8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"ذاكرة 6 شباط 1984".. في ظروف شديدة الاختلاف

في كلامه أول من أمس، لم يترك الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله مجالاً للشكّ في انّ ثمة "جولة" ثانية بعد "الثلاثاء الأسود" قيد الإعداد من جانبه، وان توقيتها وشيك. كان التقدير ان العنف الميليشياوي الذي أثبت "حزب الله" انه بارع فيه، سيُستأنف بعد انتهاء مؤتمر باريس ـ 3 لدعم لبنان. بيد انه لم ينتظر نهاية المؤتمر، فأطلق العنان لميليشياته في بيروت أمس، مستعيناً بـ"الخبرات" التي حصّلتها ميليشيا "حركة أمل" و"وقبضاياتها" في الحرب السابقة، فتمّت استباحة العاصمة.
ان هذه المقدّمة في استنتاجها وجود "نيّة" وقرار لدى "حزب الله" وملحقاته بـ"جولة" ثانية، تستند إلى موقف "سياسي" معلن من جهة وإلى ممارسة ميدانية من جهة ثانية.
لماذا أوقف "حزب الله" "الاحتجاج" مساء الثلاثاء؟
غير ان ما ينبغي التوقف عنده، هو ما تضمنّه خطاب نصرالله أول من أمس، وهو خطاب لم يقل فيه السيّد الحقيقة.
في هذه الخطبة، قال نصرالله انّ "المعارضة" لم توقف الإضراب مساء الثلاثاء لأن الإضراب كان مقرّراً ليوم واحد في الأصل. لكنه أضاف ان المسمّاة "معارضة" أوقفت ما قال انه "احتجاج" قاصداً بذلك بذلك عمليات قطع الطرق وحرق الإطارات وغيرها، وعزا سبب توقيف هذا "النشاط" إلى انه وحلفاؤه أرادوا قطع توجّه "الفريق الحاكم" إلى الحرب الأهلية (!).
ليست هذه هي الحقيقة.
كان واضحاً عشية "الثلاثاء الأسود" ان "حزب الله" يحاول قدر الإمكان تجنّب حصول مواجهة شيعية ـ سنّية مباشرة، وانه يريد أن يأخذ "الجناح المسيحي" للإنقلاب دوراً رئيسياً. غير ان حسابات الحقل لم تنطبق على حسابات البيدر.
الانهيار العوني السريع
لقد حصل إنهيار سريع للمكوّن العوني، عندما ظهر بوضوح انه غير قادر على إغلاق المناطق المسيحية تحت عنوان "الإضراب"، وانه واجه استنفاراً شعبياً ضدّ إغلاق المناطق المسيحية بالقوة. وقفت مناطق كسروان وجبيل والمتن في مواجهة "المسيحي الإنقلابي" مؤكدة انحيازها إلى "مسيحيي 14 آذار".
ويعلم نصرالله علم اليقين ان ممثلي الجناح العوني من الإنقلاب، طالبوا في اجتماع ما يسمّى "المعارضة" مساء الثلاثاء، باستمرار "الاحتجاج" أي أن يستمر "العصيان" والا يتوقف. وقالوا شرحاً لمطلبهم هذا انهم إذا توقف "العصيان" وتقرّر بعد ذلك استئنافه، فلن يكونوا قادرين على عمل أي شيء بالمطلق.
بكلام آخر، حصل انهيار عوني "حاسم". ووفقاً لكل المعلومات، فإن عون انتهى في "الجبل المسيحي". وعلى كل حال، يعلمُ نصرالله ومعه رئيس "حركة أمل" نبيه بري انهما "أنجدا" عون بالميليشيا في منطقة الحازمية "المسيحية" ما أدى إلى مزيد من الاستنفار المسيحي ضدّه.
وإنهيار "الجناح المسيحي" للإنقلاب، أعاد الأمور إلى "حقيقتها". و"الحقيقة" هنا، هي ان ما حاول نصرالله الهروب أو التهرّب منه، تأكد من جديد، أي ان الحركة الإنقلابية "شيعية" بامتياز.
الطلب الإيراني
إذاً، ان العامل الأول في الاضطرار إلى وقف "أعمال الاحتجاج" كما سمّاها نصرالله، هو سقوط جناحه العوني مسيحياً.
