في ضوء النتائج الكارثيّة ليومَي الثلاثاء والخميس الأسوَدين، ومع الانزلاق الذي بدا متسارعاً نحو الفتنة، ارتفعت في لبنان وعلى غير صعيد عربيّ وإقليميّ أسهم "التفاؤل" بإمكان التأسيس لـ"مناخ" حلّ للأزمة اللبنانيّة التي دامت طويلاً.
التفاؤل بوصول مشروع "حزب الله" إلى الفشل
ولدى التدقيق في الأسباب الكامنة وراء ارتفاع منسوب "التفاؤل"، يتبيّن انّها عديدة، ويجري بناء التفاؤل عليها.
ثمّة سبب "منطقيّ" أولاً، هوَ أنّ وصول "مشروع سياسيّ" ما أو "مشاريع سياسيّة" عدّة الى طريق مسدود، من شأنِه عادةً أن يفتحَ طريقَ البحث عن حلول وتسويات.. أي انّ ظهور "استحالة" تحقّق مشروع ما، يفرضُ على أصحابه منطقياً الانتقال الى بحث سبل الخروج من المأزق، والى الانفتاح على الاقتراحات الملائمة.
والحال، انّ تحرّك قوى التحالف السوريّ الايرانيّ وعلى رأسها "حزب الله"، وصل بالفعل الى طريق مسدود. ذلك انّ ما حصلَ يومَي الثلاثاء والخميس الماضيَين يكشفُ استحالة المضيّ قدماً في خطّة اسقاط الحكومة، عبر محاولة تغيير موازين القوى في "الشارع"، من دون المغامرة بجرّ البلاد الى حرب أهليّة.
"التفاؤل" بـ"الخوف" من الفتنة
وثمّة سببٌ ثان مكمّل للأوّل. فمَن استمعَ إلى خطبة الأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله مساء الأحد، والتي أتت بعدَ ثلاثة أيام من النداء الذي وجّهه الخميس الماضي، الى محازبيه وأنصاره من أجل الانسحاب من الشارع، أمكن له أن يدرك كم انّ الخوف من شبح الفتنة المذهبيّة، الشيعيّة السنّية، "يخيّم" على هذه الخطبة بمفاصلها كافة.
ذلك هوَ الجانب "الايجابي" من الخطبة، أي أن يكون نصرالله واعياً لخطورة الانزلاق الى الحرب الأهلية، وأن يعلن تبعاً لذلك تصميمه عن عدم "الدخول" فيها. لكنّ مَن تابع خطبة السيّد، لاحظَ فيها مصطلحاً جديداً بنى عليه البعضُ تفاؤله. ففي معرض تحديده لـ"المعادلة" الجديدة لموقف "حزب الله" بعدَ الأحداث الأخيرة، قال نصرالله "لن نستسلم لضغوط الفريق الحاكم ولَن ندخل في الفتنة وسننجح في اختيار الطريق الثالث".
المصطلح الجديد هنا، هو "لن نستسلم"، الذي بدا انّه يحلّ مكان شعار سابق هو "كما وعدتكم دائماً بالانتصار، فإنّني أعدكم به مجدّداً". وبهذا المعنى، فإنّ الانتقال في الخطاب السياسيّ من الحديث عن "الانتصار" الى الكلام عن "عدم الاستسلام"، شكّل بالنسبة الى العديدين مؤشراً يدعو الى "التفاؤل"، بما انّ أحداً لا يطالب "حزب الله" في الأصل بـ"الاستسلام"، بل يدعوه الجميع الى "تسوية" لا منتصر فيها ولا مهزوم.
.. وبالاهتمام العربي بلبنان
أما السبب الثالث وراء ارتفاع أسهم "التفاؤل"، فيتّصل بحركة الاتصالات العربية العربية من جهة وبالاتصالات السعودية الايرانية على الرغم من تأكيد المملكة أن ليس في الأمر أيّ مبادرة حتّى إشعار آخر من جهة ثانية. ذلك انّ تكثّف الاتصالات أوحى الى من يريد "التفاؤل" انّ ثمّة قدراً عالياً من الاهتمام بلبنان، وانّ هذا البلد لن يُترك في مواجهة مصيره بمفرده، لا سيما ان ذلك الاهتمام العربي، والاقليمي الدولي بلبنان يرتبطُ بالسعي الى انقاذ المنطقة ككل مما تغرق فيه من مشكلات كما في فلسطين والعراق، ولا سيما أيضاً ان "السعاة" يعتبرون الى حدّ كبير انّ الحلّ في لبنان يمكن أن يكون مدخلاً الى الحلّ في المنطقة.
بكلام آخر، انّ مصدر ارتفاع منسوب التفاؤل، هو بالضبط "المشكلة" التي يواجهها تحرّك "حزب الله" وحلفائه.
