عناوين عديدة أثارها الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله في مقابلته مع محطة "المنار" استوقفت اللبنانيين الذين استمعوا إليها من جهة لكنها تؤشر في الوقت نفسه إلى أبعاد المشروع الذي يقوده "حزب الله" في لبنان، من جهة ثانية.
"الرواية" الجديدة لحرب تموز
بيدَ ان حرب تموز ـ آب، هي من بين العناوين العديدة، العنوان الأبرز الذي تناوله نصرالله، مقدّماً فيه "رواية" متكاملة يبني عليها كل الاستنتاجات التي تشكّل مجتمعة مسوّغات ذلك الارتداد الكبير نحو الداخل اللبناني.
منذ 12 تموز الماضي حتى موعد المقابلة التلفزيونية الأخيرة، كان نصرالله في إطلالاته الإعلامية الكثيرة، ينفي أن تكون "المقاومة" في وضعية "هجومية"، ويصرّ بالرغم من معرفته ومعرفة الجميع ان "المقاومة" بادرت في ذلك اليوم إلى اختراق الخط الأزرق وأسر جنود إسرائيليين، على القول ان العملية كانت بهدف "محدود" هو أسر جنود لمبادلتهم بالأسرى اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، ويضيف انّ "المقاومة" تحوّلت إلى وضعية "دفاعية" عندما "اكتشفت" ان إسرائيل تذرّعت بعملية الأسر لتشنّ عدواناً واسعاً كان نصرالله يقول انه كان معدّاً سلفاً ويفتش عن "توقيت".
غير ان السيد نصرالله قدّم مساء الجمعة الفائت رواية مختلفة للمرة الأولى. تحدث عن مشروع أميركي ـ إسرائيلي لـ"شرق أوسط جديد" يستهدف أنظمة في المنطقة ويستهدف تقسيم الدول إلى دويلات، ويتطلب "مخاضه" أن يكون لبنان وجنوبه "البوابة الأولى"، ويقتضي لذلك القضاء على "حزب الله".
إذاً، بصرف النظر عن معلومات نصرالله و"دقّتها"، وبصرف النظر عن هذا "الفيلم" الذي يعرضه، فمن الواضح ان في ما قاله أثناء مقابلته التلفزيونية محاولة "أدلجة" للحرب التي خاضها الصيف الماضي، وذلك بالقول ان "حزب الله" تصدّى لمشروع أميركي ـ إسرائيلي، على أساس ان بوابة الجنوب إما أن تكون معبراً لـ"الشرق الأوسط الجديد" أو أن تكون مقبرة له.
لكن نصرالله لا يتوقف هنا، بل يضيف ان الحرب، لو هزم حزب الله فيها، لكانت استمرت باتجاه سوريا من جهة، ولكان الجنوب اللبناني نفسه أمام "مشروع" تغيير ديموغرافي يبدأ بتهجير لشيعة الجنوب والبقاع من جهة أخرى. وتحدّث في هذا المجال عن بواخر كانت ستنتظر الشيعة في عرض البحر لتشتيتهم في أصقاع الدنيا كلها.
ما يمكن استنتاجه إذاً من ذلك التقديم الجديد لحرب تموز ـ آب، مروياً على لسان نصرالله، هو ان هذه الحرب من ضفّتها اللبنانية كانت حرب "حزب الله" ضدّ "الشرق الأوسط الجديد"، وكانت حرب دفن "الشرق الأوسط الجديد" في نقطة انطلاقته الأولى دفاعاً عن "الأمة العربية والإسلامية" التي ما عليها الآن سوى أن تنعم بهذا الإنجاز، كما كانت حرب منع تقسيم لبنان عبر تهجير شيعته.
"أدلجة" الحرب: تكبير الاستهدافات
لتكبير الانتصار
ليس سراً ان هذه "الأدلجة" لحرب تموز ـ آب، يريد نصرالله منها أن تخدم جملة من الأهداف. فهذه "الرواية" التي قام الأمين العام لحزب الله بـ"حبكها" من دون اهتمام بـ"عقول" المخاطبَين لبنانياً وعربياً وإسلامياً، تهدف إلى "تجديد" البعد "الاقليمي" العربي والإسلامي للحزب و"مقاومته" بما هي مشروع دفاعي عن الأمة بأسرها. وتهدف ثانياً إلى تظهير أكبر لما يسمّيه نصرالله والحزب "الانتصار الاستراتيجي" في حرب الصيف الماضي. ذلك ان نصرالله لاحظ من دون شك ان الحديث عن "انتصار استراتيجي" في ظل القرار 1701 غير مقنع، فكان لا بدّ من "تكبير" الاستهدافات الأميركية ـ الإسرائيلية لـ"تكبير" الانتصار. كذلك، فإنها تهدف ثالثاً إلى مزيد من "تجييش" الوضع الشيعي في لبنان بالقول لشيعة البلد انهم كانوا معرّضين لخطر التهجير لولا انتصار "حزبهم". كما انها تهدف رابعاً وأخيراً إلى "تكبير" المعركة التي يخوضها في الداخل اللبناني وتصويرها كـ"قضيّة".
