8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"المسألة الشيعيّة" تُعالج بنفَس طويل في رحاب "حركة" 14 آذار

لا جديدَ في القول انّ ثمّة حراكاً داخل الطائفة الشيعيّة. ويندرُ أن يخلو يومٌ من لقاء شيعيّ ما يتنادى إليه العديدون من "النخبة" وأهل الرأي والعاملين في "الحقل" العام. وجدول النقاش يتلخّص في نقطتين رئيسيّتين: الواقع السياسيّ الشيعيّ الراهن في ظلّ ما قادت إليه سياساتُ فريق ثنائيّة التمثيل الشيعيّ "الرسميّ"، أي "حزب الله" و"حركة أمل" من ناحية وما العمل لفتح آفاق واقع شيعيّ "مختلف" من ناحية أخرى.
غنيّ عن القول انّ هذا "الحراك" صحّي، وانّه مؤشّر إلى تنامي "حيّز" من الاستقلال داخل الشيعة عن طرفَي الثنائيّة. وغنيّ عن القول أيضاً انّ هذا "الحراك" تعبير عن وعي أكيد بالتحوّلات التي فرضتها الثنائيّة على الطائفة ممّا ليس له علاقة بـ"هويّتها" وبموقعها ضمن "الصيغة اللبنانيّة" وبتراثها وتاريخها.
بكلام آخر، انّ "الحراك" إذا نظر إليه من زاوية انّه تعبيرٌ عن ظاهرة إستقلال متنامية عن الثنائيّة "الرسميّة" أو ضدّها، إنّما هو أمرٌ ايجابيّ وفقاً لكلّ المقاييس.
إيجابيّة "الحراك" انّه ينطلق من لبنانيّة الشيعة
يتعزّز هذا الحُكم بايجابيّة "الحراك" الشيعي الراهن مِن واقع كونه يبدأ من المكان الصحيح، أي من اعتبار المنخرطين فيه انّهم ينتمون إلى شيعيّة لبنانيّة عربيّة في الاطارالعام، بمعنى انّهم "يحفرون" في الذاكرة الشيعيّة الحقيقيّة ليتلمّسوا من خلالها سبل استعادة الشيعة إلى لبنان الديموقراطيّ المتنوّع وإلى نهائيّة الكيان وإلى العروبة المنفتحة، أي إلى وطنيّتهم اللبنانيّة وإلى هُويّتهم العربيّة.
إذاً، بصرف النظر عن مدى تأثير هذا "الحراك" في التوازن السياسيّ الشيعيّ في المباشر، علماً انّه يخطئ مَنْ يراهن على نتائج سياسيّة في مدى زمنيّ سريع، لا بدّ من القول انّ هذا "الحراك" يؤسّس لـ"موقع" يكتسب شرعيّته ومشروعيّته من انّه يعود إلى "الأصل الشيعي"، إلى مرجعيّة الفكر السياسيّ الشيعيّ سواء ذلك الذي عبّر عنه الإمام موسى الصدر أو ذاك الذي كتب فيه الإمام محمد مهدي شمس الدين.
"التضاد" مع "حزب الله" و"أمل"
كذلك، وبصرف النظر عن التأثير المباشر في التوازن السياسيّ، فإنّ هذا "الحراك" إذا كان هادفاً إلى بناء متدرّج لـ"موقع" شيعيّ آخر، فإنّه محكومٌ بـ"تضادّه" مع "حزب الله" و"أمل". والأسباب لذلك كثيرة أهمّها انّ "حزب الله" بالرغم من قوّته وبسبب هذه القوّة يشكّل ـ حتّى الآن ـ حالةً مستعصية على "اللبننة" و"التعريب"، بالعلاقة مع تشكّله العقائديّ الذي يربطه بإيران ومع بنيته التي قامت في الأصل على أساس دور "ما فوق لبناني" في كلّ المجالات، وأهمّها أيضاً انّ "أمل" تراجعت خطوة وراء خطوة أمام "مدّ" الحزب، مفترضةً انّ "التكتكة" كفيلةٌ بـ"مداواة" أمور العلاقة بينها وبينه، ووضعت نفسَها بين فكّي الكمّاشة السوريّة ـ الايرانيّة، فانعدمت المسافات الفكريّة ـ السياسيّة في العمق، لا بل ثمّة هنا مَنْ يحمّل "الحركة" مسؤوليّة "السماح" باكتساح إيران بواسطة "حزب الله" للوضع الشيعيّ اللبنانيّ، مع العلم انّ الحركة وريثة تراث الإمام الصدر في "اللبنانيّة" و"الدولة". ومَع انّ الموضوع قيدَ المعالجة لا يتعلّق بمسألة سياسيّة في حدّ ذاتها، فإنّ من الضروري الإشارة إلى حقيقة أن لا "هواء" يمكن استئناف ضخّه إلى رئتي الحركة ما لم تعِد وعي نفسها بما تمثّله شيعيّاً وبالعلاقة مع الآخر، ولا "هواء" في ظلّ تقوقعها الحالي وتمترس قيادتها وراء "خطوط دفاعيّة" وهميّة أو واهنة جداً. فهي إن استمرّت على هذا المنوال، ليسَ ما يمنع القول انّها سائرة إلى نهاية "تاريخيّة"، لا ينقذها منها حتّى إلا وجود الرئيس نبيه برّي على رأسها، وموقعه داخل "الدولة"، وهو موقعٌ يجتاز مرحلة "انتقاليّة" وفقاً لكلّ المعايير.
