8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

ماذا وراء تراجع "الطفرة" الشعبية للتحرك في الشارع؟

لدى التدقيق في الأسباب التي تجعل التحالف السوري ـ الإيراني يختار مناسبة باريس ـ 3 لتصعيد حركته الانقلابية والانقضاض على هذه الفرصة من الدعم العربي والدولي للبنان، يجدر التوقف عند سببين رئيسيين يوضحان طبيعة قوى هذا "التحالف" وأبعاد مشروعها.
السبب السوريّ وتجربة المؤتمرين السابقين
لا شكّ أولاً ان انعقاد مؤتمر باريس ـ 3، تجسيداً لإحتضان سياسي واقتصادي عربي ـ دولي للبنان، في وقت يواجه النظام السوري شبه مقاطعة شاملة عربية ودولية، يثير "حساسية" هذا النظام الذي يعتبره "على حسابه".
وفي ظل هكذا قراءة سورية لباريس ـ3، من المؤكد ان نظام الأسد في دمشق لن يوفّر وسيلة لتعطيله. وبـ"التجربة"، فقد سمح هذا النظام بانعقاد مؤتمرَي باريس ـ 1 وباريس ـ 2 في مرحلة سابقة، لكن بسبب وجوده في لبنان آنذاك محكماً وصايته على البلد. لكنه لم يتردد في تعطيل نتائجهما لا سيما نتائج باريس ـ 2 عندما "اكتشف" ان نهب ما أتى به المؤتمر الأخير غير متيسّر بسبب الإلزامات الدولية من ناحية والإلتزامات اللبنانية من ناحية ثانية. ووصل التعطيل يومها إلى حدّ ان ثمة مشاريع مموّلة مُنع لبنان من إطلاقها واستثمارها، وهي مشاريع لا تزال قائمة إلى اليوم بدون تنفيذ ولم يستفد منها لبنان واللبنانيون.
باريس ـ 3 والدولة
بيدَ ان السبب الرئيسي الثاني والأهم "الآن"، هو ان باريس ـ 3 لا يمكن أن يحقق نتائجه ما لم تقف "الدولة" خلفها أي خلف تنفيذها. لا معنى للدعم الخارجي ولا قدرة على توظيفه ما لم تكن الدولة قادرة على الاستفادة منه وما لم تكن "الجهة" التي تملك "خطّة" وضعه موضع التنفيذ. فلا نمو اقتصادياً من دون الدولة، ولا معالجة للدين من دون الدولة، ولا حلول للمشكلات الاجتماعية بدون الدولة، ولا إصلاح موازياً بدون الدولة.
ان المسألة المالية ـ الاقتصادية ـ الاجتماعية تمثّل "الميدان" الذي يظهّر أهمية وجود الدولة ودورها والحاجة اليهما.
هذان السببان الرئيسيان لا يُضافان إلى الأسباب الأخرى بل الأسباب الأخرى تضاف إليهما. ولعلّ قوى 14 آذار لم تخطئ في الإشارة في البيان الصادر عن لجنة المتابعة أول من أمس إلى بعد "تفقيري وتجويعي" في التحرك "المعارض". وبمعنى آخر، ثمة تلازم بين خطّين، خط "الإنفاق" على جمهور "المعارضة" في مقابل تعطيل حياة سائر اللبنانيين الآخرين لـ"تيئيسهم" وتوظيف هذا "اليأس" سياسياً. والحال ان هذا "الاستنتاج" ليس اختراعاً، إذ جرى استخدام الإفقار وتعطيل النمو في مسار تدعيم "النظام الأمني" في مرحلة الوصاية السورية.
"المعارضة" لا تملك قرارها.. وهي ضدّ الدولة
على ان أهمية ايراد السببين الآنفين تفسيراً لانقضاض قوى التحالف السوري ـ الإيراني على مؤتمر باريس ـ 3، تكمن في الآتي: الأول يظهر ان التحرك ضدّ المؤتمر العربي ـ الدولي يتم بقرار خارجي، سوري تحديداً، والثاني يسمح بإعادة اكتشاف البُعد المعادي لفكرة الدولة في مشروع هذه "المعارضة".. أي ان محاولة الانقلاب الجارية موجهة ضدّ النظام السياسي في "شكلها" وخطابها، لكنها ضدّ الدولة بامتياز، وان هذه المحاولة الانقلابية لا تزال حتى الآن تستفيد من "دويلة" خارج الدولة وعلى حسابها.
