8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

تكرار "وصفة" رستم غزالي في أيّار 2004

اذا كانَ من المسلّم به انّ قوى التحالف السوريّ ­ الايرانيّ بإعلانها الانتقال الى ما تسمّيه "الخطة ب" من التحرّك الانقلابي انّما تُعلن استمرارها في تعطيل مساعي إخراج البلد من الأزمة وتواصل اطلاق النار على كلّ المبادرات الهادفة الى حلول لهذه الأزمة، فإنّ "التصعيد" الذي قرّرته أمس يمثّل خطوةً اضافيّة ضمن المأزق الذي تقيم فيه بعدَ أكثر من شهر على نزولها الى الشارع.
أزمة العلاقة بـ"الشارع" وتراجع "الطاقة" الشعبية
لا شكّ أولاً انّ ما أعلنته هذه القوى تحت عنوان تبنّي "الاتحاد العمالي العام" وتحركه ومطالبه، انّما يعني الانتقال من حالة يتقدّم فيها "الجسم السياسي" الى حالة يتقدّم فيها "الجسم النقابي". ومع انّ "الجسم النقابي" هنا وفي هذه الحالة، ليس سوى أداة في "مشروع سياسي"، فإن "الاضطرار" إلى هذا التعديل في الأداء يعني انّ "الجسم السياسي" يعاني من مشكلات ويعني انّ ثمّة خطوةً كبيرة الى الوراء. ذلك انّ التحركّات تتدرّج تصاعداً في العادة من "النقابيّ" إلى "السياسيّ" وليس العكس.
ثمّ لا شكّ ثانياً انّ "توزيع" التحرّك اعتباراً من غدٍ الى تظاهرات واعتصامات "موضعيّة" أمام الوزارات والمرافق العامّة، يعني انّ ثمّة "استنزافاً" تواجهه القوى "السياسيّة" للتحالف السوريّ ­ الايرانيّ على مستوى القدرة على الحشد الشعبيّ "المركزيّ" بعدَ أن استنفرت الحدّ الأقصى شعبياً في مطلع كانون الأوّل الماضي.
ولا شكّ ثالثاً انّ اعتماد هذه القوى التحركّات "الموضعيّة" وعلى "موجة طويلة" يعبّر عن مشكلة كبيرة. ذلك انّ الاضطرار الى اعتماد مزيد من وسائل تعطيل الحياة العامّة في البلاد، يعني المزيد من تعطيل حياة الناس بمن في ذلك جمهور هذه القوى، ويعني السير في مخطّط "تفقيري" وتجويعيّ يصيب اللبنانيين جميعاً أياً تكن انتماءاتُهم.
لا شكّ اذاً انّ ما أعلنته قوى التحالف السوريّ ­ الايرانيّ من دارة الجنرال في الرابية أمس، يعبّر عن الأزمة التي وصلت اليها خلال شهر في علاقتها بالشارع، ويعبّر في الوقت نفسه عن المأزق الذي تذهب إلى المراوحة ضمنه في المقبل من الأيّام. وبكلام آخر، يمكن القول انّ "الشارع" تحوّل "عبئاً" كبيراً عليها، وانّ التفتيش عن وسائل للاستمرار يتحوّل عبئاً مضاعفاً.
"أسرار" سليمان فرنجيّة والاستعجال السوريّ
بيدَ انّ هذا التقدير لا يلخّص المأزق الذي تراوح هذه القوى ضمنه.
فمن الواضح أن ثمّة "اختلافاً" سياسياً داخل التحالف. وإذا كانَ مِن غير المستحيل تلمّس هذا "الاختلاف" في جوانب عديدة، فإنّ ما قاله النائب السابق سليمان فرنجيّة في مقابلته التلفزيونية مساء أوّل من أمس الأحد، يكشف أبعاداً مهمّة.
اعترف سليمان فرنجية في المقابلة بأن "حركة المعارضة" فشلت حتى الآن، لكنّه دعا الى تقويمها "في النهاية" وليس منذ الآن. واعترف بأنّ دوره في اطار "حركة المعارضة" هو دور "إحراجيّ" لحلفائه. وعندما طُلب منه توضيح ما يقصده، قال انّه عندما يجد انّ بعض الحلفاء متردّد يكون دوره الإحراج لإخراج الحليف المتردّد من تردّده. وقال انّ ذلك حصل قبلَ الآن، وانّ "حزب الله" تردّد في فترة معيّنة. واعترف بأنّ قطع الطرق بما في ذلك طريقا المطار والمرفأ، سيحصل في مرحلة من المراحل، وبأنّ ثمّة توافقاً على أن لا خطّ أحمر حول أيّ خيار.