في الظواهر السلبيّة: الشخصانيّة
والبحث عن الأمان الشخصي
على انّ مقاربة "الحراك" الشيعيّ الراهن وظواهره المباشرة، لا يمكن أن تكتفي بتسجيل إيجابيّته منظوراً إليها من زاوية "التضاد" الموضوعيّ مع "حزب الله" و"أمل". ذلك انّ هذا "الحراك" يترافق مع سلبيّات سياسيّة كثيرة، لا مفرّ من تسليط الضوء عليها. والسلبيّات تتعلّق بالمنخرطين في "الحراك" من جهة وبتعاطي الآخرين من طوائف أخرى معه من جهة ثانية.
ثمّة ظاهرة سلبيّة أولى يحصل أن تتمّ مصادفتها في هذا الاطار إذ يبدو الأمر بالنسبة إلى البعض متصلاً بـ"مشروع سياسيّ شخصيّ"، أي بهدف سياسيّ "خاص". والحال انّ "مشروعاً شيعياً" يسعى إلى التصدّي لعمليّة "تاريخيّة" بمستوى إعادة ترميم الوضع الشيعيّ، لا يمكن أن يتأسّس "حول" أشخاص أو بالأحرى حول "شخصانيّات" معيّنة.
وثمّة ظاهرة سلبيّة ثانية متّصلة بالأولى. فعندما يحاول البعض توظيف "الحراك" لغايات شخصانيّة، من الطبيعيّ أن يحاول الساعي إلى مشروع "يركّبه" على نفسه، تقديم نفسِه في صيغة وسطيّة ما. وغالباً ما يقدّم هذا البعض وسطيّته بسلبيّة متساوية بين 14 آذار و8 آذار.
وإلى هذا "القسم" يضاف "قسم" آخر يتشكّل من الذين يرون الأمان أي "أمانهم" بالسلبيّة "الحياديّة" حيالَ فريقَي 14 آذار و8 آذار.
لا حيادَ بين 14 و8 آذار
المشكلة هنا سياسيّة ـ وطنيّة بامتياز. فإذا كان ثمة أسباب "شخصيّة" لدى البعض، فإن ذلك لا يلغي حقيقة أن لا حيادَ بين 14 آذار و8 آذار. ذلك انّه لا يمكن البدء بعمليّة اعادة بناء الموقع الشيعي "الطبيعي"، أي اللبناني والعربيّ، بمعزل عن العلاقة بحركة الاستقلال اللبناني الثاني. فالحراك الشيعيّ موضوع البحث، متّصل على نحو وثيق بمعركة الاستقلال، وهو بمعناه العميق جوابٌ على تخلّف الشيعة بتمثيلهم السياسيّ القائم عن الركب الاستقلاليّ. ولا مكانَ للحياد وإلا غدا الموضوع مسألة تفتيش عن "مكان" لفلان أو علاّن، وغدا ترفاً لا معنى له، في وقت تتعلّق المسألةُ بقضيّة" بكلّ معنى الكلمة.
إشكاليّة "الشيعي" و"اللبناني"
وثمّة ظاهرةٌ ثالثة لا يمكنُ نعتُها بالسلبيّة لكنّها تعكسُ إشكاليّة فعليّة لم يجرِ التقدّم في "حسمها".