ومسألة ان قوى "التحالف المعارض" تنفّذ تحركاً لحساب النظام السوري وان هذه القوى لا تملك قرارها، ليست اكتشافاً جديداً. بيد ان جديدها إعتراف بعض هذه القوى بـ"لا استقلاليتها".
في جلسة جمعت زعيماً سياسياً كبيراً ومرجعاً دستورياً بارزاً، سأل الزعيمُ المرجعَ عن إمكان الاتفاق اللبناني ـ اللبناني حول المحكمة الدولية، فكان الجواب ان نظام الأسد في دمشق "لا يحبّ" سماع كلمة المحكمة. واستطرد الزعيم سائلاً عن "هامش الحركة" الذي يملكه المرجع وقائد حزب حليف له، فأجيب ان "الهامش" غير موجود بالمطلق مع توضيحات عملية لذلك.
أما في مسألة الدولة، بعد الحديث عن عدم امتلاك قوى "المعارضة" لقرارها، فمن الواضح ان هذه القوى تستكمل بمحاولتها الانقضاض على باريس ـ 3 برنامج تدمير الدولة.
بدأت بالمؤسسات الدستورية، وهي الآن في طور محاولة إنهاء مؤسسة المجلس النيابي مهما قال رئيس هذا المجلس نبيه بري في هذا الشأن.
وفي التحرك الذي تواصله هذه الأيام، تستهدف الوزارات ومراكز الدولة المعنية مباشرة بشؤون الناس، وتهدّد بإقفال مرافق الدولة المعنية بشؤون الناس ايضاً، مع ما يمكن أن تنزلق إليه من خطوات تشكّل اعتداء على الدولة وعلى اللبنانيين.
تراجع الطاقة الشعبيّة: اعتصام أمس نموذجاً
هكذا إذاً، وأخذاً في الاعتبار المعطيات الآنفة جميعها، تتبلور أكثر فأكثر صورة المشهد السياسي الراهن في لبنان.
فعلى ضفة أولى من هذا المشهد، تقف قوى التحالف السوري ـ الإيراني أو قوى 8 آذار أو قوى الأول من كانون الأول. وهي قوى لا تملك قرارها أولاً، وضدّ الدولة ثانياً، وخارج العمل الدستوري ثالثاً، وقوى تعطيلية لحياة الناس رابعاً، وهي بطبيعة مشروعها تلغي الآخر وتعجز عن عقد تسوية معه خامساً.
والأهم أن هذه القوى تشهد الآن تراجعاً على مستوى طاقتها الشعبية، لا بل تواجه نزفاً شعبياً حاداً.
صحيح أنه لا يجوز الاستعجال في إطلاق الأحكام. لكن الاعتصام أمس تحت يافطة "الاتحاد العمالي العام" ذو دلالات كثيرة.
كان هذا الاعتصام هزيلاً جداً من دون شك. لكن هزاله لا يعود فقط الى هزال "الاتحاد" نفسه، الذي لم يُعد يمثّل "شيئاً" يُذكر على مستوى القطاعات العمالية والنقابية، وذلك منذ فترة طويلة. فهزال الاعتصام يتعلّق هذه المرة بالقوى السياسية الداعمة له.
لا يمكن لقوى "الأول من كانون الأول" أن تقول إن تحرك "الاتحاد" مستقلّ عن تحرّكها وإنها تدعمه من وراء الستارة. ولا يمكنها أن تُنكر أن اجتماعها في "رابية الجنرال" أول من أمس قرّر الاندماج في تحرّك "الاتحاد"، ودعا المناصرين واللبنانيين الى المشاركة فيه.
فقط يستطيع بعض هذه القوى أن يفسّر عدم الاستجابة الشعبية بالوضع "الذاتي" لـ"المعارضة"، حيث من الواضح أن ثمة اختلافات على مستوى "إدارة" المعركة ضدّ الحكومة وفريق 14 آذار، وثمة اختلافات بشأن الوسائل وتوقيتها. وربما كان ما جرى أمس، في سياق "تمريك" بعض القوى على بعضها الآخر. غير أن ذلك كله، وإن كان يؤشّر الى ارتباك "إداري" أو "تنظيمي"، فإنه لا يفسّر كيف أن قوة مثل "حزب الله" لا تحشد في اعتصام أرّخت "المعارضة" به انطلاقة المرحلة الثانية والأخيرة من معركتها لبلوغ أهدافها، بالرغم مما قيل عن محاذرة الحزب "النزول" في منطقة مصنّفة مسيحيّة ديموغرافياً.
