8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"المعارضة" تحاول إجهاض المبادرة العربية وإنهاء المؤسسات الدستورية

كلما عادت المبادرة العربية إلى دائرة الضوء، سارع التحالف السوري ـ الإيراني في لبنان إلى إطلاق "رصاصة الرحمة" عليها.
هكذا، وفيما كان رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة يعلن من القاهرة بعد لقائه الرئيس المصري حسني مبارك ومن المملكة العربية السعودية بعد لقائه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز، ان مبادرة الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، هي الوحيدة الجدية، وفي وقت كان رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري يؤكد من باريس بعد لقائه الرئيس الفرنسي جاك شيراك ان هذه المبادرة مناسِبة بما انها تنهض على قاعدة لا غالب ولا مغلوب، ويلفت إلى ان الأكثرية لا تريد الانتصار على "الفريق الآخر"، لكنها لا تقبل انتصاره عليها، حدّد الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله "فهمه" لهذه المبادرة وشروطه عليها.
نصرالله و"الشروط المانعة" للحل
ففي حديثه إلى صحيفة "الأنباء" الكويتية، كان نصرالله واضحاً جداً في القول ان شرط موافقة حزبه و"المعارضة" التي يقود على المبادرة التي تتضمن تشكيل "حكومة وحدة وطنية" على أساس 19 +10+1، هو أن لا يكون للأكثرية حق الاعتراض على الوزير الحادي عشر بعد التسمية الخامسة من جانب "المعارضة"، مشدّداً في هذا المجال على "الثلث الضامن" وقد عرّفه بأنه الثلث زائد واحد. وأضاف نصرالله شرطاً ثانياً هو إحالة مشروع المحكمة الدولية على الحكومة التي تقوم على الأساس الذي يراه هو.. أي "حكومة الوحدة الوطنية" بالثلث المعطّل أولاً ثم المحكمة الدولية.
إذاً، بعد انقضاء أكثر من شهرين على استقالة وزراء "حزب الله" و"أمل" من الحكومة، لا تزال "الأزمة" التي فجّرها الحزب وحلفاؤه، في "المربع الأول" حيث ليس خافياً ان ما يطالب به "التحالف المعارض" ليس "الشراكة" بل هو "الثلث المعطّل"، وان المحكمة الدولية مُحالةً إلى حكومة بثلث معطّل تغدو في مهبّ الريح. والتفسير لذلك لدى نصرالله، مُعلن: ان حكومة بلا ثلث معطّل هي حكومة تنفّذ كل ما يطلبه السفير الأميركي منها، وان المحكمة الدولية كما في المشروع المقرّ هي أداة تصفية حسابات سياسية!
كسب الوقت على إيقاع إيراني
قبل أيام قليلة، وفي مجلس ركن بارز من أركان حركة 14 آذار، قال الركن إنه سمع من مصادر ديبلوماسية عربية مرموقة ان "حزب الله" أعطى موافقته على صيغة 19+10+1، لكنه ـ أي الحزب ـ لا يزال لم يعط جوابه في مسألة "التزامن" بين الحكومة والمحكمة.
في تلك الجلسة، أبدى الركن والمشاركون في مجلسه اعتقادهم ان "حزب الله" يتعاطى مع المساعي العربية بـ"مناورات". هو يقول مثلاً انه مع صيغة 19+10+1 كـ"أساس للبحث" لكنه سرعان ما يطوّر شروطاً معينة تنسف هذه الصيغة. وهو يقول مثلاً انه مع "التزامن" بين المحكمة والحكومة، لكنه سرعان ما يكشف ان الحكومة أولاً ثم "تناقش" المحكمة الدولية.
