الشهر الماضي، أعلنت الكنيسة المارونية ثوابتها التي اعتُبرت على نطاق واسع بمثابة مبادرة ترفد المبادرة العربية وتتقاطع معها. وخلال اليومين الماضيين لوحظ أن بكركي تحرّكت باتجاه قيادات مسيحية متعدّدة تحت عنوان تفعيل الثوابت المارونية لجعلها أساساً لموقف سياسي مسيحي عام. فماذا حصل خلال الشهر الفاصل بين إعلان الثوابت والتحرّك لتفعيلها؟
بدايةً، لا بد من القول أن مبادرة بكركي إذ انطلقت من العناوين الكبرى للأزمة اللبنانية، صاغت "سلّة متكاملة" للحلّ تشمل هذه العناوين كافة. وإذا كانت المبادرة لم تنصّ ـ على الورق ـ على تسلسل زمني لخطوات الحل المتكامل، فإنها ركّزت على أن الشارع لا يحلّ الأزمة، ودعت بشكل واضح وصريح الى إنهاء التحرّكات في الشارع، بحيث لم يكن ثمّة لبس في أن الكنيسة تعتبر الخروج من الشارع مفتاح الحلّ. كذلك، وبعد تراكم سلسلة مواقف واضحة للبطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير حيال أزمة رئاسة الجمهورية، أتت الإشارة في الثوابت الى مسألة رئاسة الجمهورية ومعالجتها من ضمن التسوية المنشودة.
التحرّك الكنسي بالتزامن مع "الخيبة العونية"
أعلنت الفاعليات المسيحية قوىً وأحزاباً وشخصيات التزامها بالثوابت وتبنّيها. غير أن الطرف المسيحي المعنيّ مباشرةً بموضوع النزول الى الشارع، أي الجنرال ميشال عون الذي قال إنه مع مبادرة بكركي، لم يلتزم بالمطلب السياسي العملي، وبقي مصرّاً على الشارع وعلى التصعيد في الشارع، مثله مثل الحليف المسيحي للنظام السوري سليمان فرنجية. ناوَرَ الجنرال وحاول "شدّ" المبادرة نحو المشروع السياسي الذي ينخرط فيه من ضمن التحالف السوري ـ الإيراني، والتقى البطريرك مرّتين، بعد المبادرة مباشرةً ثم خلال هدنة الأعياد، وعُلم آنذاك أن اللقاءين اصطدما بـ"مسألة الشارع".
الآن، وخصوصاً في ضوء ما آلت إليه "المرحلة ب" من خطة "حزب الله" وحليفه عون والحلفاء الآخرين من فشل على مستوى التحشيد الشعبي خلف لافتة "الاتحاد العمالي العام"، تتسرّب معلومات تفيد أن عون "غير مرتاح" وأنه في بعض المجالس يحمّل هذا الفشل لحزب الله. والحال، أن معلومات مقابلة تسرّب عن "حزب الله" تفيد أن الحزب يحمّل الجنرال مسؤولية الهزال الشعبي في تحرّك الأيام القليلة الماضية، على اعتبار أن الحشد كان ينبغي أو كان متفقاً أن يكون مسيحياً بما أنه حصل في منطقة جغرافية "مسيحية". لكن من الواضح أن بين ضفّتَي المعلومات، مسألة غائبة، هي أن القدرة التعبوية ـ التحشيدية لدى الجنرال و"التيار الوطني الحر" متراجعة جداً، بالضبط بسبب التناقض بين سياسة الجنرال من ناحية والبيئة المسيحية التي لا تتقبّل هذه السياسة من ناحية ثانية، مما يجعل المسألة سياسية بامتياز وليس "تقنية".
