عندما أطلق رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط تحذيره أول من أمس من التحريض على قوات "اليونيفيل" في جنوب لبنان، لم يكن يردّ على مواقف سياسية يعلنها قادة "حزب الله" من هذه القوات ودورها. كان جنبلاط ينطلق في واقع الأمر من معلومات وردت إليه عن حالة من "التعبئة" يقوم بها "حزب الله" ميدانياً في الجنوب، ضدّ القوات الفرنسية المشاركة في "الطوارئ" بشكل خاص.
نصرالله و"اليونيفيل" والفرنسيّون
وعلى كلّ حال، انطوى حديث الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله إلى صحيفة "الأنباء" الكويتية قبل يومين، على قدر عالٍ من الوضوح في هذه المسألة. فهو إذ لفت إلى ان "بعض هذه القوات الدولية تجاوز حدود المسؤولية"، وتحدّث عن "دهم بيوت وتفتيشها"، وأشار إلى "مشروع" لقيام طائرات استطلاع فرنسية بمراقبة الأجواء اللبنانية، فإنه وصف ذلك بأنه يؤدي إلى تحوّل "اليونيفيل" إلى "قوات تجسّس جوية". وهنا، قال نصرالله الكلام الذي يخشى منه جنبلاط.
تحدث عن "ملاحظات شعبية في الجنوب". وأضاف ان "أهل الجنوب يراقبون ويتابعون ويرون تحرّك بعض هذه القوات التي تثير الريبة أو الشبهة". وأطلق الموقف "الصارخ" الآتي: نحن لا نريد أن يقوم الناس بحركات غير محسوبة أو غير مدروسة!.
إذاً، لا "إفتراء" على "حزب الله" في تحذير وليد جنبلاط من التحريض على "اليونيفيل". ذلك ان كلام نصرالله يؤكد المخاوف من ناحية وينذر بأن الأمور لن تبقى على حالها فيما لو استمرت "الطوارئ الدولية" في خرق حدود مسؤوليتها، كما يتهمها الحزب من ناحية ثانية، علماً ان مداهمة مواقع "ظاهرة" تقع ضمن نطاق مهمة "اليونيفيل" بالتنسيق مع الجيش.
غير ان المسألة لا تقف عند هذه الحدود. فمن جهة، تثير انتقادات "حزب الله" لـ"اليونيفيل" وللقوات الفرنسية ضمنها بشكل خاص، تساؤلات كبرى عن كيفية "استيعاب" الحزب للقرار 1701 ومترتباته وكيفية تعاطيه مع هذا القرار الدولي ونتائجه، على اعتبار ان الـ1701 الذي أقرّ بالإجماع في مجلس الوزراء، انما يضع الجنوب في عُهدة "استراتيجية دفاعيّة" تقوم على ركيزتين هما الجيش وقوّات الأمم المتحدة، بحيث لم يُعد ثمة دور لـ"المقاومة" أي لـ"مقاومة مستقلة" عن الجيش اللبناني. لكن، من جهة أخرى، تثير انتقادات الحزب أو "تحريضه" تساؤلات يقوم عليه تحذير جنبلاط وتستند إليها مخاوف الاجتماع السياسي اللبناني. بمعنى آخر، ان السؤال الكبير المطروح اليوم، على خلفية المعطيات القائمة، هو: هل تشكّل حملة الانتقادات لـ"اليونيفيل" تمهيداً لـ"عمل ما" يقدم عليه "حزب الله" في الجنوب في فترة لاحقة؟
لهذا السؤال ما يبرّره بطبيعة الحال. بيد ان السؤال الأهم منه هو: هل يقوم "حزب الله" عبر تحرّكه الداخلي "المعارض" بما يمكن تسميته "مشاغلة" الوضع الداخلي ريثما تنضج عنده ظروف القيام بـ"عمل ما" في الجنوب؟
الرابط بين نتيجة حرب تموز وبين الانقلاب الداخلي
في الجواب عن هذين السؤالين، لم يعد أحد في الوسط السياسي يستبعد إقدام "حزب الله" على أي "شيء". غير ان الكثيرين ممّن تابعوا حركة الحزب خلال الشهور الماضية، وتحديداً بعد حرب تموز ـ آب الماضية، وجدوا على الدوام رابطاً وثيقاً بين النتيجة السياسية الوحيدة التي يُعتدّ بها لتلك الحرب، أي القرار 1701، وبين الانقلاب السياسي الذي يقوده الحزب في الداخل اللبناني. بمعنى آخر، ان الانقلاب السياسي داخلياً يهدف إلى تغيير التوازن على مستوى الإدارة السياسية في البلد، تلك الإدارة التي تتعهّد تطبيق القرار 1701، والعكس صحيح، أي ان الانقلاب على الـ1701 هو العامل الرئيسي في أي توجه ضدّ الإدارة السياسية القائمة وتوازناتها.
