادة "لعبة قديمة" تقوم على محاولة "اختراق" جبهة 14 آذار، بعد المحاولة الفاشلة للايقاع بين 14 آذار والجيش. وإذا كان "حزب الله" يواجه "إشكالية" كبيرة في بحثه عن "صيغة" جديدة لاستئناف "تحرّكه" فما عليه سوى أن يراجع الحسابات كلّها من الأساس.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00