8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لا حياد مسيحياً في الصراع الدائر اليوم

في خضمّ الصراع الدائر في البلاد، ثمة من يرى أن المسيحيين يتوزّعون على ثلاث "كتل" رئيسية. الأولى يمثّلها فريق مسيحيي 14 آذار أحزاباً وتيّارات وشخصيات، والثانية يمثّلها الجنرال ميشال عون و"مسيحيّو سوريا"، والثالثة ـ وهي الأوسع ـ تمثّل حالة "الرأي العام" في البيئة المسيحيّة.
حديث الكتل الثلاث
ومَنْ يقرأ "الخارطة المسيحيّة" على هذا النحو، يعتبر أن الكتلة الأولى أي كتلة مسيحيّي 14 آذار تتولى إلحاق المسيحيّين بالسنّة، على أساس أن حركة 14 آذار بقيادة سنّية هي قيادة "تيّار المستقبل" وزعيمه سعد الحريري، من وجهة نظره. ويعتبر في المقابل أن الكتلة الثانية أي كتلة عون وحلفائه تتولى إلحاق المسيحيّين بالشيعة بقيادة "حزب الله". ويعتبر أخيراً أن الكتلة الثالثة، أي "الرأي العام"، تمثّل الأكثرية المسيحيّة "المحايدة".
تحتاج هذه القراءة، التي يجري تسويقها في الفترة الحالية، الى نقاش وسجال من دون أدنى شك.
الصحيح في هذه القراءة، هو أن ثمّة كتلة مسيحيّة ملتحقة بحزب الله. والتحاقها بحزب الله تمّ بقرار سياسي "ذاتي" من جانبها. وقد وُضع هذا القرار "الذاتي" الذي عبّرت عنه "ورقة التفاهم" بين "التيار الوطني الحرّ" و"حزب الله"، تحت عنوان "التحالف" أو "التعاون"، فيما كانت التمهيدات لهذا القرار منذ عودة الجنرال من المنفى في أيار 2005 وحتى توقيع "الورقة" في شباط 2006 تشير الى أن الجنرال يسعى الى اكتساب شعبيّة مسيحيّة بواسطة التعبئة ضدّ تحالف 14 آذار الذي قال إن "تراتبيّته" تؤكد استتباع مسلمي 14 آذار لمسيحييه. وبكلام آخر، انّ التحاق "الكتلة" المسيحيّة العونيّة بحزب الله، هو التحاق سياسي "ذاتي" بـ"مشروع سياسي" ذي أبعاد داخليّة من ناحية وارتباطات إقليميّة من ناحية أخرى، وقد جرى تقديمه مسيحياً، أي في الإطار المسيحي الداخلي، على أنه مشروع لـ"تصحيح" موقع المسيحيّين في الدولة والنظام، رداً على مَنْ رأى في تحالف عون ـ "حزب الله" التحاقاً مسيحياً بالشيعة، وانقلاباً عونياً على شعارات الاستقلال والسيادة والحرية.
التحوّل اللبناني "البنيوي" ودور السنّة
بيدَ أن الواقع ضمن 14 آذار، مختلف تماماً. بأي معنى؟
في الأصل، تأسّست حركة 14 آذار على تحوّل "بنيوي" عميق في الواقع اللبناني. فقد أتى تقدّم الرئيس الشهيد رفيق الحريري الصفوف اللبنانية في المواجهة مع الوصاية السورية التي صنّفته رأس حربة بدونها لا تقوم قائمة للتحرّر من الوصاية، ثم أتى استشهاد الرئيس الحريري بجريمة اغتيال إرهابيّة، ليشكّلا معاً عنواناً لدخول السنّة بقوة إلى معادلة المعركة الاستقلالية اللبنانية، وعنواناً لصياغة سنيّة جديدة للعلاقة بين "عروبة" السنّة و"لبنانيّتهم" لصالح "لبنان أولاً".
وبهذا المعنى، فإذا كانت أي قراءة موضوعية لحركة 14 آذار، تعتبرها التقاء لروافد ثلاثة، الرافد السنّي والرافد الدرزي والرافد المسيحي، فإن "الموضوعية" تقتضي القول إن الرافد السنّي "جاء" الى لبنان، أي أنه أتى الى "لبنان أولاً"، وإن الرافد الدرزي "عاد" الى لبنان أي أنه بعد مرحلة طويلة مِن "التغريد" في "فضاء العروبة" عاد إلى موقعه كشريك أصلي في تأسيس الكيان، وأن الرافد المسيحي استمرّ مكانه بوصفه المكوّن الاستقلالي "الأصلي".
