من نافل القول أن ثمة اهتماماً عربياً ـ غربياً ـ دولياً بالوضع في لبنان، لوحظ بلوغه مدى واسعاً خلال الشهور الأخيرة. واذا كان هذا الاهتمام يتخذ في وجه رئيسي من وجوهه صيغة دعم قوي لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة، فإن وراءه فكرةً أو "فلسفة" من المفيد تسليط الضوء عليها بما يساعد على فهم طبيعة "المبادرات" التي يشهدها لبنان.
أردوغان: زيارته تعلن أن تركيا "معنيّة"
وكي تكون الأمور واضحةً منذ البداية، ينبغي القول إن الاهتمام المشار إليه يشمل تركيا التي زار رئيس وزرائها رجب طيب أردوغان بيروت قبل أيام قليلة، ولا بد من تعيين الأبعاد الرئيسية لهذه الزيارة ودلالاتها.
فبصرف النظر عن مآل الجانب المتعلق بـ"الوساطة" التي يمكن أن يقوم أردوغان بها في اللحظة الإقليمية ـ الدولية الراهنة، فإن زيارته الى لبنان تشكّل إعلاناً واضحاً عن أن تركيا ليست فقط "مهتمّة" بلبنان بل إنها "معنيّة" به أيضاً.
صارت تركيا معنيّة في المباشر بلبنان وبما يجري فيه، وهي دولةٌ إقليميةٌ رئيسية في المنطقة، لأسباب عدّة. ففي لبنان تدخّل جارٍ على قدم وساق من قبل قوى إقليمية جارة لتركيا، أبرزها إيران. ثم عندما يقول أردوغان علناً إن ما يجري في لبنان إذ ينطوي على خطر فتنة مذهبية، إنما ينعكس على المنطقة كلها، فهو يعني تماماً ما يقول من زاويتَين على الأقل: فمن زاوية أولى يشكّل التمدّد الإيراني في منطقة الشرق الأوسط خطراً على مصالح تركيا وموقعها ودورها، بين علاقتها بأوروبا من ناحية وعلاقتها بالشرق العربي والإسلامي من ناحية ثانية، ومن الزاوية الثانية فإن "المشروع الإقليمي الإيراني" يتضمّن مخاطر "فرز" على مستوى المنطقة وكياناتها، بما يشرّع المنطقة للفوضى. وإلى ذلك يضاف أن تركيا لا يمكن أن تكون "محايدة" حيال "لعبة" تجري في حديقتَيها الأمامية والخلفية على السواء. ولهذه الأسباب مجتمعةً وغيرها، فإن في استقرار لبنان مصلحةً تركية لم يتردّد المسؤول التركي في تأكيدها.
"النظام العربي" و"الشارع العربي"
هذا من الجانب التركي. أما من الجانب العربي، فيبدو أن الأمور تسلك المسار التركي نفسه مع اعتبارات عربية "إضافية".
لا شك في أن "المشروع الإقليمي الإيراني" يثير قلقاً عربياً كبيراً. ويتبدّى هذا القلق بشكل رئيسي على مستوى "النظام العربي الرسمي"، ولا يزال بدرجة أقل على مستوى "الشارع العربي" الذي يتشكّل "وعيه" مِن معطيات عدّة: فبين "الديموقراطية" التي لا يجدُها في العديد من "الأمكنة" العربية وبطء "الجرعات" الديموقراطية في "أمكنة" أخرى، وبين تحميله أنظمة المنطقة مسؤولية التهميش الذي أصاب العرب في ظلّ "المدّ الأميركي" منذ تسعينات القرن الماضي، وبينَ بقاء القضية الفلسطينية بدون حلّ، وبين ما يجري في العراق من تمزيق لوحدة هذا البلد العربي.. "يستقبل" الشارع العربي "الشعارات" الإيرانية، و"يؤخذ" بمقاومة "حزب الله" وما يصاحبها من بطولات فعليّة. وعليه فإن "التفاوت" بين وعي "النظام العربي" من جهة، ووعي "الشارع العربي" من جهة ثانية، ذو أسباب موضوعيّة، لكنّه تفاوتٌ قابل للردم كلّما اتضح انّ الصراع يتعلّق بهويّة المنطقة وكلّما استقامت أمور الإصلاح المتدرّج في دول المنطقة.
"النظام العربي" و"الصحوة" والتدرّج
ومع التحوّلات التي شهدها لبنان منذ جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، "تدرّج" موقف "النظام العربي" حيالَ هذه التحوّلات. وإذا كان مما لا شكّ فيه أن "النظام العربي" تضامنَ مع لبنان ضدّ هذه الجريمة وسائر الجرائم الإرهابية، فإنه بدا خلال عام تقريباً "حذراً" إزاء المتغيّرات اللبنانية.