حكمة بكركي
في هذا "المناخ"، تحرّك المطارنة الموارنة الموفدون من البطريرك وبدأوا جولتهم على القيادات المسيحية. وفي هذا المجال، ثمة من يفترض أن هذا التحرك ربما يكون تمّ بـ"نصيحة" من مقرّبين الى عون في الكنيسة، تحت عنوان أن الظرف مناسب لـ"استيعاب" الجنرال طالما أنه "استحقّها" أي في ظل أزمة علاقته بالشارع المسيحي. وثمة من يفترض أن تحرّك المطارنة مبنيّ على أنه يمكن أن يأتي بنتيجة هي "سحب" المسيحيين جميعاً من الشارع. وثمة من يفترض أن التحرك تحفزه فكرة توحيد الصف المسيحي.
وإذا كان التأكد من نتيجة التحرك الكنسيّ يحتاج الى بضعة أيام، وإذا كان ثمة "حكمة" بطريركية ما وراء هذه الحركة، فإن ما يمكن تسليط الضوء عليه من دون انتظار، هو أن الوضع المسيحي في السياسة وضعان.. على الأقل. ذلك أن الكلام مع عون وعنه يبدأ من مكان، فيما ينطلق الكلام مع الآخرين من مكان آخر، أي أن المسألة مع الجنرال تبدأ من "بديهيات" قبل الدخول في "الثوابت"، وهي "بديهيات" تتعلّق بأي موقع مسيحي "جدّي".
على أي حال، فإن للكنيسة حكمتها في التحرّك الراهن، وغنيّ عن القول أنها تمثّل ضمانة استعادة الوضع المسيحي الى موقعه الوازن في معركة استكمال الاستقلال وبناء دولته.
مسيحيّو 14 آذار قسمان
بيدَ أن "الإشكالية العونية" المشار إليها آنفاً، وإن كانت "الأكبر" و"الأعقد"، تتجاور مع عدد من المعطيات المسيحية، كما يتبيّن لدى التدقيق في الخارطة السياسية المسيحية.
على الخارطة السياسية المسيحية، ثمة موقع "ممتاز" لمسيحيي 14 آذار، أي للسياسيين المسيحيين المدافعين عن خيارات 14 آذار، بما هي خيارات الاستقلال والسيادة والدولة المدنية بمرجعية اتفاق الطائف بوصفه إطار الشراكة الوطنية.
لكن مسيحيي 14 آذار قسمان بشكل عام. الأول هو الفريق الذي لا تحكمه حسابات من أي نوع. والثاني هو الذي يمثّله الى حدّ كبير مرشّحون الى رئاسة الجمهورية.
في "القسم" الأول، وإذا كان مما لا شك فيه أن شخصيات بارزة في "لقاء قرنة شهوان" لعبت وتلعب دوراً مميّزاً ومهماً على صعيد تأكيد اولويات حركة 14 آذار وتوكيد الشراكة المسيحية ـ الاسلامية وعلى صعيد "مطاردة" كل محاولات الانحراف عن الموقع المسيحي "الطبيعي"، فإن التيارات الحزبية تؤدي دوراً وازناً في معركة استعادة لبنان إلى سياق مستقل وديموقراطي.
"القوات" ودورها
في هذا الاطار، من نافل القول ان "القوات اللبنانية" بقيادة سمير جعجع استعادت دوراً محورياً على الساحة المسيحية، وينظر اليها من داخل الساحة المسيحية ومن خارجها على انها الذراع الأساسية لحركة 14 آذار. وبالفعل كان جعجع خلال الفترة السابقة الشريك المسيحي المتناغم مع الشريك المسلم، والعامل من دون كلل أو ملل على نقل "القوات" من صورة الى أخرى مقتنعاً بأن ليس صحيحاً ما هو شائع عن ان البيئة المسيحية تستسيغ "المتطرف" أكثر من "المعتدل". ومع ذلك، يمكن القول ان انشغال جعجع بإعادة "إعمار" تيّاره بعد سنوات سجنه، أخذ منه وقتاً طويلاً وكان ذلك في بعض الأحيان على حساب العمل السياسي "العام".
