8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

حسابات المعركة الخاطفة لا تنطبق على بيدر الأفق البعيد والمسدود

عندما بدأ "حزب الله" وحلفاؤه تحركهم الانقلابي في الأول من كانون الأول الماضي، كان واضحاً ان رهانهم منعقد على "معركة خاطفة"، أي أن يحققوا انتصاراً معيناً بـ"الضربة القاضية".. ومن الجولة الأولى، على أساس أن يؤدي حشد أقصى الطاقة الشعبية في الشارع إلى تكوين واقع يفرض على الحكومة الاستقالة.
ارتباك "المرحلة ب" وتفسيراته
فشِل هذا الرهان. وبمجرد أن صار "التحالف" الذي يقوده "حزب الله" مضطراً إلى خوض معركة "طويلة الأمد"، بات متوقعاً أن يواجه التحرك عقبات ومشكلات كبيرة، تماماً لأن هذا التحرك كان مبنياً من الأساس على فرضية واحدة، هي فرضية الإنجاز السريع أو "الانتصار السريع".
من هنا، فإن الارتباك الذي تصادفه "المرحلة ب" من خطة "التحالف" المذكور، ليس وليد ساعته، لانه نتاج مفاجأة أو مجموعة من المفاجآت تفرض عليه أن يعيد النظر في حساباته، وفي الخطة تالياً. أما التفسيرات التي تعطى لهذا الارتباك، والتي تُنقل عن "حزب الله" أو تنسب إليه، بشأن هزال التحرك الذي تم في الأيام الماضية تحت لافتة "الاتحاد العمالي العام"، فإنها غير مقنعة.
قيل مثلاً ان "حزب الله" لم يشأ أن يحشد في الاعتصامَين السابقين أمام مركز القيمة المضافة التابع لوزارة المال وأمام مقرّ وزارة الطاقة، لأن موقعَي الاعتصامَين في "منطقتين مسيحيتين"، وان الحزب أراد أن يقدّم فيهما الشريك المسيحي في "التحالف". وقيل أيضاً ان الحزب، في ضوء تقويمه لتجربة شهر من التحرك، وجد ان الأفضل هو التدرّج نحو "الأعلى" أي التدرّج من الحشد الأقل إلى الحشد الأعلى، وتتويج التحرك بخطوات عصيانية نوعية مثل الاضراب الشامل. وقيل ان الحزب فوجئ بضحالة القدرة التحشيدية لحلفائه لا سيما "التيار العوني".. وفي "مناطق مسيحية". وقيل ان ثمة اختلافات داخل "التحالف" بشأن "إيقاع" التحرّك وتوقيت خطواته والمرحلة "النهائية" منه.
قيل الكثير إذاً ويمكن أن يُقال الكثير أيضاً. بيد ان ما قيل وما يمكن أن يُقال من ضمن هذه "الدائرة" من الحجج والذرائع لا يقدّم تبريراً كافياً.
ذلك انه مهما يقال، فإن الهزال والارتباك يُحسبان على "حزب الله" بصفته قائد التحرّك، أي ان ضعف أحد حلفائه في التحشيد الشعبي مثلاً، لا يبرؤه هو نفسه طالما ان التحرك من أصله مسجّل في خانته.
بين الوعد بانتصار سريع وواقع المراوحة
وإذا كانت التفسيرات الآنفة غير مقنعة وغير كافية، فما هي الأسباب "العميقة" لذلك الارتباك المنظور في تحرّك التحالف السوري ـ الإيراني؟
ثمة اعتبار أول سياسي ـ معنوي تجدر ملاحظته. فـ"التعبئة" التي حصلت عشيّة الأول من كانون الأول الماضي والتي بلغت ذروتها في تلك الفترة "وعدت" بنصر مؤزر سريع. ومن الطبيعي عندما يصطدم "الوعد" بـ"الوقائع"، أي عندما يصبح مفروضاً على التحرّك أن يسير بوتائر متباطئة، أن ينشأ "وضع معنوي" مختلف، أي أن يحصل نوع من الإحباط المعنوي عند الناس إذ يجدون أن لا تقدّم وأن الأفق لا يزال بعيداً أو انه مسدود.
من تجربة 14 آذار
وما يتم إيراده هنا ليس اختراعاً. فحركة 14 آذار مرّت بتجربة مماثلة في العام 2005.
بلغت الحركة الاستقلالية ذروتها في 14 آذار 2005، وكان سبق الحشد المليوني في ذلك اليوم إنجاز من ناحية واستفزاز من ناحية ثانية. أما الإنجاز فتمثّل بإعلان النظام السوري مضطراً انسحابه في غضون شهر من لبنان. أما "الاستفزاز" فتمثّل في تظاهرة حلفاء سوريا بقيادة "حزب الله" في 8 آذار.