وفي اعتقاد من شاركوا في تلك الجلسة، ان "حزب الله" يبدو في تعاطيه مع المبادرة العربية، ساعياً إلى "كسب الوقت"، وذلك بالتوازي مع معلومات تفيد ان إيران هي الآن في صدد عدد من الاتصالات العربية، وذلك في سياق محاولتها "تطويق" مفاعيل القرار الدولي المتعلّق بالعقوبات عليها في ما يتّصل بملفها النووي، وهو القرار الذي يخضع لمراجعة الشهر المقبل. وعليه، فإن التقدير هو ان "حزب الله" لا يقطع مع المبادرة العربية ولا ينسفها. وهو لا يسعى إلى إقفال الأزمة في لبنان ويبقيها مفتوحة على إيقاع تصعيدي معيّن. وكل ذلك في انتظار تبلور صورة الوضع الإقليمي أكثر فأكثر لديه. وفي التقدير أيضاً، ان بين الاستعجال السوري في "تفجير" الوضع اللبناني من ناحية والحركة الإيرانية الساعية وراء الوقت من ناحية ثانية، يمارس "حزب الله" نوعاً من الأداء "المركّب". وفي ظل هكذا أداء، يمكن القول ان ظروف نجاح المبادرة العربية لم تنضج.. وقد لا تنضج.
برّي و"الشرط السوري"
وما قد يبدو "غامضاً" في مواقف "حزب الله" وإدارته السياسية، يوضحه حليفه الرئيس نبيه برّي.
ما فتئ برّي يكرّر، ومنذ ما قبل زيارته الأخيرة قبل اسابيع إلى المملكة العربية السعودية، ان مفتاح معالجة الأزمة في لبنان، هو تطوّر العلاقات السعودية ـ السورية، داعياً ـ ضمناً ـ إلى تسوية سعودية ـ سورية او تسوية سعودية ـ مصرية ـ سورية.
بيد ان برّي إذا كان قادراً على إعطاء "وصفة" نظرية تربط حلّ الأزمة اللبنانية بتسوية العلاقات العربية ـ السورية، فإنه لا يستطيع أن يفترض ان ثمة أفقاً لهكذا تسوية، أو أن يفترض ان ما يؤخرها مجرّد تلكؤ من هنا أو هناك. ذلك ان أزمة تلك التسوية مردّها إلى النظام السوري نفسه، الذي بادر إلى نسف الجسور مع عواصم القرار العربي.
ولعلّ الرئيس برّي، يمثّل الشاهد الأساس على ما أوصل العلاقات السورية ـ العربية إلى القطيعة. فمبادرة برّي إلى عقد مؤتمر للحوار الوطني في آذار 2006، كانت مدعومة عربياً، سعودياً ومصرياً، وكانت مدعومة دولياً.. وكانت بـ"علم" النظام في دمشق. ويعرفُ برّي قبلَ غيره وأكثر من غيره انّه لولا الدعمين العربيّ والدوليّ، ولولا موافقة سوريّة "ما"، لما فتحت الطريق أمام مبادرته وعناوينها آنذاك. وهذا يعني انّ ثمّة تسوية عربية ـ سورية كانت قائمة في تلك الفترة بشكل من الأشكال مهّدت الطريق لمبادرة مؤتمر الحوار.
غير انّه من المفترض ان يكون برّي مدركاً انّ من نسفَ مؤتمر الحوار وعطّل النتائج التي أسفرت عنها بعضُ جولات ذلك المؤتمر، هوَ النظام السوريّ، الذي نسفَ بذلك تسوية عربيّة ـ سوريّة. كما كان لإيران دورُها في عملية نسف التسوية، وذلك على أساس انّ حرب تموز ـ آب من "ضفّتها" اللبنانية، كانت ذات بُعد إيرانيّ.
حتّى انّ ثمّة من ينقُل عن الرئيس برّي انّه، وفي المرحلة التمهيدية للمبادرة "الثانية" التي قام بها عندما دعا الى "التشاور"، قال الكلام نفسه الذي يقوله اليوم حول ضرورة تقدّم العلاقات السعودية ـ السورية، وانّه قال هذا الكلام في المملكة نفسها عندما زارَها. لكنّه إذ سُئل في تلك الحقبة، بعدَ حرب تموز ـ آب وما أعلنه رئيس النظام السوريّ بشار الأسد بالتزامن مع انتهاء الحرب من مواقف ضدّ فريق 14 آذار في لبنان وضدّ النظام العربيّ وأركانه، ما اذا كان ـ أي برّي ـ يملك "ضمانات" عن تسهيل سوريّ محتمل للحلّ، لم يجب، ولعلّه لم يستطع الاجابة.