أين هي "الإصابة"؟
لذلك، لا مناص من القول إن اعتصام أمس الهزيل يعدّ فشلاً ذريعاً. وإذا كان ذلك لا يعني أن التحركات التالية لـ"المعارضة" لن تشهد حكماً "طفرة شعبية" متجدّدة خاصة انّه لا يمكن إلاّ الاعتراف بأنّ "حزب الله" يملك قدرة شعبيّة كبيرة، فإن ما ينبغي قوله، هو إن ثمة بدايةً لما يمكن تسميته "التعب الشعبي" أو "الإنهاك الشعبي" من جهة وأن ثمة بداية لشعور شعبي بأن معركة قوى التحالف السوري ـ الإيراني تصيب مصالحه في مجالات عدة.
وعلى هذا الأساس، فإن "حزب الله" الذي يشكّل رأس "المعارضة" وعمودها الفقري وذراعها الشعبية، معنيّ قبل سواه بـ"دراسة" هذه الظاهرة حتّى لو عوّض "حزب الله" عن هزال أمس بـ"حشد" اليوم. فالناس ليسوا معنيين باختلافات تكتيكية داخل "التحالف"، وهو مطالب بالنظر الى ما جرى وتقويمه. ذلك أن أي تحرّك عندما يكون قوامه الأساسي من المتفرّغين الحزبيين والجمهور "الضيّق" (مهما كان اتساعه)، يكون في طريقه الى الأفول.
ضفّة 14 آذار متقدمة بـ"النقاط"
أما على الضفة الثانية من المشهد السياسي، فتقف قوى 14 آذار. هي تملك قرارها بما في ذلك قرار السير بتسوية متوازنة مع "خصومها"، ومشروعها هو مشروع الدولة ومرجعيّتها هي اتفاق الطائف. ومصالح الناس تعنيها، ولذلك هي تسير بباريس3 بما يمثّله من فرصة حقيقية.
في المشهد السياسي إذاً، تبدو "الضفة الثانية" متقدّمة سياسياً. وهذا ما تقوله قوى "معارضة" أساساً. و"الضفة الثانية" متقدمة أي متفوّقة سياسياً، ليس فقط لأن الحكومة لم تسقط، وليس فقط لأن الشعارات التي تحملها "المعارضة" لا تتحقّق، بل لسببين جوهريّين. الأول هو أن مشروع "المعارضة" مستحيل لأنه مشروع غلبة ولأنه خارج منطق الدولة والطائف، ولأنه يشرّع الوضع اللبناني أمام رياح التدخّلات الخارجية الإقليمية وتداعياتها. والثاني هو أن مشروع 14 آذار يُحاكي قضايا رئيسية تتعلق بمستقبل لبنان ودوره، وقيام دولة الحقّ والعدالة، والإصلاح والتقدّم، ويحاول تجنيب لبنان واللبنانيين النماذج المأسوية في المنطقة.
قبل اعتصام أمس، يمكن القول إن فريق 14 آذار كان متقدّماً بـ"النقاط" على خلفية ما جرى ذكره آنفاً. وبعد اعتصام أمس، عزّز هذا الفريق تقدّمه السياسي.
لا يعني ذلك تكراراً أن التقدم هنا والتراجع هناك يؤسسان لـ"الحلّ". ولا يعنيان أن "المعارضة" ستراجع حساباتها بالضرورة، وأنها لن تهرب الى الامام، ضمن المأزق.
ماذا يتفرّع عن عنوان باريس ـ 3؟
غير ان ما يستحق الاشارة اليه، هو ان "خوف" فريق 14 آذار ليس "مِن" التصعيد بما انه تصعيد ضمن المأزق في نهاية المطاف، بل هو "على" الفرصة التي يقدمها باريس­3 للبلد ككل. ذلك ان عنواناً كباريس ـ3 يشتمل من العناوين الرئيسية ما كان يقتضي من الجميع حواراً يتعلق بواقع لبنان ومستقبله، اي انه لو حُدد للحوار موضوعٌ وحيد هو باريس­3، لكان هذا الحوار "الافتراضي" امام بنود رئيسية كبرى. فهل يمكن فصل باريس­3 عن الرؤية بشأن موقع لبنان ودوره؟ وهل يمكن فصله عن البحث في كيفية تحصين لبنان من الكوارث الاقليمية؟ وهل يمكن فصله عن أمور الدولة وإصلاحها؟ وهل يمكن عزلُه عن مقومات الاستقرار والاستقلال والسيادة والحرية؟.
لكن هكذا حوار "طبيعي" لا يزال أفقه بعيداً.. ولا يزال الصراع من أجل مشروع الدولة طويلاً جداً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00