في حركة 14 آذار إذاً، ليس ثمة التحاقٌ مسيحيّ بالسنّة والمسلمين. هناك معطيات لبنانيّة أدّت ـ بـ"جديدها" السنّي ـ الى تشكّل الحركة الاستقلالية على أساس "متساوٍ"، أي أن فيها "تراتبية متساوية" إذا جاز التعبير. هذا في حين أن التحالف بين عون و"حزب الله" انعقد في "لحظة" إعلان فريق التمثيل الشيعي "خروج" الشيعة من تراث شيعي غنيّ بمقولات "نهائية الكيان" وسائر "متفرّعاتها".
إذاً، يمكن السجال بقوة "مع" القراءة التي تتحدّث عن التحاقَين شيعي وسنّي للوضع المسيحي، وذلك بهدف التأكيد على أن تشكّل 14 آذار قائمٌ على التقاء مجموعة من الروافد.
وقائع من لا حياديّة بكركي سياسياً
لكن يبقى قسم آخر من هذه القراءة، الذي يقول إن "الكتلة المسيحيّة" الأكبر هي التي تمثّل "الرأي العام" أي الأكثريّة "المحايدة". فهل هذا صحيح؟
يستند أصحاب القراءة هذه في تقديرهم أن ثمة أكثرية مسيحية محايدة الى المواقف الأخيرة التي أطلقت من بكركي سواء على لسان البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير أو في البيانَين الأخيرين لمجلس المطارنة الموارنة. كما يستدلّ هؤلاء على فكرتهم من خلال ملاحظة أن أي مهرجان لدعم الحكومة الشرعية برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة لم تتم إقامته في "منطقة مسيحية"، وتحديداً في "الجبل المسيحي" وفي المتن وكسروان.
"يأخذ" أصحاب هذه القراءة من مواقف البطريرك أنه وضع سائر السلطات الدستورية في البلاد على قدم المساواة من حيث لا شرعيتها، وذلك من خلال قوله ان هناك من يشكك في الحكومة وهناك من يشكك في رئاسة الجمهورية وهناك مَنْ يشكك في المجلس النيابي، كما يقولون، قبل أن يضيفوا ان البطريرك يطرح إعادة تشكيل السلطات الثلاث ينفس القدر من الأولوية وبالتوازي.
من "المفيد" و"الضروري" القول هنا إن هذه القراءة انما "تأخذ "من المواقف "سطحها" فقط. ذلك ان البطريرك، في الممارسة العملية، أرسل مثلاً وفداً يمثّله الى الرئيس إميل لحود ليطلب منه التنحي، فيما لم يرسل وفداً ولم يوجه رسالة الى الرئيس فؤاد السنيورة بالمعنى نفسه. كذلك وعلى سبيل المثال أيضاً، طالب بدور ملموس للمجلس النيابي في معالجة الأزمة اللبنانية. والملمحان البارزان لعدم حياديّته، تمثّلا في موقفه القاطع حيال قيام المحكمة الدولية وتحديده الواضح والصريح لـ"مصدر" تعطيل قيام هذه المحكمة بما هو "جهات غير لبنانية" و"الفريق المعارض"، وفي موقفه المعترض بقوة على الاعتصام في الشارع والبقاء فيه.
على هذه الخلفية، يمكن القول إن المواقف السياسية المعلنة من جانب البطريرك أو من قبل مجلس المطارنة، لا تؤسس لـ"حيادية" مسيحية في الصراع الدائر في لبنان هذه الأيام. غير أن ما هو أهم لدى مقاربة ما تطرحه بكركي، يتعلق بالموقف الفكري ـ الثقافي للكنيسة المارونية، مجسداً في الخلاصات التي توصل اليها المجمع الماروني في الربيع الماضي.
المجمع الماروني والتصويب الفكري
يقارب المجمع الماروني في مقرراته دور المسيحيين في الاستقلال اللبناني الثاني على أنه دور تأسيسي أصلي كان للنداء الأول في أيلول من العام 2000 المساهمة الأساسية فيه من ناحية، وعلى أنه دور في إطار شراكة مسيحية ـ إسلامية متكافئة من ناحية ثانية، أي أنه يأخذ بالتحولات اللبنانية البنيوية المشار اليها آنفاً. ويقارب المجمع الماروني موقع المسيحيين في لبنان الكيان ولبنان الدولة من خلال إشارة فكرية ثقافية بالغة الأهمية تفيد أن "الموارنة للبنان وليس لبنان للموارنة"، وهي إشارة "تقطع" بشكل واضح مع تراث كان الموارنة يغرفون منه للقول ان "لبنان للموارنة". وأعلن المجمع الماروني أن ليس ثمة "مسألة مارونية خاصّة" بل هناك "مسألة لبنانية عامة". وإذ دعا الى قيام الدولة المدنية، أكد المجمع الماروني أن اتفاق الطائف هو مرجعية الشراكة الوطنية من جهة ومرجعية بناء الدولة من جهة ثانية.