اذاً، صحيحٌ في الظاهر، انّ برّي بالمقارنة مع "حزب الله"، يبدو أكثر استعجالاً لحلّ الأزمة اللبنانية، فيما يبدو الحزب يلعبُ "لعبة الوقت"، غير انّ الصحيح أيضاً، هو انّ برّي يربط الحلّ في لبنان بـ"شرط مانع" هو الموافقة السوريّة، في وقت يأخذ "حزب الله" في الاعتبار "شرطَين مانعَين"، الشرط السوريَّ والشرط الايرانيّ.
تهديد "حزب الله" بتعطيل الانتخابات الرئاسية
وهنا، تأكيداً لعدم وجود "نيّة" جدّية لتسهيل المبادرة العربية، لا بدّ من التوقّف عند كلام علنيّ لحزب الله يرتدي أبعاداً خطيرة.
أوّل من أمس، أثناء مقابلة تلفزيونية، سئل عضو كتلة "حزب الله" النائب حسين الحاج حسن عن أسباب هزال التحرّك الذي دعا إليه مع حلفائه الأسبوع الفائت. أجاب النائب نافياً الهزال مستطرداً بنفي وجود أيّ خلاف في صفوف "المعارضة" حتّى على مستوى "الادارة" السياسية. لكنّه في موازاة هذا النفي قال ما معناه شبه الحرفيّ "كنّا نتسلّى.. كنّا نسلّيهم قليلاً".
طبعاً، البعدُ الخطير الأوّل في هذا الكلام، هو أن يسمحَ نائبٌ عضوٌ في حزب كبير بهذا النوع من "المزاح السمج" إذ يتحدّث عن "تسالي" في وقت يئنّ البلد تحت وطأة تحركّات مطروحة برسم "التسلية". هذا مع العلم انّ الأمين العام للحزب "صحّح" في مقابلته الصحافية ما قاله النائب، فاعتبر انّ الحشد هو "على قدّ" المناسبة، وانّ الاعتصام أمام وزارة لا يتطلّب عدداً كبيراً.. وإن كان السيّد نصرالله "تنصّل" من موقف "المعارضة" التي أعلنت قبلَ التحرّك اندماجها في حركة "الاتحاد العمّالي العام".
غير انّ النائب الحاج حسن الذي "هدّد" الأكثريّة، وحذّرها من أن "تسترجي" القيام بعقد جلسة نيابيّة خارج ساحة النجمة وبغير رئاسة الرئيس برّي، سارع الى "التهديد" بإمكان عدم حصول انتخابات رئاسية في موعدها اذا استمر الوضع على ما هو عليه.
ولمّا كان استمرارُ الوضع على ما هو عليه يعني عدم قيام "حكومة الثلث المعطّل"، ولما كان يعني أيضاً منع المجلس النيابيّ من ممارسة دوره وإبقاءه معطلاً، يصبحُ ما يهدّد "حزب الله" به هو الآتي: إما رضوخ الأكثرية لما يطالب به وحلفاءه وإما استمرار التعطيل وصولاً الى منع انتخاب رئيس جديد للجمهورية. وبكلام آخر، انّ ما يهمّ "حزب الله" وحلفاءه ليسَ الوصول الى تسوية بـ"سلّة متكاملة"، وليسَ المساعدة على تكوين مناخ التوصّل الى حلّ، بل البرهنة على قدرته على التعطيل. والقدرةُ على التعطيل لا تحتاج الى حشود جماهيرية ضخمة، ولا الى "خطّة ج"، بل تحتاج فقط الى ما يسمّى "البقاء في الشارع" في موازاة تعطيل المؤسسات الدستورية.
برّي يتغاضى عن "حزب الله" ويهاجم الأكثريّة
إذاً بالتزامن مع إبداء الانفتاح الشكلّي على المبادرة العربيّة، وفي سياق "لعبة الوقت" ذات الوظائف الاقليمية، يدير "حزب الله" عملياً مشروعاً لـ"الفراغ الدستوريّ" لتطويل أمد الأزمة ولفرض "أمر واقع" مرشّح لأن تتطوّر خطورته مع الوقت.. الأمر الذي يعني ايجاد مناخ إحباط للمبادرة العربيّة، يتدرّج تصاعداً.