التناقضات ومثال المحكمة الدولية
ولأن هذه "الأدلجة" لحرب تموز ـ آب، ذات أغراض سياسية جرى التوقف عند أبرزها آنفاً، فإن نصرالله "وقع" في سياقها، في العديد من التناقضات.
التناقض الأول، هو ان نصرالله أكد "الوظائف الإقليمية" لـ"مقاومة حزب الله"، وهي وظائف كان يجهد لنفيها فيما كان يحرص إعلامياً وفي جلسات الحوار على حصرها ضمن مزارع شبعا من ناحية، وعلى تأكيد اعتباراتها اللبنانية من ناحية ثانية، وعلى "شدّ" النقاش باتجاه ما سمّي "الاستراتيجية الدفاعية اللبنانية" من ناحية ثالثة.
والتناقض الثاني، بما ان نصرالله يظهّر "الوظائف الإقليمية" لـ"مقاومة الحزب"، هو ان أي لبناني يستطيع أن يناقشه في هذه الجوانب الإقليمية، أي إذا كان الحزب يقرّ بدور إقليمي ويحدّده بالتصدي لـ"الشرق الأوسط الجديد"، فإن أي لبناني يستطيع أن يقول له ان عنوانه ما هو إلا تغطية لعلاقته بالمحور الإيراني ـ السوري. و"المحاججة" معه تكتسب قدراً من "القوة" من زاوية انه ينصّب نفسه وكيلاً عن اللبنانيين وعن "الأمة"، في معركة لا يمكن أن تكون محصورة في نطاق لبنان وحده.
أما التناقض الثالث، فيتجلى لدى حديث نصر الله عن المحكمة الدولية. هنا، في هذا الجزء من الحديث، يبدو واضحاً ان مقاربة الأمين العام للمحكمة غير بعيدة عن مقاربته لـ"الشرق الأوسط الجديد"، لا بل لا مبالغة في القول انه يعتبر المحكمة الدولية واحدة من أدوات "المشروع الاميركي ـ الاسرائيلي" وان المحكمة هي أداة لـ "العدالة الاميركية". وكان نصر الله واضحاً جداً في قوله انه يرفض محكمة لتصفية الحسابات السياسية، محكمة تؤدي الى تغييرات في لبنان والمنطقة. والغريب هنا ان نصر الله يقول انه يريد محكمة لمحاسبة القتلة. فكيف يمكنه التوفيق بين كل ما قاله عندما يتبيّن ان القاتل نظام سياسي بعينه او "أجزاء مترابطة" من نظام سياسي معين؟
والتناقض الرابع، هو ان السيّد الذي يبذل على مدار ثلاث ساعات جهدا استثنائياً لنفي اي اتهام بالطائفية والمذهبية لـ"المعارضة"، و"يتحدى" ان يأتيه احد بكلام مذهبي صدر عنه، انما يبلغ ذروة المذهبية في تحريض الشيعة ضد مشروع كان معداً لتهجيرهم بالبواخر وضد فريق سياسي داخلي ضالع في هذه المؤامرة.
ان احداً من اللبنانيين لا يمكنه تصديق ان مشروعاً تهجيرياً للشيعة قائم فعلاً. ولعل نصر الله في مقابلته التلفزيونية الأخيرة، استعار شعاراً حمله غلاة المسيحيين خلال "حرب السنتين" 1975 ـ 1976، حين حذرت "الجبهة اللبنانية" آنذاك من وجود خطة لتسفير المسيحيين بالسفن الى كندا وتوطين الفلسطينيين مكانهم... والمتهم بذلك يومها كان "المشروع الاميركي" أيضاً.
اما التناقض الخامس، والأهم، فهو ان نصر الله بعد كل هذه "الأدلجة" وما تنطوي عليه، "يحاول" ان يقول للبنانيين ان مطالبه ومطالب من يسميها "المعارضة الوطنية"، انما هي مطالب "متواضعة"، اي المشاركة والانتخابات المبكرة. وكي "يمرر" نصر الله مقولة "التواضع" في مطالب "المعارضة" قال ان المعركة في الداخل "ليست مع عدو" انما هي بين مختلفين سياسياً. والحال، انه لو صح ما قاله عن تواطؤ بين فريق 14 اذار او بعض مكوناته وبين المشروع التقسيمي التهجيري للشيعة، لوجب عليه اعتبار هذا الفريق أو بعضه عدواً يحالف العدو الاصلي، الأميركي ـ الاسرائيلي.
"المشروع" يعني اسقاط السلطة
اذاً، يتجاوز الأمر تصديق أو عدم تصديق الرواية التي خرج بها السيد نصر الله على اللبنانيين وحَبْكتها. فليس ضرورياً ان تكون الرواية صحيحة في حد ذاتها، وعلى الأرجح فان فيها تخيّلاً وخيالاً. لكن المهم، هو ما يريده نصر الله منها، اي ما يطرحه سياسياً. وبكلام آخر، ان الأهم هو التعاطي مع النتائج السياسية وليس مع "الفذلكة" الموصلة اليها.