في ضوء ما تقدم، ليس في المواقف السياسية ـ الوطنية لبكركي، ولا في الموقف الفكري ـ الثقافي مجسداً في وثيقة المجمع الماروني، أي تأسيس لـ"حيادية" مسيحية حيال ما يشهده لبنان هذه الأيام من صراع يتعلق باستقلاله وسيادته وتنوعه وهويته. لا بل، يمكن القول إن مسيحيي 14 آذار يستقون ثقافتهم من الكنيسة.
إحتمالات لغياب الرأي العام المسيحي
ومع ذلك، فإن استحالة إسناد أي حيادية مسيحية الى مواقف الكنيسة، لا تمنع "ملاحظة" أن "الرأي العام" المسيحي ليس حاضراً بقوة في معركة حركة 14 آذار. فما تراها تكون الأسباب؟
غني عن القول بداية ان "السياسة العونية" لم تعد تلقى أصداء إيجابية في "الرأي العام" المسيحي بعد اتضاح "نتائجها"، وأن الجنرال متراجع على مستوى هذا "الرأي العام".
بيد أن الحصيلة السلبية لعون لا تعني آلياً ان "كتلة الرأي العام" انحازت بـ"كاملها" الى حركة 14 آذار. بالتأكيد، أن هذه "الكتلة" منحازة الى عناوين الاستقلال والسيادة والحرية والديموقراطية، ورافضة لـ"لبنان الساحة" ولـ"التمحور"، وداعمة لبناء الدولة. وإذا كان قسم مهم منها يملأ ساحات 14 آذار فوق أي اعتبار حزبي، فان قسماً مهماً أيضاً في المقابل، لم "يتجرّع" حتى الآن الانعطافة الفكرية ـ الثقافية التي مثلها المجمع الماروني، ولا يزال يراوده "حنين" الى مفهوم سابق للبنان.
البُعد السُنّي ـ الشيعي
ذلك "إحتمال" قائم. غير أن ثمة احتمالاً آخر يتعلق بـ"ظاهر" الصراع في لبنان اليوم. فلأسباب "موضوعية"، وعلى الرغم من إصرار جميع الأطراف على القول إن الصراع "سياسي"، فإنه يتخذ طابعاً سنياً ـ شيعياً أو بعداً سنياً ـ شيعياً. ولهذا الأمر علاقة بوزن كل من الكتلتين، السنّية في ضفّة 14 آذار من جهة والشيعيّة في ضفّة التحالف المعادي لـ14 آذار من جهة أخرى وله علاقة بكون السنّة يمثلون الوافد الجديد الى لبنان أولاً، وبكون الشيعة الخارج المستجد من لبنان الكيان النهائي.
ولعلّ في العقل الماروني "الباطن"، أي في عقل "العامة" من الموارنة، أن أي تسوية سنّية ـ شيعية "تكفي" لإنهاء الأزمة بما أن الصراع الراهن مقروء على أنه صراع سنّي ـ شيعي، وأن أي تسوية من هذا القبيل سوف "تأخذ" من درب المسيحيين.
غير أن هذا "الباطن" ينبغي أن يتراجع بالتزامن مع الانعطافة الفكرية ـ الثقافية للكنيسة، وبالعلاقة مع حقيقة أن الطائف ليس تسوية ثنائية أو ثلاثية طائفية، ومع حقيقة أن لبنان لا يبنى على ثنائيات أو ثلاثيّات بل على شراكة، وبالعلاقة مع واقع أن النظامَين العربي والدولي يدعمان الصيغة اللبنانية المجسّدة في الطائف.
الواقع "التنظيمي" و"الدينامية"
وإلى جانب الاحتمالَين السابقَين تفسيراً لغياب الحضور القويّ لـ"الرأي العام" المسيحي، ثمة احتمال ثالث لا بد من تفحّصه، ويقع على عاتق فاعليات 14 آذار إطلاق عملية التفحّص هذه. إنه "الاحتمال" المتعلّق بالواقع "التنظيمي" الحالي على الجانب المسيحي من 14 آذار، والمتعلق بمدى إمكان وجود "مكان" لما يمكن تسميتها "القوة الثالثة المسيحيّة" على الخارطة، والتي كانت "قرنة شهوان" تمثّلها الى هذا الحد أو ذاك في مرحلة سابقة، وهي "القرنة" التي لم تشكّل عودتها الأخيرة إعلاناً "كافياً" عن استئناف الحضور الفاعل والفعّال. كما أنه "احتمال" يتعلّق بـ"دينامية" العمل السياسي مسيحياً و"انتظامها" أو "تقطّعها".
خلاصة القول انّ الحديث عن حيادية مسيحية، في غير محلّه، فيما البحث ضروريّ جداً في كيفية تفعيل اشتراك "الرأي العام" المسيحي بقوّة أكبر في معركة 14 آذار.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00