واللافتُ في هذا المجال انّ الرئيس برّي الذي يعلن انّه مع الإسراع في الحلّ تجنباً لـ"الفتنة"، لا يرى إلا انّ الأكثريّة تعمل على تعطيل المؤسسات الدستورية، ويغضّ النظر عن مواقف حليفه وممارساته.
والحال انّ الأكثريّة ليست في موقع رئاسة للجمهوريّة التي يمعن شاغلُها في التعطيل. وهي، حتّى بكونها أكثريّة ممنوعة من ممارسة "حقّها" هذا، وممنوع على المجلس النيابي أن يلتئم. ويعلم رئيس المجلس ان العريضة التي تقدّم بها نواب 14 آذار لفتح دورة استثنائية، انما هي من أجل تأمين حضور المؤسسة الدستورية الأم في كل مفاصل الأزمة ومسارات معالجتها، وان المطلوب أن ينتصر برّي للمجلس عندما سيرفض رئيس التمديد توقيع مرسوم فتح الدورة الاستثنائية، والبرهنة على ان المجلس يستطيع أن يجتمع بطلب من أكثريته إذا أمعن رئيس التمديد في مخالفة الدستور.
المواقف من صيغة 19+10+1
أما في الموضوع الحكومي، فإن برّي يعلم ان الأكثرية وافقت على صيغة 19+10+1، لا بل كانت مبادِرة إلى عرضها. ويعلم ان الأكثرية نسّقت معه في خصوصها. ويُفترض ان يتذكر انه قال في أحد الأيام أن لا مانع لديه من أن يكون الوزير الحالي للتربية خالد قباني مثلاً هو الوزير الحادي عشر. وكانت لديه آنذاك حجة قوية، إذ قال يومها الآتي: طالما ان الاتفاق على "الوزير الملك" يقضي بألا يصوّت في جلسات مجلس الوزراء في مقابل ألا يغيب عنها، فليس هناك أي مشكلة فيمن يكون هذا الوزير. وذلك قبل أن تتسرّب عنه مبادرة "الحكومة العشرية" التي عاد بعدها إلى القول أمام رئيس الوزراء التركي رجب طيّب أردوغان إنه وافق في الأصل على صيغة 19+10+1 لكن الأكثرية عطّلتها، متحدثاً عن خرق الأكثرية لآلية تسمية "الوزير الملك"، مشيراً إلى ان الآلية تقضي بأن تقبل الأكثرية بالتسمية الخامسة لهذا الوزير من جانب "المعارضة". ولعلّ هذا الكلام ما حدا أردوغان إلى لفت برّي ـ على ما قيل ـ إلى سهولة الاتفاق بينه باسم "المعارضة" وبين الرئيس فؤاد السنيورة باسم الأكثرية على اسم هذا الوزير إذا كان صحيحاً ان الأساس متفق عليه.
خطة إجهاض المبادرة العربية
خلاصة القول، ان بين ما يقوله "حزب الله" ويمارسه من جهة وما يقوله برّي من جهة أخرى، تراوح الأزمة مكانها. واعتقاد "المعارضة" أو بعضها انه يمكن "الضحك" على المبادرة العربية أو انه يمكن التلاعب بها أو تحويرها، اعتقاد خاطئ. ذلك ان "التخطيط" الذي يلجأ إليه التحالف السوري ـ الإيراني، مكشوف لإطالة أمد الأزمة، حتى موعد الانتخابات الرئاسية. و"التخطيط" مكشوف، في وقت يحذّر "حزب الله" الأكثرية من أن "تسترجي" عقد جلسة نيابية، بينما هناك من يشجّع إميل لحود على ارتكاب مزيد من المخالفات الدستورية، بما في ذلك إصدار مرسوم "إقالة" الحكومة الشرعيّة، إجهاضاً للمبادرة العربية بإيعاز سوري.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00