8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

تحدّي إزالة الخيَم اعترافاً بفشل "خيار الشارع"

أطلق "حزب الله" إشاعة وراحَ يصدّقها. تقول هذه الإشاعة انّ فريق 14 آذار ضغط على قيادة الجيش لتقوم بـ"قمع" الاحتجاج العصيانيّ الذي نفذّه الانقلابيّون الثلاثاء الماضي، وانّ هذا الفريق في صدد تنفيذ حملة سياسيّة ضدّ المؤسسّة العسكرية.
الاجتماع بين المخابرات السوريّة و"حزب الله"
هذه الإشاعة، كما تدلّ التسمية، مختلقة من أساسها. وفي ما يأتي عددٌ من التوضيحات.
في معلومات مِن مصادر موثوقة، انّ لقاء "تنسيقياً" عقد عشيّة العصيان، بين مسؤول المخابرات العسكريّة السوريّة اللواء آصف شوكت وقياديّ بارز في "حزب الله" يتابع عادةً ملفّ العلاقة بين الحزب والقيادة الأمنيّة السوريّة، جرى خلالَه وضع اللمسات الأخيرة على خطّة "التحرّك" الذي كان يفترض أن يكون التحرّك "الحاسم" على طريق اسقاط السلطة الشرعية الدستوريّة، وفقاً لتخطيط الانقلابيين.
في هذا الاجتماع، كان رأيُ المخابرات السوريّة، والذي وافق عليه مندوب "حزب الله"، انّ عماد عصيان الثلاثاء يجب أن يكون مسيحياً، أي أن يتقدّم "الجناح المسيحيّ" للانقلاب الصفوف، وأن يتحرّك "الجناح الشيعيّ" بوتيرة "نسبيّة"، بحيث تكون المناطق المسيحيّة "مركز" الحركة الانقلابية في ذلك اليوم.
"الجناح المسيحيّ" والجيش
كانَ تقديرُ المخابرات السورية، والذي التزم به مندوب "حزب الله"، انّ تقدّم "الجناح الشيعيّ" لمسرح الأحداث، من شأنِه أن ينتقل بسرعة الى مواجهة مذهبيّة شيعيّة ـ سنّية، الأمر الذي ينبغي تلافيه، لأنّ حصوله ستكون له تداعيات معيّنة داخل سوريا من ناحية ولأن حصولَه سيدفع باتجاه دخول الدول العربية على الخطّ بما يحشر النظام السوريّ من ناحية أخرى.
وبعدَ بتّ هذه النقطة، انتقلَ البحثُ في اللقاء الأمنيّ المذكور، الى موضوع الجيش. وكانَ موقف المسؤول المخابراتيّ السوريّ، والذي تبنّاه مندوب "حزب الله"، انّه يجب "تحييد" الجيش. وفي خلفيّة هذا الموقف، انّ الجيش إن لم يتدخّل لمنع "المحتجّين" وسحبهم من الطرقات، فإنّ أحداً لن يستطيع أن يفرض عليهم التوقّف، أي ان الحركة الانقلابية تكون نجحت عندئذ في "اختبار القوّة" ومن دون مواجهة مع الجيش.
اذاً، انّ "الخطّة" تقررّت في هذا الاجتماع "التنسيقي" بشقّيها المتعلّقين بتقديم "الجناح المسيحي" وبـ"تحييد" الجيش. وعشيّة "الثلاثاء الأسود" مورست ضغوط شديدة على المؤسسة العسكرية لتنفيذ "التحييد".
قيادة الجيش و"العصا من الوسط"
كان وضعُ قيادة المؤسسة على درجة عالية من الإحراج، وفقاً لكلّ المعطيات والمعلومات المتوافرة. فمن جهة، التزامٌ من جانب هذه القيادة بعدم السماح بالاعتداء على الأملاك العامّة والخاصّة وبمنع عمليات قطع الطرق وتعطيل المؤسسات، وبقمع أيّ اعتداء على حريّات الناس، لكن من جهة أخرى، كانَ ثمّة خوفٌ كبير لدى هذه القيادة مّن أن تقمع العصيان بالقوّة فيسفر ذلك عن نتائج دامية، وعن تداعيات داخل الجيش.
ذكرت المعلومات المتوافرة انّ قائد الجيش العماد ميشال سليمان، المتعافي حديثاً من عمليّة جراحية، كانَ صبيحة "الثلاثاء الأسود" بالغَ القلق، وانّه كان يفكّر بخطوة "احتجاجيّة" ما مّن جانبه، في ظل الوضع الذي فرضَ عليه أن يكونَ فيه بينَ قائد لمؤسسة تقع على عاتقها مهام كثيرة وصعبة، مّن بينها الحفاظ على "النظام العام"، وبين كونه حريصاً على ألا تفلت الأمور فيما الفريق الانقلابيّ مصرّ على ملامسة أعتاب الفتنة.