"الكتائب" في عهدة الشهيد
أما حزب "الكتائب" فاستطاع بقيادة الرئيس امين الجميل وبمعاونة نجله الوزير الشهيد بيار الجميل والعديد من الكوادر الشباب، تجديد نفسه ودوره مستعيداً حضوره على الخارطة المسيحية. ومما لا شك فيه ان استشهاد الوزير بيار الجميل الذي كان معروفاً قبل استشهاده بأنه يلاحق الشاردة والواردة وأنه "داعية" كتائبي ناجح استفاد من تجربة الحزب واستخلص النتائج كشاب مؤمن بالشراكة، ان هذا الاستشهاد أعطى دفعاً قوياً لحزبه من المفترض ان يكون جيل بيار في صدد تأطيره برعاية الشيخ الرئيس.
"ظاهرة" تجدد دورَي "الأحرار" و"الكتلة"
على ان "الظاهرة" الجديدة على الخارطة السياسية المسيحية، تتمثل الآن بـ"العودة" التي يسجلها حزبان مسيحيان تقليديان كانا شهدا تراجعاً مروّعاً في حضورهما خلال سنوات طويلة، حتى بدا في فترة معينة أن جمهور كل منهما "تتناتشه" الحزبيات "الجديدة" وكانت لـ"التيار العوني" حصته من هذا "النتش". إنهما حزبا "الوطنيين الأحرار" و"الكتلة الوطنية".
يجب القول هنا، ان "الوطنيين الأحرار" استفاق بقوة أخيراً. أخذ منه تقويم مرحلة العقود الثلاثة الماضية وقتاً طويلاً جداً. تأخر كثيراً في إعادة تجديد نفسه وحضوره، وتباطأ في اختيار تموضعه المتجدد. واذا كان ثمة ما هو مفهوم من أسباب لكل ذلك، في حزب خسر زعيمه المؤسس الرئيس الراحل كميل شمعون "البطريرك السياسي للموارنة" في زمانه، وخسر قائده الواعد الشهيد داني شمعون، وكلتا الخسارتين وقعتا في مرحلة الحرب اللبنانية الطاحنة، فإن التطورات التي بدأت في آذار 2005 سرعت مخاض "الأحرار" الذي يظهر واضحاً ان رئيسه دوري شمعون يعود به الى "الشمعونية" الأولى بما هي "المزاوجة" بين "الخصوصية" المسيحية من جهة والشراكة الوطنية من جهة ثانية. ولا مبالغة في القول ان دوري شمعون نجح وبسرعة في تأكيد حضوره بوصفه "تلويناً" مسيحياً أساسياً.
ويجب القول ان حزب "الكتلة الوطنية" الذي قادته "مبادئه" و"طهرانية" عميده الراحل ريمون إده الى "زاوية" شبه منسية على الخارطة السياسية في زمن الحرب وصخب التطرف و"لغة الدم"، والذي لم يسعَ خلال الفترة التي تلت اتفاق الطائف، مثله مثل العديد من التيارات المسيحية الى اعادة صوغ وضعه، فيما كانت الوصاية السورية تُعمِل سكّينها في الاحشاء اللبنانية، إنما عاد في الآونة الأخيرة، وبشكل متدرج منذ آذار 2005 الى ملء الخانة التي له مسيحياً ولبنانياً. واذا كان مما لا شك فيه ان الموقف السلبي لـ"الكتلة" من اتفاق الطائف "خلقت" تماهياً بين الحزب و"التيار العوني" استفاد منه الاخير في فترة معينة، فإن وقوف العميد كارلوس اده في مقدمة الصفوف المسيحية دفاعاً عن خيارات 14 آذار، جعل "الكتلة الوطنية" تحضر بقوة، وقد نضج العميد في خضم تجربة سياسية استثنائية. ولعلّ لا مبالغة في القول ان كارلوس إده يتمتع الآن بـ"ميزة" التقاط الاتجاهات الحقيقية للحركة السياسية.