في النتائج السياسية، ان نصر الله بالرغم من كلامه عن "مطالب متواضعة"، انما يضمر وحلفاؤه الوصول الى السيطرة على السلطة بالكامل والغاء الفريق الآخر.
ومنها أيضا ان "طبيعة" التحرك والذهاب الى خطوات تصعيدية "مفتوحة"، لا ينسجمان مع مطالب "متواضعة"، بل هما مؤشران الى استهداف تحقيق انقلاب "كامل".
وفي هذا الاطار، يندرج كلام نصر الله عن ان "السلطة كانت ستنهار في الأول من كانون الاول"، اي ان الغاية ليست الضغط للتوصل الى تسوية ظهر واضحاً ان ثمة استعداداً لدى الأكثرية للتوصل اليها، بل الغاية "اسقاط" الحكومة. وفي الاطار نفسه، يندرج كلامه عن سقوط الوساطات العربية. وهو قد اعتبر ان ما حملته هذه الوساطات من افكار لا يعالج ما سماه "القضايا الرئيسية". وفي نفس الاطار ايضاً، تعبيره عن استياء "دفين" حيال المواقف العربية والدولية.
وفي النتائج السياسية أيضاً ان نصر الله اذ يعتبر "الشلل" الذي أصاب البلاد ومؤسساتها إنجازاً ناجحاً، انما يخطط لتصعيد "الشلل" الامر الذي يعني تصعيداً في "الوسائل" اعتباراً من غد، وصولاً الى استخدام أساليب غير قانونية، والضغط على الناس مباشرة.
التسوية المستحيلة
ضمن المعطيات القائمة، لا تردد في القول ان المقابلة الأخيرة للأمين العام لـ"حزب الله" تعلن ان المشروع الذي يقوده، بوظائفه الاقليمية، هو مشروع "كلّي" لا يقبل "التسوية". ويجب ان يتم التعاطي معه على هذا الاساس. ولأنه كذلك، يصب نصر الله غضبه على مواقف الدعم الخارجي، العربي والدولي للحكومة الشرعية. ولأنه كذلك ايضاً، يعتبر ان مؤتمر باريس ـ 3 جرى "استحضاره" لدعم الحكومة وليس لدعم البلد.
وبهذا المعنى، فإن اللبنانيين هم اليوم امام "مشروع" لم يعد يكفي القول انه "انقلابي" على الداخل اللبناني، بل ينبغي القول انه بسبب ان الأفق مغلق في وجهه، لم يعد يملك قابلية للاستمرار.. إلا إذا لجأ القيّمون عليه إلى "مشكلة" بصيغ متعدّدة، أي انهم سيحاولون استدراج "مشكلة".
إنسداد الأفق.. وغياب "مقياس العقل"
إلى ما قبل مقابلة نصرالله التي دفع بها التصعيد إلى مرحلة جديدة، كان يمكن القول ان "الأزمة اللبنانية" مفتوحة على احتمالَي التسوية و"التصعيد المتفجّر". وذلك على أساس ان توازن القوى يفيد ان فريقَي الصراع يواجهان مشكلة سياسية، من طبيعة مختلفة لدى كل منهما. لكن بعد المقابلة وقرارات التصعيد، فإن "المشكلة" هي الأكثر وضوحاً، في ظل محاولة تحويل الاضراب العام إلى عنف في الشارع.
الأفق مسدود داخلياً في وجه مشروع "حزب الله" وحلفائه، لأن الحزب لا يكسب في أي من البيئات السياسية والطائفية، بل هو يصعّد التعبئة شيعياً عبر "رواية" التهجير للشيعة. أما محاولة نصرالله طيلة المقابلة التلطي وراء عنوان "المعارضة" للايحاء بـ"الشراكة" المتكافئة ضمنها، فما هي إلا لمساعدة حليفه الجنرال على معالجة أزمة إفلاسه في الشارع المسيحي، في وقت راح الجنرال يلّح على الإسراع في التصعيد قبل أن يغدوَ في "آخر رمق".
والأفق مسدود عربياً، في وقت يقف العرب دولاً ورأياً عاماً شعبياً إلى جانب استقرار لبنان وأمنه.
في مثل هذه الأحوال، أي عندما يكون ثمة أفق مسدود أمام مشروع سياسي ما، يكون الرهان عادة على "العقل" لدى أصحاب المشروع كي يحسنوا تنظيم التراجع والتقدم باتجاه التسوية. لكن ما يسمعه اللبنانيون اليوم من فريق "المعارضة" أشبه بـ"الجنون" المؤسّس على روايات المؤامرة والأفلام البوليسية. ولذلك بالضبط، يبدو يوم غدٍ خطيراً بكل المقاييس. فـ"الفتنة" لا تحتاج إلى "وعود" من السيد نصرالله كي لا تقع. انّها قابلة لأن تقع في كل لحظة طالما انّ "مقياس العقل" مفقود.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.