غنيّ عن القول ان الانقلاب عبر "عمل ما" على الـ1701، سيكون مكلفاً جداً على البلد ككل، لكن كلفته كبيرة أيضاً على "حزب الله" نفسه، إذ يغدو في هذه الحالة، في مواجهة مباشرة مع الجيش و"اليونيفيل". والاستنتاج "المنطقيّ" هو ألا يقدم "حزب الله" على تحرك من هذا القبيل. لكن، وبما أن ليس كل شيء منطقياً دائماً، يجب الانتباه إلى أمر في غاية الأهمية. فحزب الله، ومنذ أن خسر "استراتيجية المقاومة" في الجنوب، تطيش سهامه، أي انه يبدو مرتبكاً. وإذا تأكد لديه ـ أي في قرارة نفسه ـ ان التحرّك الداخلي لـ"تغيير" السلطة وتوازناتها، آل أو انه آيل إلى طريق مسدود، فإنه "قد" يلجأ الى "المزاوجة" في وقت من الأوقات بين "التحركين". هذا مع العلم ان عديدين يرون ان الأمر برّمته مرهون بـ"الحاجة الإقليمية" إلى "استئناف" فتح "ساحة الجنوب"، وهو ما يتعلّق هنا بمدى وجود "حاجة إيرانية" إلى ذلك.
موقف "حزب الله" من باريس ـ 3
وفي مجال آخر، لعلّ ما يبعث على التساؤل في الوسط السياسي عن معنى الهجوم المتجدّد على "اليونيفيل" من جانب "حزب الله" بالتزامن مع معركته الداخلية، ان الموقف الذي يتخذه من مؤتمر باريس ـ 3، يندرج في سياق واحد مع مواقفه الأخرى.
في الآونة الأخيرة، عمد "حزب الله" إلى نوع من "المناورة" إذ سارع إلى "التمييز" بين المؤتمر من ناحية والورقة الإصلاحية اللبنانية المقدّمة إليه من ناحية ثانية، أي أنه قام بـ"الفصل" بين المؤتمر والورقة الإصلاحية. وعلى أساس هذا "الفصل"، راح يُعلن مواقف تؤيّد الاجتماع الدولي علي أساس "تقديم الدعم المالي للبنان"، وتعارض الإصلاحات الحكومية. لكأن الحزب "ينسى" أن الدعم العربي والدولي مقرون بالإصلاحات أو أن هذه الإصلاحات تمثّل الممرّ الإجباري الى الدعم المجدي. ذلك أن تقديم المساعدات كما حصل خلال حرب تموز ـ آب شيء ومؤتمر يساعد لبنان على معالجة أزمته المالية والاقتصادية شيء آخر.
ثمة من يقول إن اختراع "حزب الله" لهذا "الفصل" كان "إضطرارياً" لأنه وعد دول المبادرة العربية بألاّ يكون سلبياً حيال باريس ـ 3. لكن، وبما أن معارضة باريس ـ 3 جزء من الخطة التي يقود، وكي "يبدو" وفيّاً لما وعد به، "يحاول" أن يقول إنه لا يعارض المؤتمر في حد ذاته، بل يعارض البرنامج الإصلاحي!
المشترك بين الـ1701 وباريس ـ 3: الدولة
بيدَ أن التمعّن في عمق موقف "حزب الله" في هذا المجال، يقود الى ملاحظة رئيسية.
ثمة مشترك بين الـ1701 وباريس ـ 3. والمشترك هو الدعم الدولي ـ والعربي ـ لـ"الدولة" في لبنان، حتى ليصحّ القول إن الـ1701 وباريس ـ 3 يكمّل واحدهما الآخر، وهما التظهير الأهم لما سمّاه الرئيس فؤاد السنيورة "حظوة لبنان" لدى المجتمع الدولي، وهي "حظوة" استثنائية بكل تأكيد.
لم يكن الوسط السياسي وكثر من اللبنانيين في حاجة الى إعادة تذكير ممثّل الأمين العام للأمم المتحدة غير بيدرسون بأنه يتحدى أياً كان أن يلحظ نقاطاً ضدّ مصلحة لبنان في القرار 1701، ليتمّ التأكد من أن هذا القرار يساند بقوة مصلحة لبنان ـ الدولة. وذلك تماماً لأن القرار يؤكد سيادة الدولة اللبنانية على أرضها حيال "الخارج" الإسرائيلي من جهة والداخل اللبناني من جهة أخرى.
كذلك، لا حاجة الى كثير من التفكير أو الى كثير من الوقت من أجل "إكتشاف" مصلحة الدولة اللبنانية في باريس ـ 3 الذي يوفّر مساندة عربية ـ دولية لمعالجة الدين وتحفيز النموّ في البلد.