بيدَ انّ ما تقدّم لا يمثّل سوى جانب من "الصورة". فأن يكون تحرّك "حزب الله" يواجهُ "مشكلة" أكيدة، لا يعني انّ الظرف يشهد أو يمكن أن يشهد تقدماً سريعاً نحو الحلّ. ولهذا الاستنتاج اعتبارات عديدة لا يمكن تجاهلها أو القفز فوقها.
النظام السوري يمثّل العقبة الرئيسية
لا يمكنُ لـ"لحظة" واحدة تناسي انّ للنظام السوريّ خطةً تخريبية في لبنان، وانّ هذا النظام يقف بقوّة ضدّ استقرار لبنان وضدّ تمكينه من استكمال استقلاله وسيادته ومن بناء دولته.
وواقع الأمر، ان النظام في سوريا يحاول من خلال خطة التخريب في لبنان، كما عبر "سياسته" التخريبية في فلسطين والعراق، إستدراج تسوية معه يريد منها أن تُسقط المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر جرائم الاغتيال الأخرى، كمدخل الى "اعادة الاعتبار" لدوره الاقليمي.
وإذا كان نظامُ الأسد يعرف تمام المعرفة انّه يواجه عزلةً عربيّة ودوليّة، فإنّه في الوقت نفسه يسعى الى إستدراج مفاوضات عربية معه، تحت عنوان انّه "مفتاح" لحلّ الأزمات العربيّة الكبرى بما انّ له دوراً رئيسياً في تفجيرها. وفي جميع الأحوال، تبيّن لمن اتصل به من العرب انّ لهذا النظام شروطاً للحلّ في لبنان، وانّه لا يتردّد في التهديد بمواصلة التفجير في هذا البلد ان لم تجرِ تلبية شروطه التي يقع إسقاط المحكمة الدولية على رأسها.
ايران بين احتمالَين
في جانب آخر من "الصورة" هناك ايران. وفي هذا المجال، ثمة احتمالان. الاول هو "الظن" بأن لدى ايران حسن نيّة، والثاني هو "الاعتقاد" بالتناغم الايراني ـ السوري.
في الحالة الاولى، اي حالة حسن النيّة، يمكنُ الاشارة الى ان اوساطاً ديبلوماسية عربية تنقل عن الديبلوماسية الايرانية ان ايران بذلت لدى النظام السوري محاولات عدة لـ"اقناعه" بتسهيل الحل في لبنان، والذي هو ـ أي الحلّ ـ مصلحة ايرانية على اساس انّه يظهّر ايجابية طهران في مواقع تمتلك فيها نفوذاً معيناً.. لكن النظام السوري يرفض الاستجابة الى المحاولات الايرانية. وبناءً عليه، وبحسب الاوساط الديبلوماسية نفسها، فان ايران "تقترح" على العرب المحاولة مع دمشق من جانبهم.
وفي الحالة الثانية، اي الاعتقاد بوجود "تناغم" ايراني ـ سوري، فإن ما يقوم عليه هذا "الاعتقاد"، هو ان ثمة تنسيقاً بين الجانبين، تظهر ايران من خلاله بصورة "مرنة" مفسحة في المجال امام النظام السوري لابداء "التشدد" الذي هو الموقف "الفعليّ" لطهران.
وفي الحالتين، فإنه لا يُتوقع تحقيق تقدّم على طريق المساعدة في حل الازمة اللبنانية في ظل الاوضاع الاقليمية الراهنة، بين ازمة العلاقات العربية ـ السعودية، وبين الازمة الدولية ـ الايرانية وبين صيغة العلاقة الايرانية ـ السورية القائمة على عدم الضغط الايراني على النظام السوري في أحسن الاحوال وعلى التواصل معه في كل الاحوال.
"حزب الله" بين دمشق والمخاض في ايران
على ان ثمة جانباً مهماً يقتضي الانتباه اليه في معرض تحليل الاعتبارات التي لا تجيز لأحد تقدير ان ثمة اقتراباً من الحل في ضوء "المشكلة" التي يواجهها تحرك "حزب الله".
من المعروف تماماً ان "حزب الله" يقيم اقليمياً على تقاطع ايراني ـ سوري. غير ان اوساطاً متابعة، سياسية وديبلوماسية، تلفت الى ان "حزب الله" غدا في الآونة الأخيرة، ولأسباب تحتاج الى متابعة وتدقيق، اكثر التصاقاً بالحسابات السورية، اي بـ"الخطة السورية". والبعض يشير هنا الى انّ "قسمة العمل" الايرانية ـ السورية أوكلت الى النظام السوري الدور المباشر والى ايران الدور الداعم. والبعض الآخر يشير الى "تحولات" على مستوى بعض المواقع في "حزب الله"، أصبح بموجبها عددٌ من هذه المواقع اكثر "تسوْرناً". لكن هناك من يقول في المقابل إن ثمة "مخاضاً" في إيران حالياً يُتوقع أن ينتج متغيّرات داخلية، وأن ذلك ينعكس داخل "حزب الله" نفسه. كما أن هناك من يقول إن في إيران قراراً كبيراً بالعلاقة مع المملكة العربية السعودية، وأن ثمة قراراً سورياً مقابلاً بإجهاض أي أفق لتقارب إيراني ـ سعودي، عبر "حزب الله".