وبما انّ سليمان فرنجية "لا ينطق عن هوى"، وهو يحمل دائماً كلمة السرّ التي "يوشوشه" بها رئيس النظام السوريّ، فمن الطبيعي استنتاج انّ النظام في سوريا على عجلةٍ من أمره ويستعجل التصعيد في لبنان من جهة وانّ هذا النظام وأتباعه في لبنان لن يتورّعوا عن الذهاب في التصعيد الى "النهاية" ولو كانت هذه "النهاية" دماً أو عنفاً.. من جهة ثانية.
لا يمكنُ قراءة "حركة المعارضة" بنيوياً على انها متشكّلة من جناحين، واحد سوريّ وثانٍ ايراني. ولا يمكن وليس صحيحاً أصلاً الحديث عن خلاف سوريّ ­ ايرانيّ إقليمياً ينعكسُ داخل التحالف الموالي لدمشق وطهران في لبنان. غير انّه يمكن القول انّ ثمة اختلافاً، اذ يبدو النظام السوريّ مستعجلاً فيما تبدو ايران أكثر تمهلاً. والنظام السوريّ مستعجل لأن لا آفاق مفتوحة لتسوية عربية ­ دولية معه، بل لأنه في تورطه التخريبي في لبنان وفي مواقع أخرى في المنطقة لا يرى تسوية يمكن أن تنقذه أصلاً. أمّا النظام الايراني فيعتمد قدراً من "المرحلية" ويمارس أحياناً قدراً من "الانتظاريّة"، وهو في الإجمال يعتمد نسبةً من "المواكبة غير المحروقة".
التصعيد المفتوح على العنف
على انّ الحديث عن "اختلاف" داخل "حركة المعارضة" مبنيّ على القراءة الاقليمية، يهدف إلى القول انّ التصعيد المعلن أمس اذا بقيَ ضمن "الحدود" المعلنة، فإنه يمثّل مراوحةً أو هو أشبه بـ"التصعيد إلى تحت" كما قال سياسيّ مخضرم، لكنّه تحت ضغط الإلحاح والعجَلة السوريين "مفتوحٌ" على "العنف"، وإن كانَ "العنُف" يعبّر عن مأزق هو أيضاً. وواقع الأمر انّ الكلام عن مأزق تواجهه قوى التحالف السوريّ ­ الايرانيّ، ليس ناجماً عن ملاحظة المراوحة أو التراجع في "الوسائل"، بل هو مبنيّ على ملاحظة انّ "المشروع السياسي" لهذه القوى "مستحيل" سياسياً، لأن "معارضة" هذه القوى هي من طبيعة "إلغائيّة"، أي انّها تلغي الاخر ولا يمكنها عقد تسوية متوازنة معه.
اذاً، ثمّة وجهان للتصعيد الصادر من اجتماع الرابية. الأوّل هو انّه "تصعيد إلى الوراء" بالصلة مع أزمة علاقة قوى التحالف الاقليميّ بالشارع، والثاني هو انّه تصعيد مفتوحٌ على العنف. والوجهان في اطار المأزق.
تجربة "الاتحاد" وسيناريو غزالي في تقرير ميليس
مّن هنا، فإنّ السؤال المطروح في "هذه الساعات" هو الآتي: هل ثمّة مسافة زمنية عمليّة بين التصعيد في صيغة "تحركات موضعيّة" وبين التصعيد الذي نادى به سليمان فرنجيّة باسم نظام الأسد أي المفتوح فوراً على العنف؟.
بدايةٌ الجواب بـ"الاتحاد العمّالي العام" الذي جرى تحريكه.
ليس سراً انّ "الاتحاد" يمثّل مؤسسة استولى عليها النظام الأمني السوريّ ­ اللبنانيّ المشترك في زمن الوصاية السوريّة المباشرة على لبنان، وهو اذاً "موروث سوريّ"، بعدَ أن أمعن النظام المخابراتيّ تفكيكاً وتركيباً في الحركة النقابية. وقد بات "الاتحاد" أداة سوريّة لمواجهة الرئيس الشهيد رفيق الحريري "على الطلب"، ولا علاقة له بحمل مطالب اجتماعيّة وشعبيّة محقّة، وهو "لا يمون" على قطاعات نقابية واسعة. وهو أكثر من ذلك، تحوّل أشبه بـ"أداة أمنية" سوريّة.