لكن العامل الثاني، إقليمي، حيث لم يعُد سراً ان إيران طلبت من "حزب الله" و"أمل" ضبط ايقاع التصعيد، بما يمكنها من "مراعاة" الاتصالات مع المملكة العربية السعودية التي تحركّت بقوة عندما بدا واضحاً ان "حزب الله" و"أمل" ينزلقان بسرعة إلى الفتنة.
لا علاقة إذاً لـ"مناقبية" المسمّاة "معارضة" ولا لـ"حسن سلوك" الحزب بتوقيف "الاحتجاج" الثلاثاء ليلاً. و"الدليل الميداني" على ذلك، هو ان ميليشيا "حزب الله" استمرت في خطة حصار بيروت حتى الليل، وواصلت إقامة المتاريس والسواتر حول العاصمة إلى أن جاء "الطلب" الإيراني.
من المؤسف ان السيّد لم يقل الحقيقة في هذا المجال. وهو لم يقُلها في مجال آخر، حيث اعتبر ان صرخة فريق 14 آذار ضدّ حصار بيروت، مفتعلة، وان المراد منها تأجيج الفتنة عبر "الايحاء" بأن بيروت السنّية تتعرّض لهجوم شيعي (!).
خارطة أمنية ـ عسكرية لبيروت
يعلمُ الأمين العام لـ"حزب الله" بكل تأكيد ان ما شاهده اللبنانيون حول بيروت، كان بتوجيهات منه، بهدف الإطباق على العاصمة، وان ما نفّذته ميليشيا الحزب عبارة عن خطة عسكرية ـ أمنية محكمة، وان "خارطة" بالنقاط التي يجب إغلاقها كانت موضوعة بالفعل. وبمعنى آخر، كان ثمة "بروفا" تطبيقية لحصار بيروت.. واقتحامها في وقت لاحق. ولعل هذا ما جعل نصرالله يفاخر في خطبته أول من أمس بأنه و"المعارضة" يملكان الإمكانية العملية لإسقاط الحكومة في الشارع، لكنهما "يعفّان" عن ذلك حتى الآن.
الحقيقة إذاً، ان ما جرى يوم الثلاثاء الأسود، كان مرشحاً ـ ولا يزال ـ للاستمرار و"التطوّر". كان ما يسمّيه نصرالله "احتجاجاً"، عملاً عسكرياً ـ أمنياً بامتياز. وككل انقلاب موصوف، كان هدفه السيطرة على العاصمة، فلا يخبرنّ السيد حسن اللبنانيين أي شيء آخر. فاغلاق طريق المطار، وإغلاق المرفأ، وإقامة السواتر الترابية، أمور دفعت فريق 14 آذار إلى التحذير منه لأسباب لبنانية وليس سنّية.
لا داعي إلى التعليق كثيراً على كلام نصرالله بشأن ما قال انها "ميليشيات السلطة". بيد ان ما يستحق التسجيل في هذا المجال، هو ان اللبنانيين يواجهون خطة عسكرية ـ أمنية لانقلاب هو بالتعريف "مشروع حرب أهلية" والخارطة التي اشتغل عليها "حزب الله"، هي خارطة خطوط التماس الجديدة في الحرب الجديدة التي ينزلق اليها. ومن يحمل مشروعاً إنقلابياً هو من يقود البلاد إلى الهاوية.
واقع "الجبهات"
وعلى أي حال، شكّل يوم الثلاثاء الأسود، اختباراً من جانب "حزب الله" لـ"جبهات" الحرب الأهلية. ولعلّه استنتج ان "الجبهة المسيحية" لن يمكن اختراقها. فـ"الجنرال" مكلّل بـ"غار" البطولات الهروبية. وسليمان فرنجية ما كان ليستطيع ايصال أتباعه إلى البترون لو كانت "القوات اللبنانية" تعدّ لمشكلة فعلاً كما اتهمها عون الذي وبالمناسبة، تتردّد اقتراحات كثيرة لمساعدته على إنهاء حياته العملية بشكل يناسب من بات الشعب ينبذه.