إذاً في الحديث عن "القسم الأول" من مسيحيي 14 آذار، كان ضرورياً بالإضافة الى تسجيل دور عدد من الشخصيات البارزة في "لقاء قرنة شهوان"، تسجيل ظاهرة "عودة" حزبَي "الوطنيين الأحرار" و"الكتلة الوطنية" الى الخارطة المسيحية بقوة، ليضيفا غنىً الى التعددية المسيحية والى تعددية 14 آذار نفسها.
المرشحون الرئاسيون و"التمايز" غير النافع
أما "القسم الثاني" من مسيحيي 14 آذار، فيضم بعضاً من المرشحين الرئاسيين.
بطبيعة الحال، ليست المشكلة في ان يكون ثمة مرشحون رئاسيون ضمن حركة 14 آذار، لا بل ذلك هو أمر طبيعي. غير ان المشكلة تكمن في ان عدداً منهم أخذ على عاتقه منذ مدة "التمايز" عن شركائه في الحركة الاستقلالية. ومع ان هذا "التمايز" لا يلامس المبادئ والمواقف العامة، ويبدو محصوراً في "الأداء"، فإن له انعكاسات سلبية ولو بحدود. من هذه الانعكاسات أن ثمة ظرفاً معيّناً يقتضي تناسقاً في التعبير السياسي حيال قضية ما أو فريق من الفرقاء، وعندئذ يبرز "التمايز" بوصفه عائقاً، أو أنه يخلق انطباعاً بـ"ميوعة" الموقف أو أنه يعطي إشارة خاطئة الى "الخصم".
أحدهم مثلاً، وهو عضو في كتلة نيابية كبيرة، يحاول في هذه الأيام ليس فقط الإيحاء بـ"تمايزه"، بل يذهب فيه الى "الآخر" في معرض تقديم نفسه فقيهاً دستورياً في أمور عقد الجلسات والعرائض وغيرها. والحال أنه حتى لو كانت "اجتهاداته" صحيحة، عليه أن يناقشها داخل كتلته وداخل حركة 14 آذار.
بيدَ أن الأهم هنا، هو أن حرص البعض على أن يكون "مقبولاً" من الفريق الآخر، يجعله يغيب عن "المعركة السياسية". وواقع الأمر أن الوصول الى الرئاسة في وضع كالوضع اللبناني هذه الأيام، ليس "عملية تجميلية". فإذا كان المرشح عضواً أصيلاً في 14 آذار فلن يكون مقبولاً من الفريق الآخر مهما "تمايز"، وإذا كان لا بد أن يكون الرئيس من 14 آذار فالمسألة مسألة توازن قوى، فما "نفع" التمايز إذاً؟
الكنيسة وواقع الفرز
في بداية هذا النص، كان حديثٌ عن أن الوضع المسيحي وضعان. الجنرال وتياره وحلفاؤه مسيحيو النظام السوري في ضفة، ومسيحيو 14 آذار في ضفة ثانية. ومسيحيو 14 آذار أنفسهم قسمان كما جرت الإشارة آنفاً. لكن بين الضفّتين، هناك بعض "المزاج" المسيحي الذي يرى أن المعركة الدائرة في لبنان اليوم هي بين مسلمين ومسلمين، بين السنّة والشيعة، ويعتبر أن لا علاقة للمسيحيين بها.
من هنا، فإن الفرز القائم على الخارطة السياسية المسيحية بين ضفّتين أولاً، ثم التنوّع والتعدّد و"التمايز" في ضفة 14 آذار ثانياً، وبينهما بعض "المزاج" الحيادي ثالثاً، أمور ترسم صورة الوضع السياسي المسيحي في موازاة تحرّك الكنيسة. وهذه الاستنتاجات لا تحاول أن تقول للكنيسة أي كلام بخصوص حركتها، لكنها تسعى إلى تأكيد أن المسألة في "السياسة"، تحلّ هنا أو لا تحلّ.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.