في أيار 2004، وعلى أبواب القرار السوريّ بالتمديد لإميل لحّود، تحرّك النظام المخابراتيّ آنذاك لإسقاط الرئيس الحريري في الشارع، وأوعزَ رستم غزالي الى "الاتحاد" بالتحرّك وأجرى اتصالات سياسية ضاغطة مع عدد من القوى والفاعليات لحضّها على التحرّك تحت يافطة "الاتحاد العمالي". وفي الوقت نفسه، وكي يضمن النتائج، أي كي يضمن وصول "الرسالة" الى الرئيس الحريري وكي تصل تلك "الرسالة" في ظل أقصى تصعيد، نظّم غزالي بموازاة تحرّك "الاتحاد" في بيروت ونحو قريطم مجزرةً في حيّ السلّم في الضاحية الجنوبية لبيروت. طلبَ غزالي تحرّك أصحاب "الفانات" من جهة وطلب دخول قوى أمنيّة لقمعهم في هذه المنطقة من جهة ثانية. والخطّة "الغزالية" كانت تقضي بتوفير غطاء من "الاتحاد العماليّ" لتحرّك أصحاب "الفانات"، وفي الوقت نفسه حصول صدام بين الجيش و"حزب الله" وسقوط ضحايا، لجعل الرئيس الشهيد يستقيل أو يستوعب "الرسالة" السياسية في أجواء متوترة.
هذه الوقائع الآنفة، شكّلت جزءاً من أحد تقارير الرئيس السابق للجنة التحقيق الدوليةّ القاضي الألماني ديتليف ميليس. وقد أتى هذا الجزء في سياق تقديم لجنة التحقيق لـ"المناخ" السياسيّ الذي شكّل مقدّمات جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
و"العبرة" من استعادة هذه الفترة، هي انّ "الاتحاد" بما آل إليه وضعُه قابلٌ لأن يجري "تلعيبه" من جانب النظام السوريّ أدواراً تصعيديّة تغطّي أعمال عنف وشغب وفوضى.
"الاتحاد" يلعب دور الغطاء للعنف واستحضاره مكشوف
التاريخ يعيد نفسه اذاً. "اللاعبون" في الشارع اليوم هم أنفسهم لاعبو أيّار 2004، والهدف هو نفسه، أي اسقاط الحكومة في الشارع بـ"ظاهر" اجتماعي ­ نقابيّ.
وعليه، بالاستناد إلى التجربة "التاريخية"، ليسَ مسموحاً عدم توقّع إمكان الانتقال في غضون أيّام من "التصعيد إلى الوراء" إلى التصعيد العنفيّ، تماماً لأن الافلاس السياسيّ من ناحية والاستهتار بمصالح الناس من ناحية ثانية، يجعلان الخيط رفيعاً بينَ "التصعيد" و"الجنون". فكلّما تيقّن التحالف السوريّ ـ الايراني من انّه مطوّق بالمأزق، سار خطوات اضافية فيه. والحال أن "تنزيل" الاتحاد إلى الشارع هو الغطاء "المحتمل" لتطوير "التحرّك" باتجاه قطع الطرق. وذلك، وسطَ تسريبات بأنّ منع سفر رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة الى مؤتمر باريس ­ 3 يشكّل هدفاً قائماً بذاته.
وعلى كلّ حال، حتى يوم أوّل من أمس، كانَ تحالف القوى الانقلابية يصفُ تحرّك "الاتحاد" بأنّه "مستقلّ"، ويقول انّ الأحزاب "تدعم" هذا التحرّك. لكنّه أمس في الرابية، سارع إلى "لبس" ثوب "الاتحاد" مباشرةً، ومن دون إلتفات الى "الشكليّات". وهذا كلّه ذو معانٍ ودلالات.
القوى الأمنيّة والسلم العام
لذلك، مِن الواضح انّ القوى الأمنيّة أصبحت اعتباراً من اليوم أمام تحدٍّ أكبر من ذلك الذي واجهته منذ بداية "حركة الأوّل من كانون الأول" الانقلابية.
صحيح انها تصدّت بنجاح لمحاولة اقتحام السرايا وأفشلتها. وصحيح أيضاً أنها نجحت في وضع اليد على شبكات "حزبية" مسلّحة تستهدف الأمن والاستقرار. بيدَ ان الأصح هو أن المرحلة التي تبدأ اليوم، ولأنها تعبّر عن التقدّم في المأزق، تتطلب "مراقبة"، تماماً كما كانت مرحلة أيار 2004 أساسية. و"المراقبة" هنا تعني حماية الأملاك العامة ومنع الاعتداءات على مصالح المواطنين.
ان إعادة استحضار "الاتحاد العمالي العام" حتى ليس كـ"ورقة تين"، وذلك بعد أن "نام" حوالي سنتين، هي مؤشر "شؤم" بكل معنى الكلمة. لكنّ غداً لناظره قريب، وسيظهر جلياً ان هذه "المعارضة" التي تصيب حتى مصالح ناسها في الصميم، لن تستطيع استقطاب اللبنانيين حول الجوع بعد أن حاولت استقطابهم حول مصالح "الخارج".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00