فعديدون من المنخرطين في "الحراك" ذوو أصول ثقافيّة يساريّة و"علمانيّة". وقسمٌ مهمّ من هؤلاء "لا يزال" يعتبر انّ مدخلَه الى أيّ عمل عام هو أن يخلعَ انتماءه "الأوّلي" الى طائفة معيّنة عند الباب، أي انّه لا يزال يحاكي المسألة الطائفية أيديولوجيّاً، ويصنّف المسألة الطائفية في خانة "الموبقات". ومع ذلك، فإنّ هذا القسم يشارك في اجتماعات شيعيّة لكن ليطرحَ ما يسمّيه عملاً لبنانياً.
مِن المفيد في هذا المجال الاشارة الى انّ الفصل "الحادّ" بين "الشيعيّ" و"اللبناني"، خصوصاً في الوضع الراهن، يسقط أمامَ "مهمّة" بحجم المسألة المطروحة. وثمّة اعتقادٌ واسع انّ الطريق بينَ "الشيعيّ" و"اللبناني"، كما بين "المارونيّ" و"اللبناني" أو "السّني" و"اللبناني" الخ.. مفتوحةٌ على خطّين، أي يمكن البدء بـ"الشيعيّ" والذهاب الى "اللبناني" والعكس بالعكس. ثمّ انّ الموضوع المطروح ليس تأسيس حزب أو تيّار "ببرنامج" معيّن. والى ذلك يضاف انّ عمليّة "ترميم" الموقع الشيعي وإعادة بنائه، يُفترض ان تتمّ تدريجاً وتراكما بانفتاج على المدى اللبناني الرحب، أي على عنوان الاستقلال والعروبة الديموقراطية. وبهذا المعنى، فأن يعرّف شخص ما انتماءه على أساس انّه شيعيّ لا يعود تعريفاً طائفياً أو مذهبياً "مرذولاً"، اذا كانَ هذا التعريف لتأكيد نقطة انطلاق لبنانيّته، ولتأكيد الشراكة الوطنيّة.
إذاً، ما تقدّم ذكرُه يتعلّق بظواهر سلبيّة وإشكاليّات مصاحبة لـ"الحراك" الشيعيّ من داخله نفسه.
14 آذار: التمييز المطلوب
بين الشيعة و"حزب الشيعة"
بيدَ انّ استكمال "الصورة" يقتضي بعض التدقيق في كيفيّة تعاطي 14 آذار معه. ذلك انه من الطبيعيّ أن يكون موقف "حزب الله" و"أمل" معادياً للحراك خارجهما، حتّى لو كانَ تأثيره عليهما محدوداً جداً في المباشر.
طبعاً، لا بدّ من الإشارة بادئ ذي بدء الى انّ مشاركة "شيعيّة" حصلت في "حركة" 14 آذار، أي انّ هذه المشاركة كانت "حقيقيّة" بمعزل عن "حجمها"، وتمثّلت هذه المشاركة بـ"نزول" شيعة من مشارب سابقة مختلفة الى "شارع 14 آذار". وطبعاً اذا كانت المشاركة تقاسُ بحضور حزب الشيعة أو أحزابهم، فإنّها لم تحصل بالفعل. لكنّ "حركة" 14 آذار وقواها، لا يمكنها أن تقول الشيء وعكسه في نفس الوقت، أي لا يمكنها أن تعترض على اختزال حزب أو حزبين لطائفة معيّنة وأن تعود فتحسب المشاركة الشيعيّة بمقياس غياب "قوى الاختزال".
ثمّ انّ الأهمّ، وهو ما لم تدركه "حركة" 14 آذار أو بعض قواها أو بعض قيادتها، اضافةً الى انّ "حزب الطائفة" ليس الطائفة ولا يجوز الخلط بينهما، هو انّ 14 آذار هي في الأصل حركة شعبيّة، أي انّ "الرأي العام" المشارك فيها يساوي أضعاف الجمهور الحزبيّ.
وبهذا المعنى، ثمّة "خطأ" كبير في تعاطي 14 آذار مع "المسألة الشيعيّة" من هذه الزاوية، يتمثل في "المونة" بإخراج الشيعة ككلّ من معادلة 14 آذار، وفي اختزالها بثلاثيّة سنّية ـ مسيحيّة ـ درزيّة.
ضرورة تطوير بُنية حركة 14 آذار
ولعلّ ما تقدّم يمهّد للحديث عن "بنية" 14 آذار. فمن الواضح من خلال المقدّمات الآنفة انّ "الشيعيّ المستقلّ" أي غير المنتمي الى طرفَي "الشيعيّة السياسيّة الرسميّة" لا يستطيع تنسيب نفسه الى حركة 14 آذار في وضعها الراهن، أي انّه لا يمكنه القول انّه مِن "شيعة 14 آذار".