لكن، أياً تكن الأسباب، فمن الواضح أن "لبَكة" الحزب القائمة حالياً، ليست مرشحة لـ"الانقشاع" قريباً، مما يعني أن "المراوحة" ضمن الأزمة تبدو الاحتمال الأرجح.
"لبكَة" الحزب والتصعيد ضد 14 آذار
على أي حال، وتدعيماً لهذا الاستنتاج، فإن العودة الى خطبة السيد نصرالله مساء أول من أمس الأحد، كفيلة بـ"تظهير" الكلام عن "لبكة الحزب".
ففي وقت سعى نصرالله الى تبديد الشكوك حول الفتنة المذهبية وموقف "حزب الله" الرافض لها، وفيما تحدّث عن "طريق ثالث" بين "الاستسلام" والفتنة، حمل الأمين العام على من سمّاهم "الفريق الإسرائيلي" ضمن حركة 14 آذار (!) وقال إن هذا الفريق يعمل من أجل إشعال الفتنة الشيعية ـ السنية.
وبعد هذه الخطبة، تولى عددٌ من مسؤولي الحزب "الشرح". وفي هذا "الشرح" حُدّد "الفريق الإسرائيلي" برئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط ورئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع. وكل ذلك في موازاة حملة على ما سمّي "ميليشيا تيار المستقبل".. وفي موازاة "محاولة القول" إن جنبلاط وجعجع يسيّران حركة 14 آذار كما يريدان، وذلك سعياً الى "التمييز" بين أركان حركة الاستقلال، فيما التركيز جارٍ على قدم وساق ضدّ "تيار المستقبل" ورئيسه سعد الحريري.
إن المفارقة جليّة بين إبداء الوعي حيال خطر الفتنة المذهبية من ناحية وبين تسعير الخطر سياسياً من ناحية ثانية. فالحملة على "المستقبل"، وهي حملة تستند إلى معطيات كاذبة، هي تسعير للفتنة. والكلام عن "فريق إسرائيلي" من حليفَين لتيار "المستقبل" تسعيرٌ للفتنة أيضاً. واتهام جنبلاط بتنفيذ مشروع إسرائيلي، وهو الذي لا يحتاج الى شهادة في الوطنية، هو تسعير لخطر الفتنة، وكذلك اتهام جعجع بالصلة بمشروع إسرائيلي، في وقت ينتهج خطاً سياسياً معتدلاً، هو تصعيد بكل معنى الكلمة.
لذلك، فإن ملاحظة "لبكة" الحزب في ظل المعطيات الآنفة، لا تسمح باستنتاج أن "حزب الله" المدرك بلا شك لخطر ما أسفر عنه تحرّكه، لن يمارس التصعيد مجدّداً.. بدليل خطابه السياسي في الجزء المتعلق بالحلول التي لا يزال يوصد الأبواب في وجهها.
مشكلة أكيدة في "التحرك".. ولكن
من المؤكّد انّه سيبحث طويلاً جداً عن أشكال التصعيد في ظلّ معادلة "الطريق الثالث" التي أعلنها. ومن المؤكّد انّ ايجاد "الطريق الثالث" لن يكون سهلاً بل هو إشكالية في حدّ ذاته. ومن المؤكد انّ التحرّك، كما تجلّى الأسبوع الماضي خاصة، قد فشل لأنه وقع في ما يؤكد "حزب الله" خوفه منه. لكنّ من المؤكد أيضاً ان "حزب الله" يعتبرُ ان "تعطيل" الآخر هو نجاح، وهو لا يتردّد في اعلان نيّته الاستمرار في التعطيل.
من حقّ كلّ المتابعين أن يستنتجوا انّ التحرّك كان فاشلاً وانّ نتائجه كانت موجعة سياسياً لحزب الله وملحقاته. لكنّ التمييز لا يزال ضرورياً بينَ هذا الاستنتاج من ناحية وبين الاعتقاد ان أفق الحل باتَ مفتوحاً من ناحية أخرى. ولأن الوضع كذلك، فإن لبنان لا يزال في دائرة الأخطار الشديدة. وإشاعة أجواء من "التفاؤل" لا تغني عن القراءة الواقعية.. وفيها انّ "حزب الله" بالرغم من النكسات السياسية، لم يتقدّم بعدُ في الاتجاه الصحيح.
والمطلوبُ في هذه المرحلة كثيرٌ من الموضوعية ومن عدم المبالغة، كي لا يلدغَ المؤمنُ من الجحر مليون مرّة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.