كذلك، لعل "حزب الله" استنتج من الاختبار ان "الجبهة الدرزية" عصيّة على الاختراق، وان "جبهة الشمال" كفيلة بأن يبقى سليمان فرنجية في زغرتا.
استباحة بيروت أمس: بري وذاكرة 6 شباط
لذلك، يتركّز جهد "حزب الله" على بيروت، على حصارها، على اقتحامها.
وكي لا يكون ثمة التباس، يجب القول ان خضوع "حزب الله" لـ"الأمر" الإيراني بالتوقف الثلاثاء ليلاً، لا يعني ان إيران باتت "نهائياً" على خط التعاون التام مع المملكة العربية السعودية من أجل احتواء الأزمة اللبنانية، مثلما لا يعني انّ النظام السوري في حلّ من خطّته التفجيرية في لبنان. كذلك فإن ايران تجيد أيضاً عندما يقتضي الأمر لعبة التفاوض على الحامي، بحيث تترك لـ"حزبها" مجالاً لتغيير ميزان القوى على الأرض.
وبهذا المعنى، فإن استباحة ميليشيا "حزب الله" و"أمل" لبيروت أمس، والتصميم على إخضاعها لم يعد مهمّاً انهما ـ الاستباحة والتصميم ـ مأذونان سورياً بشكل خاص، بل هما يعنيان الانتقال إلى اعتماد "نموذج" 6 شباط 1984، ويعنيان ان "الحركة الإنقلابية الشيعية" تنتقل إلى محاولة إسقاط بيروت، حيث تعتبر الحركة الإنقلابية ان إسقاط العاصمة هو الممّر إلى إسقاط السلطة.
ويحدثـ"نا" السيد نصرالله عن "نُبل" المسمّاة "معارضة". ويحدّثـ"نا" عن "نُبل" السلاح الذي يملك، فيما يتأكد يوماً بعد يوم، ان ما يحمله ليس سوى مشروع للانقضاض على البلد.
استغلال وجود الحكومة في باريس
صحيح ان نجاح باريس ـ 3 أمس "ألهب" الإنقلابيين. بيد ان ما يحصل في بيروت في هذه الساعات يتعلق بخطوة متقدّمة على طريق الانقضاض على السلطة، تحاول الاستفادة من وجود الحكومة بقضّها وقضيضها في العاصمة الفرنسية. وفي جميع الأحوال، لن يتأخر "حزب الله" في اكتشاف "وعورة" الطريق التي يسلك، وبيروت لا يمكن أن تكون لقمة سائغة.
سيكون لدور الجيش والقوى الأمنية الشرعية في هذه "المعمعة" نقاش في اليومين المقبلين، في ضوء ما ينتج عن خطّة حظر التجوّل في العاصمة.
..إلى صاحب البطولات الهروبية
لكن، يستحق "الجناح العوني" للإنقلاب، وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة بعض الكلام.
حاول صاحب البطولات الهروبية أول من أمس أن يرمّم صورته في المجتمع المسيحي.. وحاول التعويض عن سقوطه بالهجوم على "القوات اللبنانية" ورئيس هيئتها التنفيذية سمير جعجع، وبالحديث عن "الميليشيا" و"الدولة"، ساعياً إلى إعادة الاعتبار لـ"حيثية" تيّاره التي بُنيت على انه "رجل دولة" ضدّ الميليشيات.
لكن فات قائد "الهجمات المرتدّة" إلى الوراء، انه يعود إلى ما قبل ثمانية عشر عاماً، وان "العالم" تغيّر. فاته ان سمير جعجع قائد الميليشيا سابقاً، يشهر سلاح وقوفه بجانب الدولة، فيما صاحبـ"نا" يؤدي أعمالاً ميليشياوية ويحالف ميليشيات ضدّ المبادئ التي غشّ الناس بادعائه تبنّيها.
ثمة نصيحة واحدة لبعض العقلاء معه: أن يطلبوا منه إعلان الانسحاب من الشارع ومن تحالفاته، ثم ليفعل ما يشاء بعد ذلك.. هذا إذا كان يحترم كلمة الكنيسة التي أكدت ومنذ ما قبل الأول من كانون الأول، ومن ضمن ثوابتها، ان النزول إلى الشارع مرفوض.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00