ذلك انّ بنية الحركة، المؤسّسة على وعي معظم قيادتها لها، هي أشبه بـ"تحالف حزبيّ" أو بـ"تحالف أحزاب طوائف"، ما لا يجعل مكاناً فيها لمشاركة شيعيّة بهذه الصفة، وهي لا تبدو مفتوحةً لذلك في أفق قريب. ولمّا كانَ أيّ عمل شيعي مستقلّ معرّفاً على النحو الذي جرت الاشارة اليه آنفاً، لا يهدف الى تأسيس "حزب شيعيّ" ينضمّ الى "تحالف 14 آذار"، فمعنى ذلك انّ الأفق سيبقى مسدوداً ما لم يجر تطوّر في وعي قيادة 14 آذار لطبيعة الحركة الاستقلالية وتشكّلها، والبناء على الشيء مقتضاه، أي ان يُفتح بحث جدّي في كيفيّة تركيبها، بالضبط كحركة استقلاليّة وطنيّة لبنانيّة "عامّة".
ولا شكّ انّ كلّ ذلك يقود إلى تأكيد متكرّر على انّ عمليّة إعادة بناء الموقع الشيعيّ، هي عمليّة نفَس طويل، ولا يمكن إلاّ أن تكون كذلك، كما لا يمكن إلاّ أن تتم من داخل الحركة الاستقلاليّة وبالصلة معها، وبالصلة مع "روحها".
لا معنى لـ "شيعة غب الطلب"
والحسمُ بذلك، يُفترض أن يعنيَ عدم السعي إلى إنتاج "شيء شيعيّ" بسرعة بذريعة "الحاجة الملحّة"، أو الخلط بينَ المحاولات المشروعة لـ"زكزكة" طرفَيْ "الشيعيّة السياسيّة الرسميّة" وبينَ عمل دؤوب و"مضنٍ" لمراكمة تطوّرات إيجابيّة. كذلك فإنّ الحسم بما تقدّم، يعني انّه لا يمكن استعادة الموقع الشيعيّ إلى لبنانيّته وعروبته بواسطة ملحقات شيعيّة هنا أو هناك أياً تكن الروابط عميقة بينَ عدد من الشيعة وتيّارات سياسيّة معيّنة، أي يعني انّه لا يمكن البحث عن "شيعة غبّ الطلب".
طبعاً، ثمّة شيعة عاملون في تيّارات سياسيّة، والحضور الشيعيّ في عدد من الأحزاب والتيّارات ليس جديداً. بيدَ انّ هذا يفترض أن يعمل "شيعة الأحزاب والتيّارات" في "الورشة العامّة" كي تكون مستقلّة، أي أن يكون ثمّة استقلالٌ لصعيدَين في هذه الحالة، صعيد الانتماء الحزبيّ من ناحية وصعيد "الورشة العامّة" من ناحية ثانية.
"الإدارة الجَماعيّة" و"الورشة الشيعيّة العامّة"
ولذلك، فمن الطبيعيّ في ضوء هذه المقدّمات جميعاً، وكي لا يغرّد كلٌ على ليلاه وكي لا يُجهض "الحراك" الواعد.. على المدى الطويل، أن تتمّ نصيحة قيادة 14 آذار بتشكيل نوع من "الإدارة الجماعيّة" للتعاطي مع "المسألة الشيعيّة" تسنُد "الورشة الشيعيّة العامّة" التي من المنطقيّ أن تبدأ روافدها المتفرّقة الآن بالتلاقي، لبتّ الأمور المحدّدة: لا مشاريع شخصانيّة، لا حياد بين طرفَي الصراع في البلد، لا بناء متجدّداً للموقع الشيعيّ بمعزل عن الانتماء العام إلى "حركة" 14 آذار و"روحها"، وكي يعيَ الجميع انّ "المسألة الشيعيّة" لا تُقارب "على الحارِك".
وجدير بالإشارة، انّ هذا النصّ، يعكس بحدّ كبير من الأمانة، نقاشات دارت في الأيّام الماضية بينَ حريصين على تطوير الحركة الاستقلاليّة اللبنانيّة، وهي نقاشات تهدف إلى التنبيه والتحذير من سلبيّات، لكنّها تهدفُ إلى وضع الأمور في نصابها أساساً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00