ومع ان الإنجاز المشار إليه عنى لحركة 14 آذار و"شعبها" ان الأفق مفتوح، ومع ان "الاستفزاز" ساهم في التعبئة والحشد، فإن الحركة شهدت بعد 14 آذار مساراً تراجعياً، ما حدا بالشهيد سمير قصير المتابع لانتفاضة الاستقلال في الميدان عن كثب إلى الكتابة داعياً إلى "انتفاضة في الانتفاضة". ومع ان "الشعور" الذي كان يخالج كل واحد من قيادات 14 آذار، وكل واحد من ناسها هو انه يكتب حرفاً من تاريخ لبنان الجديد، فإن ذلك لم يحُل دون حصول تراجع على مستوى الحضور الشعبي بعد ذلك اليوم التاريخي. والسبب في ذلك مِن شقّين: الأول هو ان معركة إنجاز الاستقلال والسيادة محكومة بأن تكون طويلة جداً وبممّرات عسيرة قبل أن تحقّق نتائجها "الكاملة" ويغدو الاستقلال الثاني معطى نهائياً ناجزاً، والثاني هو انه ثمة تباينات حصلت داخل الحركة بشأن الأولويات وكيفية المتابعة، كما حصلت أخطاء على مستوى "إدارة" الصراع السياسي.
الاعتبار السياسي ـ المعنوي هو بلا شكّ اعتبار أول، منظوراً إليه من زاوية صعوبة الإنجاز أو استحالته، ومن زاوية الاضطرار إلى "نفس طويل" في معركة لا يبدو أفقها السياسي مفتوحاً.
المسألة السنّية ـ الشيعيّة مجدّداً
وهناك اعتبار ثانٍ بالغ الأهمية أيضاً يتمثّل في اضطرار "حزب الله" بوصفه الطرف الذي يقود التحالف السوري ـ الإيراني إلى أخذ "المسألة" السنّية ـ الشيعيّة في الحسبان.
لا شكّ انّ هذا العامل ـ المعطى أساسيّ. كانَ الوضع السنّي داخلاً في حسابات "حزب الله" في الأساس. لكنّه ـ على ما يبدو ـ لم يكن يتوقّع حجم ردّ الفعل ومستواه في الشارع السنّي، ودرجة الاستنفار الذي ولّده تحرّكه في الشارع ضدّ الحكومة ورئيسها، وولّدته نيّته اقتحام السرايا في فترة من الفترات.
ولعلّ في ما ينسب الى "حزب الله" من تفسيرات لهزال التحرّك الأخير، ممّا جرت الاشارة إليه آنفاً، شيئاً صحيحاً في خضمّ كلّ التفسيرات غير المقنعة، هو انّه "يميل" الى عدم التواجد في "الواجهة". فإذا كان ذلك صحيحاً، فإنّه "قد" يكون يعني انّ الحزب يميل الى وضع آخرين في "الواجهة" كي "يخفّض" الاستنفار السّني الذي جعل مفتي الجمهوريّة الشيخ محمد رشيد قبّاني "يصعّد" توضيح مواقفه بالقول انّ رئيس مجلس الوزراء يمثّل موقع السّنة الأوّل في الدولة و"لن أسمح بإسقاطه في الشارع".
الموقف العربيّ: كلام الأمير سلطان وكلام أبو الغيط
ما هو الاعتبار الثالث؟. اذا كانَ اللبنانيون يعتبرون انّ التحرّك الانقلابي هو بقيادة "حزب الله" وانّ الحزب هو "عماده" أياً يكن توزيع الأدوار، فإن الخارج العربيّ والدوليّ لا يرى غير "حزب الله" ويعتبر الآخرين تفاصيل. ولا يقرأ هذا الخارج العربيّ والدوليّ "حزب الله" الا على أساس كونِه مشروعاً إقليمياً في لبنان ونقطة التقاطع السوريّ ـ الايرانيّ في لبنان.
وفي هذا الإطار ينبغي تسجيل تطوّر الموقف العربيّ حيال ما يجري في لبنان. وهذا التطوّر يحصل شكلاً ومضموناً. ففي "الشكل" يتجسّد الاهتمام العربيّ حركةَ اتصالات عربيّة ـ عربيّة منقطعة النظير، ومواكبة لصيقة لمجريات الوضع اللبناني، ودبلوماسيّة نشطة للسفيرَين المصريّ والسعوديّ في لبنان.
وفي "المضمون"، لم يعد سراً انّ الموقف العربيّ يتأسس على مجموعة ثوابت. الثابت الأوّل هو رفض استدراج لبنان الى "العرقنة"، وهذا ما يتجلّى في التحذير شبه اليوميّ من الفتنة المذهبية جرّاء النزول الى الشارع من جهة وجرّاء تصدّر "حزب الله الشيعي" للمواجهة مع رئاسة الحكومة "السّنية" من جهة ثانية، وقد عكس وزير الخارجيّة المصري أحمد أبو الغيط هذا "القلق" في موقف خاص بلبنان قبل أيام قليلة. والثابت الثاني هو رفض التدخّل السوري ـ الايراني في الشؤون اللبنانية، ومطالبة دمشق بالكفّ عن سياسة عدم احترام استقلال لبنان وسيادته. أما الثابت الثالث، فهو اعتبار اتفاق الطائف المرجعيّة الصالحة لأيّ تسوية أو حلّ في لبنان سواء أتت هذه التسوية عبر مبادرة عربيّة أو عبرَ حوار داخليّ مدعوم عربياً، وهذا ما أكّده وليّ العهد السعوديّ الأمير سلطان بن عبد العزيز في مقابلته الأخيرة مع "الشرق الأوسط" قبل بضعة أيام.