بعضُ "النظام العربي" قاربَ حركة 14 آذار 2005 ونتائجها سواء لجهة خروج سوريا من لبنان أو لجهة استعادة مسار "الديموقراطية اللبنانية" على أنها نموذجٌ يمكن أن "يجتاح" المنطقة لتبدو الديموقراطية "زاحفة" باتجاه دول عدّة.
غير أن "النظام العربي" بمحصّلته الرئيسية، بدا شديد التخوّف من أن تكون لحركة 14 آذار مفاعيل "تُستخدم" ضد النظام السوري داخل سوريا أو يمكن أن تكون حافزاً للولايات المتحدة على حمل لواء إسقاط هذا النظام الذي يتدخّل في مواقع أخرى غير لبنان أيضاً. وكان موقف "النظام العربي" ضد ما يؤدي الى إسقاط نظام الأسد ومع محاولة إنقاذه على أساس مصالحته مع قرارات الشرعية الدولية. والحُجّة الرئيسية التي راجت في تلك الفترة، كانت أن "النظام العربي" يرفض عراقاً ثانياً في سوريا، ما يعمّم الفوضى ويطلق حالةً من الاضطراب الإقليمي.
على أن التطوّرات التي حصلت بعد ذلك، ولا سيما في الربع الثاني من العام الماضي، ثمّ تحديداً حرب تموز على أرض لبنان، وبعدَها استدارةُ "حزب الله" نحو الداخل بدعم سوري ـ إيراني، جعلت "النظام العربي" يبدو أمام "صحوة" بالمعنى الحرفيّ للكلمة.
تبيّن له أن "المشروع الإيراني" يواصل تمدّده باتجاه مفاصل في المنطقة وباتجاه فلسطين.
وتبيّن له أن النظام السوري يُحكم التحاقه بالمشروع الإيراني بحيث يستحيل فكّه عنه.
وتبيّن له أن التحالف السوري ـ الإيراني الإقليمي يغذّي بأشكال ووسائل مختلفة حالات أصولية خطيرة في المنطقة. وتبيّن له أن ما حاول إنقاذ سوريا منه، أي "النموذج" العراقي، يقوم هذا التحالف بـ"تصديره" إلى لبنان. ومع كل هذه التطوّرات في "وعي" حقيقة ما يجري، لمس "النظام العربي" أن حركة 14 آذار ليست "حالة ثورية" ضدّه تطرُق أبواب تغيير الأنظمة، بل هي حركة استقلال وحركة استعادة النظام السياسي إلى سياق ديموقراطي طبيعي لبنانياً، وهي حركة اعتدال وتعاون على المستوى العربي. ولمس "النظام العربي" أن حركة 14 آذار هي في نهاية المطاف حركة ردّ اعتبار إلى اتفاق الطائف الذي رعاه "النظام العربي" أي ردّ اعتبار إلى "الصيغة اللبنانية" بما هي صيغة العيش المشترك، وكل ذلك بما لا يجعل من لبنان بؤرة اضطراب مقلقة للعرب.
مقولة أوروبية جديدة: الحل في لبنان
مدخل إلى الحل في المنطقة
تزامنت هذه "الصحوة" على مستوى "النظام العربي" مع تنامي قناعة غربية بأن ما يجري في لبنان على يد التحالف السوري ـ الإيراني يسيرُ باتجاه تعميم الفوضى الإقليمية، في وقت تراجع أوروبا والولايات المتحدة نتائج غزو العراق على العراق نفسه وعلى الوضع الإقليمي ككل.
وفي هذا المجال، برزت في الآونة الأخيرة وعلى ألسنة العديد من القادة الأوروبيين، مقولة "جديدة" ينبغي الانتباه جيداً إليها.
تفيد هذه المقولة "الجديدة" التي ظهّرها رئيس الوزراء الايطالي رومانو برودي اثناء زيارته بيروت قبل مدة، أن "الحل في لبنان هو مفتاح الحل في منطقة الشرق الأوسط".
طبعاً لم يقُل برودي ولا أي من قادة أوروبا إن أزمة لبنان هي أصل أزمة المنطقة. ولم يتنكّر أي منهم لحقيقة أن القضية الفلسطينية هي أساس الأزمة الإقليمية. لكنهم في مقولتهم الجديدة انما يعلنون بشكل واضح أن المطلوب "لبننة" الحل في العراق مثلاً وليس "عرقنة" لبنان، أي انهم يقتربون أكثر من اعتبار أن "الصيغة اللبنانية" تصحّ لأن تكون نموذجاً يعتمد في حلّ المشكلة العراقية إذا كان لا بدّ من وقف الحروب المتداخلة في العراق وإذا كان لا بدّ من انسحاب "التحالف الدولي" من بلاد الرافدين.