من هنا، وإذا كان المشترك هو "الدولة"، فإن "أبسط" الاستنتاجات هو أن "حزب الله" يعارض مع حلفائه مشروع الدولة. لكن، إذا كان "حزب الله" لم "يستطع" الاعتراض على الـ1701 في حينه لأسباب تتعلق بتطلّبه توقّف الحرب الأخيرة، فإنه باعتراضه على باريس ـ 3 يعبّر عن اعتراضه على القرار الدولي بـ"مفعول رجعي"، بما أن العنوانَين مترابطان فعلاً، وبما أن مصلحة "الدولة" ليست في اعتباره، في ظل مشروع قيد التنفيذ يقود الإصرار عليه والإمعان فيه الى "فوضى" بديلة من "الدولة".. في أقل تقدير.
في مثل هذه الأجواء، وفي ظلّ هذه المعطيات، يتّضح أن لـ"حركة" الحزب أضلعاً ثلاثة. فإذا كان موقفه السلبي من المحكمة الدولية بادرة وفاء حيال النظام السوري بشكل أساسي، فإن الضلوع الثلاثة الأخرى التي "تسند" الموقف من المحكمة الدولية هي: السلبيّة إزاء الـ1701، والمعركة ضدّ باريس ـ 3، والمعركة ضدّ "الإدارة السياسية". ولن يكون مستبعداً في أي يوم أن يعتبر "حزب الله" أن أولويّته باتت القرار 1701، طالما أن ثمة "أقانيم ثلاثة" تشكّل "مضمون" ما يسعى إليه.
التطوّرات الأمنية: سلاح جديد لـ"القيادة العامة"؟
على أن ما ينبغي لفت النظر إليه، في مناخ "الفوضى" التي يسعى "حزب الله" وراءها، أي "الفوضى" المؤسَسة على تعطيل الدولة، هو ليس فقط الانتباه الى الوضع جنوباً من المشاغلة الداخلية، بل يتّصل بالوضع الأمني العام في البلاد أساساً.
غنيّ عن القول، إن أجواء "الفوضى" هذه تشكّل "مناخاً" مؤاتياً لقيام النظام المخابراتي السوري بتنفيذ جرائم اغتيال، ما فتئت حركة 14 آذار تحذّر من حصولها.
بيدَ أن ثلاثة تطوّرات أمنية بارزة حصلت في الأيام الماضية.
التطوّر الأمني الأول تمثّل في وضع القوى الأمنية يدها على مخازن أسلحة تعود الى "الحزب السوري القومي الاجتماعي"، وهي قضية لا يزال التحقيق مستمراً فيها.
غير أن اللافت هنا، هو أن "القوميّ" الذي يمتلك هذه المخازن خلافاً لاتفاق الطائف من جهة وضدّ القانون من جهة ثانية، ليس فقط لم يقدّم للرأي العام تفسيراً لاحتفاظه بأسلحة حديثة، بل هو يمارس قدراً من التحدّي السياسي في تعاطيه مع الدعوات الموجّهة إليه لوضع نفسه "تحت" الطائف والقانون. كما أن اللافت أيضاً، هو أن "حزب الله" لم يعلن موقفاً من هذا الملف، لا بل لجأت وسائل إعلامه الى "تسخيفه".
أما التطوّر الأمني الثاني، فضلاً عن عمليات تسليح تجري في بعض المناطق، كما أشار بيان لجنة المتابعة لقوى 14 آذار أمس، فهو ما أفادت عنه معلومات تتحدّث عن تدفق أسلحة تعود إلى "القيادة العامة" عبر الحدود السورية ـ اللبنانية في منطقة البقاع، وتقول أيضاً ان نقلاً لأسلحة من جانب هذا الفصيل التابع للنظام السوري قد تمّ إلى العاصمة بيروت.. الأمر الذي يتطلب مراقبة القوى الأمنية ومتابعتها.
والتطوّر الأمني الثالث، لا يتعلّق فقط بالتهديد الذي وجّهته "القيادة العامة" إلى قائد الجيش عندما حمّلته مسؤولية "سلامة" أحد مسؤوليها في الجنوب أبو وائل عصام الموقوف لدى الأجهزة الأمنية، وهو التهديد الذي لم تنفِه بالرغم من وعدِها لقيادة الجيش بذلك.. بل يتعلّق بالاعتداء الذي قامت به جماعة "جند الشام" على الجيش في منطقة "تعمير عين الحلوة" قبل أيام، ورفض هذه الجماعة حتى الآن تسليم المعتدين.
يستنتج إذاً ان ثمة نشاطاً أمنياً محموماً لحلفاء النظام السوري وأدواته، في مناخ "الفوضى" المفروضة على البلد. وإذا أضيف إلى مجمل هذه التطوّرات الأمنية ان المفعول الأخطر لتحرّك "المعارضة" في الداخل، تمثّل في استدراج قسم من الجيش إلى مهمّة حفظ الأمن في العاصمة، يمكن عندئذٍ الحديث عن تلازم بين الحرب السياسية المتعدّدة الأبعاد وبين التحرّكات الأمنية المشبوهة. فهل ثمة من يعقِل ويتوكّل ويكفّ عن وضع العصيّ في دواليب المبادرة العربية؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.