الاعتبارُ الثالث اذاً هو الموقف العربيّ الذي يأخذ على عاتقه حماية الصيغة اللبنانية وحماية موقع لبنان ضمن منظومة الاعتدال العربيّ. والحال انّ "النظام العربيّ" الذي يعتبر انّ النظام السوريّ خرجَ منه وعنه وانّ ايران تسعى الى مدّ نفوذها ودورها باتجاه المنطقة العربية والصراع العربي ـ الاسرائيل، يحاول في الوقت نفسه حماية القضية الفلسطينية أيضا واستعادتها إليه، وهذا وجهٌ من وجوه ما يحصل في فلسطين هذه الأيام. وليس غريباً ان يعتمد "النظام العربي" هذا التوجّه حمايةً للبنان وفلسطين، لأن الموضوعين يتزامنان ويتوازيان، ولأن المسألتين تتكاملان بمعنى انّ استقلال دولة لبنان دعامة لدولة الاستقلال في فلسطين.
الرهان الفاشل على تغيير أميركي
أمّا الاعتبار الرابع، فيتعلّق بأمر استجدّ في الساعات الماضية، أي بـ"الاستراتيجية الجديدة" التي أعلنها الرئيس الأميركي جورج بوش أوّل من أمس بشأن العراق.
عندما بدأ التحالف السوريّ ـ الايرانيّ في لبنان محاولته الانقلابية في الأول من كانون الأول الماضي، لم يكن خافياً انّ جانباً من رهانه السياسي كان قائماً على أنّ ثمّة وقتاً أميركياً ضائعاً في انتظار "الاستراتيجية الجديدة". ولم يكن خافياً أيضاً انّ جانباً آخر من هذا الرهان كان قائماً على انّ الادارة الأميركيّة ستكون مضطرّة بسبب مأزقها في العراق الى الحوار مع سوريّا وإيران. كذلك لم يكن خافياً انّ ثمّة "تضخيماً" سورياً وإيرانياً لمعنى توصيات لجنة بيكر ـ هاميلتون ودلالاتها، حتّى انّ قادةً في "حزب الله" استندوا في تحليلات سياسيّة عديدة الى تقرير اللجنة الأميركية لاستنتاج انّ ثمّة احتمالات تغيير في السياسة الأميركية، لا بل ذهبوا الى الحديث عن انّ حركة 14 آذار "سوف" تواجه مشكلة كبيرة بسبب أن تغييراً أميركياً سيطرأ.
ماذا تعني استراتيجية بوش الجديدة؟
الآن، أعلن بوش استراتيجيته وفيها ان لا تفاوض مباشراً مع دمشق وطهران. وهذا يعني أموراً عدّة. الأوّل هو أنه لن يكون وقت أميركي ضائع بعد الآن وان "المعركة" بين الولايات المتحدة والمحور الإيراني ـ السوري قائمة ومتصاعدة. وفي المقابل تعني الاستراتيجية الأميركية الجديدة مزيداً من "توحيد" جناحَي المحور، أي انها تحسُم من ناحية أميركا ما لا يزال موضع نقاش في غير دائرة عربية وأوروبية حول ما إذا كان "مفيداً" اجتذاب سوريا لمواجهة إيران أو العكس. أما الأمر الثالث الذي تعنيه الاستراتيجية الجديدة في نتائجها، فهو انها تفيد ان ثمة معركة طويلة بين واشنطن والمجتمع الدولي من جهة والمحور الإيراني ـ السوري من جهة اخرى، ما يضع "الأزمة اللبنانية"، بارتباطها بالبعد الإقليمي ـ الدولي، على طريق طويل.
إذاً، في قراءة الارتباك الذي تصادفه "المرحلة ب" من خطة تحرك "حزب الله" وحلفائه، يبدو واضحاً ان هناك اعتبارات أبعد بكثير ممّا يجري تسويقه أو تنسيبه إلى الحزب. ولعلّ هذه الاعتبارات جميعاً تتمحور حول حقيقة ان هذا الارتباك ناجم عن تقدير خاطئ بإمكان "الانتصار" في معركة خاطفة، فيما كل المعطيات كانت منذ البداية ولا تزال تؤشر إلى ان المسألة طويلة جداً، وانها غير مضمونة النتائج، لا بل تبدو أمام سلسلة من الجدران المحلية والعربية والدولية.
من هنا، "يُستحسن" أن يجري "حزب الله" وبسرعة مراجعة "دقيقة"، فلا يبقى أسير قراءة وحيدة الجانب من ناحية ولا يبقى مفترضاً القدرة على "الحسم" من ناحية ثانية، وذلك للحؤول دون ما يمكن أن يقوده تحت وطأة السرعة والتسرّع إلى الدخول في "الخطر".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00