الاهتمام بـ"الصيغة اللبنانية"
إذاً، بالعودة إلى نقطة الانطلاق في هذا النصّ، فإن الاهتمام العربيّ ـ الغربيّ ـ الدولي بلبنان، يرتكز على اهتمام بـ"الصيغة اللبنانية" بما هي صيغة صالحة في لبنان وارتضاها اللبنانيون لتنظيم علاقاتهم، وبما هي صيغة صالحة لتطوير حلول لأكثر من أزمة في المنطقة. وعليه، فإن "صحوة" النظام العربي على هذه الصيغة انما هي دفاع عن لبنان وعن استقرار المنطقة، والاهتمام الدولي بلبنان هو في الوقت نفسه اهتمام بالاستقرار الإقليمي.
وهكذا فإن "الصورة" واضحة: النظامان العربي والدولي وبينهما تركيا يقفون بجانب لبنان الصيغة ونظامه السياسي الديموقراطي.
الاهتمام ليس بمشروع سلطوي
من الصعب أن يفهم التحالف السوري ـ الإيراني في لبنان أبعاد الاهتمام العربي ـ التركي ـ الغربي ـ الدولي على حقيقتها. من الصعب أن يفهم أن النظام العربي وتركيا لا يهتمان ويبادران لأسباب سنّية وإن كان الاعتبار السنّي فعلياً وحقيقياً. ومن الصعب أن يفهم أن الاهتمام الغربي والدولي ليس لأسباب مسيحية، خاصة بعد أن أكدت الكنيسة اللبنانية نفسها في خلاصات المجمع الماروني أن "الموارنة للبنان وليس لبنان للموارنة". ومن الصعب أن يفهم أن الاهتمام والتحرك العربيين والدوليين ليسا تدخلاً في صراع على السلطة مع فريق ضدّ فريق، بل هما في مجال الدفاع عن "نظام" سياسي وليس عن "سلطة" بذاتها. وإلا، لا تفسير لدخول الجهات المبادِرة في تفاصيل التركيبة الحكومية والـ19 + 10 + 1 والثلث وما أدراك ما الثلث، لو أن المسألة في لبنان مسألة حكومية بحتة، ولا تفسير لاضطرار رئيس الوزراء التركي، البعيد تماماً عن "التفاصيل اللبنانية" إلى الدخول في "ممرّ" هذه التفاصيل لو لم يكن على قناعة بأن المسألة في لبنان تتجاوز العنوان الحكومي الداخلي.
اللغة الخشبية والقوالب الجامدة معدّة سلفاً للقول إن ثمة تدخلاً عربياً ودولياً في الشؤون اللبنانية الداخلية، وان ثمة مشروعاً أميركياً ـ غربياً يستتبع حركة 14 آذار ويؤيّدها.
بيد أن ما يجب أن يكون في حساب التحالف السوري ـ الإيراني في لبنان، أن كل هذه المواقع العربية والتركية والغربية والدولية "تتدخّل" حفاظاً على "الصيغة اللبنانية" التي غدت "حاجة" عربية ودولية بكل معنى الكلمة.
المظلّة الواقية والدعم "غير العابر"
على "التحالف" أن يعي أن إعلان هذه المواقع كافة أنها ليست محايدة حيال ما يجري في لبنان، يعني أنها تدرك خطورة المضاعفات على الصعد كافة. وعندما تدعو الى عدم الخطأ في الحسابات، فإنها لا تهدّد، بل تهدف الى "تبصير" المعنيين جميعاً بأنه ليس مسموحاً التلاعب بـ"الصيغة ـ الحاجة"، وبأنها تقف جداراً فاصلاً في وجه الفتنة في لبنان.. أي في وجه أي مغامرة بالصيغة لن تكون آثارها مقتصرةً على لبنان.
في المقابل، إذا كان مقياس نجاح هذا الاهتمام وما ينتجه من مبادرات، هو قدرتُه في مدى زمنيّ قريب على إنتاج حلول "عملية" لعناوين ليست في الواقع سوى "ظاهر" الأزمة، فإن ذلك لن يكون مفيداً باعتبار أن الأمر تحكمه معادلات متداخلة و"طويل الأمد". لكن هذا الاهتمام ناجحٌ وفقاً لكل المقاييس الأخرى. ذلك أنه يشكّل مظلّة واقية فوق الوضع اللبناني، فضلاً عن كونه تأكيداً لحقيقة أن الموقف العربي ـ التركي ـ الدولي ليس دعماً عابراً للبنان الذي بات دعمُه عنواناً استراتيجياً وفقاً لكل المعاني الآنفة ولكل الأبعاد المشار إليها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.