اذاً، انّ القرار المخابراتيّ السوريّ المبلّغ الى "حزب الله" تحت عنوان "تحييد الجيش"، هو وراء الضغوط الكبيرة التي تعرّض لها الجيش. هذا مع العلم انّ عنوان "التحييد" هنا يُقصد به الطلب منه "مواكبة" العصيان الانقلابيّ. أما حياد الجيش بـ"المطلق" فهو طبيعيّ في "السياسة" أي حيال الصراع السياسيّ، لكنه لا يعود حياداً اذا كان الأمر تراجعاً أمام التخريب. وبالمناسبة، يتذكّر أركان حركة 14 آذار انّ العماد سليمان "نبّه" مراراً قادة الحركة في ربيع العام 2005 من "الإفراط" في التحرّكات والاعتصامات ومن الاقدام على خطوات تؤدّي الى احتكاك ما مع الجيش، الأمر الذي كان على حركة 14 آذار أخذه في الاعتبار آنذاك.
هذا، على صعيد المقدّمات التي تُظهر انّ مصدر الضغط على الجيش، معروف، وهو "حزب الله" بالدرجة الأولى.
حاولت القيادة في ظلّ التصعيد الانقلابيّ، احتواء الموقف. بدا انها تريد أن "تمرّر" العصيان بأقلّ الخسائر الممكنة، على أساس أن يؤدّي أداؤها الى "تنفيس" الحالة المنظّمة في الشارع، فيتم بعد ذلك استيعاب الأمور وإعادة الحياة الى طبيعتها.
وما جرى قوله حتّى الآن ليس محاولة لـ"تبرير" ما جرى الثلاثاء، بل هو محاولة لـ"تفسير" الوقائع.
مفاجأة الثلاثاء: التصدّي الشعبيّ المسيحيّ
بيدَ انّه جرى يوم "الثلاثاء الأسود"، ما لم يكن في حساب المخابرات السورية ومندوب "حزب الله".
كانت قناعتهم انّ عدم تدخّل الجيش سيؤدّي الى فرض "أمر واقع" لن تستطيع حيالَه قوى 14 آذار شيئاً. لكنّ ما حصل هو انّ هذه القوى في المناطق المسيحيّة، نزلت مع أنصارها الى الشارع للمطالبة بفتح الطرقات. وبنزولها الى الشارع في مناطق جبيل وكسروان والمتن، برزَ معطى جديد، أو توازن جديد. صارَ الجيشُ الذي اعتمد حتّى الآن أداءً "مرناً"، مضطراً الى أخذه في الاعتبار. وبكلام آخر، حصل يوم الثلاثاء سقوطٌ سريع لـ"الجناح المسيحيّ" من الانقلاب، بفعل عزلته في الشارع المسيحيّ. وهذه حقيقةً لا يغيّر منها التحامل على "القوات اللبنانيّة" واتّهامها بالنزول المسلّح على الطرقات، ذلك انّ هذا الاتهام ليس سوى مجرّد ردّ فعل عصبيّ على فشل الحركة الانقلابية.
على انّ القول انّ سقوطاً سريعاً لـ"الجناح المسيحيّ" من الانقلاب حصلَ بالفعل، يعني انّ خطّة يوم الثلاثاء المقرّرة بين المسؤول المخابرات السوريّ ومندوب "حزب الله" سقطت هي أيضاً، بما انّ هذه الخطّة قضت بوضع "الجناح المسيحي" في الواجهة، واجتناب تقدّم "الجناح الشيعي" للواجهة.
ان فشل خطّة الثلاثاء، مضافاً إليه الاتصالات الاقليميّة، سمحَ لقيادة الجيش أن تتنفّس الصعداء لبعض الوقت، فتحرّك الجيش، وقد وضعت قوى الأمن الداخلي تحت أمرته، وقام بفتح الطرقات وإخماد الحرائق وإزالة التعدّيات.
الخميس ومحاولة "التعويض"
وعلى ما يبدو، فرضَت نتائج الثلاثاء تعديلاً على الخطّة. لا يستطيع "حزب الله" تحمّل الفشل، ولا بدّ أن يسعى الى "التعويض".
وبهذا المعنى، فإنّ حركة "الخميس الأسوَد" تقع في إطار محاولة "التعويض". استبقَ "حزب الله" على لسان أمينه العام السيّد حسن نصرالله أحداث ذلك اليوم، بخطبةٍ في مجلس عاشورائيّ، "تميّزت" باتّهام فريق 14 آذار بالعمل على إجهاض المسمّاة "معارضة"، عبرَ الذهاب الى حرب أهليّة، وبالتأكيد مِن جانبه على أنّ الفتنة الشيعية ـ السنّية لن تحصل.
إفترض الحزب انّ كلام مرجعه الأوّل، يمكن أن يشكّل ستاراً دخانياً لـ"التحرّك" في اليوم التالي. جرَت محاولة تنفيذ سيناريو اقتحاميّ للعاصمة. وهنا أيضاً وقع ما لم يكُن في الحسبان. فالاحتقان في بيروت حيال "حزب الله"، في الذروة، ونزل أهالي بيروت ينتصرون لقيادتهم السياسيّة، ولمواجهة الاعتداء على بيروت، لأنّ الدخول الى أحيائها هو الاعتداء وليس ردّ الفعل. وبما انّ اتّهامات "حزب الله" لـ"تيّار المستقبل" بالتحوّل الى ميليشيا، لا تستحقّ التعليق في وقت يتّصف رئيس هذا التيّار سعد الحريري بالصبر وبالجهد الدؤوب لمنع الفتنة المذهبيّة، فإنّ ما يستحقّ التسجيل، هو انّ خطّة يوم الخميس فشلت أيضاً أمام شعور "حزب الله" بأنّه ينزلق وبسرعة الى الفتنة الشيعيّة ـ السنّية التي "كان" يحاول تجنّبها.
الاستنجاد بالجيش مِن "مفاجأة" بيروت
عند هذا الحدّ، لجأ "حزب الله" وملحقاته الى الجيش الذي اتّخذ خطوة حظر التجوّل ليتمكّن من السيطرة على الأحداث في العاصمة.
إذاً، مِن متابعة أداء الحزب منذ الأوّل من كانون الأوّل الماضي، يظهرُ واضحاً انّه لجأ حيال الحيش الى مجموعةٍ من المحاولات والبدائل. حاولَ "اختبار" الجيش في خطّة اقتحام السرايا في اليوم التطبيقيّ الأوّل للانقلاب. وحاول عبر البقاء في الشارع إنهاك الجيش. وضغط من أجل تحييده "سلباً". ثمّ انتهى الى الاستنجاد به. وثمّة من يقول انّ "حزب الله" فكّر في لحظة من اللحظات بـ"التأثير" على صلابة موقف المؤسّسة ووحدة هذا الموقف.
وعليه، فإنّ الشائعة التي يطلقها ويصدّقها، لا تصمد أمام الوقائع والمعطيات. كذلك، يجب أن يكون واضحاً انّ مَن يواظب على مناقشة وضع الجيش وموقعه، وانّ مَن يفتّش عن طريقة للالتفاف على مشكلة ما مع هذه المؤسّسة، هو مَن يخطّط لإنقلاب ويقوم بتنفيذه، ومَن يحسب حسابات القوى في مشروعه. أمّا فريق 14 آذار، فلا يتعاطى مع الجيش على انّه أداة سياسيّة، بل على أساس كونه المؤسّسة الحامية للنظام السياسيّ والنظام العام في البلاد، ويتعامل معه بوصفه مطالباً باستمرار بالحفاظ على الاستقرار والسلم الأهليّ. وبكلام آخر، لم يطلب فريق 14 آذار من الجيش مطالب "خاصّة"، وإذا كان برزَ خلال الأيّام الماضية كلامٌ مِن بعض قوى حركة 14 آذار حول أداء الجيش، فلم يكُن هذا الكلام الذي استند الى تصرفات عسكرية في بعض الامكنة إلا من باب الحرص على عدم ترك الأبواب مفتوحةً أمام حركة إنقلابية تدمّر حياة البلد والناس.
الخيَم وسط العاصمة
وعلى كلّ حال، ثمّة تحدٍّ مطروح في وجه "حزب الله" ومحلقاته، بالنسبة الى الجيش تحديداً.
ثمّة "فيصل" بينَ أن يثبت "حزب الله" احترامه للجيش ودوره وبينَ أن يتّهم الآخرين بالضغط عليه وعدم احترامه.
في وسط بيروت، في ساحتَي الشهداء ورياض الصلح، ينظّم "حزب الله" ما يسمّى "اعتصاماً مفتوحاً"، ويقيمُ خيَماً للمعتصمين هناك. فإذا كان لجوء الحزب الى الجيش مساء الخميس الفائت، ناجماً عن اقتناع لديه بأنّ تجربة النزول الى الشارع أوشكت أن تُدخلَ البلد في حرب أهليّة، فقد باتَ عليه إزالة هذه الخيَم.
فمنها انطلقت مساء الخميس، وقبيلَ سريان مفعول حظر التجوّل، أعمال الشغب التي استهدفت الشوارع والمباني والمصارف وبعض المقرّات الحكوميّة. وبهذا المعنى، وخصوصاً في ضوء ما انتهت إليه "التجربة"، فإنّ الخيم أصبحت بؤرة للفتنة، وعلى الأقلّ فإنّ بقاءها يؤشّر الى انّ الفتنة لا تزال قائمةً، لأنها غدَت أشبه بـ"خطّ تماس".
وفي جميع الأحوال، تقتضي "الشجاعة" من "حزب الله" الاعتراف على نحو صريح بأنّ "خيار الشارع" فشلَ تماماً، بالضبط لأنّه ـ أي هذا الخيار ـ استنهض الفتنة بكلّ تشعّباتها.
أمّا صون الجيش فمسؤوليّة الجميع، ولا يجوز تحميله من الأعباء فوقَ ما يستطيع. وهي مناسبةٌ لتأكيد الثقة بهذه المؤسّسة، التي هي عماد الدولة في المطاف الأخير.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00