خلال الأيّام المقبلة بعد رأس السنة، يمكن أن تتّضح معالم المرحلة الاقليميّة الجديدة، في ضوء الاستراتيجيّة التي أعدّتها الإدارة الأميركيّة وقرّرت إعلانها في الفترة القريبة المقبلة.
بيدَ انّ انتظار الاستراتيجيّة الأميركيّة الجديدة، لا يمنع منذ الآن قراءة عدد مهمّ من المؤشّرات الاقليميّة ـ الدوليّة الهامّة التي تفيد في رسم الإطار الخارجيّ "حول" لبنان.
المؤشّر الأوّل: إجماع مجلس الأمن حول إيران
المؤشّر الأوّل، يعكسه القرار الذي صدر بالإجماع عن مجلس الأمن الأسبوع الماضي بفرض عقوبات على ايران، انطلاقاً من تحدّيها للمجتمع الدوليّ بشأن ملفّها النوويّ. ولا يمكن التعاطي مع هذا القرار الدوليّ إلاّ بوصفه محطّة "أولى" في المواجهة الأميركيّة ـ الإيرانيّة أو المواجهة الدوليّة ـ الإيرانيّة. غير انّ القرار نفسه حدّد مهلة ستّين يوماً لإيران كي تراجع موقفها وحساباتها، وكي تقرأ جيداً مضمون الموقف الدوليّ، ما يعني انّ ثمّة "وقفة" جديدة للمنظمة الدوليّة أمام "المسألة الإيرانيّة" في النصف الثاني من شباط المقبل.
كثيرون يعتقدون، تأسيساً على الموقف الإيرانيّ "الفوريّ" من القرار، انّ ايران لن تتراجع، وانّ مجلس الأمن سينتقل تالياً في شباط المقبل إلى محطّة ثانية من المواجهة مع الجمهوريّة الإسلاميّة. لكنّ كثيرين أيضاً في المقابل، إذ يعتبرون الاستنتاج السابق منطقياً من ضمن المعطيات القائمة الآن، لا يستبعدون بالمطلق خطوة إيرانية إلى الوراء، تسمح بها تركيبة النظام الإيراني نفسه. ذلك انّ النظام في إيران يملك القدرة "الهيكليّة" على إنتاج مخرج عبر "تقديم" جناح منه على جناح آخر، وعلى إنتاج مخرج "مشرّف"، متى شعر انّ قدرته على المناورة تأسيساً على "تناقضات" دوليّة معيّنة، باتت معدومة في ظلّ الإجماع الدوليّ.
المؤشّر الثاني: واشنطن تقطع طريق إسرائيل أمام الأسد
وإذا كانَ المؤشّر الأوّل يفيد انّ الأوضاع يمكن أن تذهب نحو محطّة أخرى من المواجهة الدوليّة ـ الإيرانيّة، وإن كان احتمال المخرج من جانب إيران، غير مغلق بالمطلق، فإنّ المؤشّر الثاني يتعلّق بسوريّا وبنظام الأسد.
وفي هذا المجال، يبدو واضحاً انّ "التسوية" الدوليّة الوحيدة المقبولة مع النظام السوريّ هي التي يخضع بموجبها للشرعيّة الدوليّة وقراراتها، بدليل ما تبلّغه رئيس النظام بشّار الأسد في موسكو بشأن لبنان، وبدليل ما أوصت به لجنة بيكر ـ هاميلتون التي اقترحت على الإدارة البحث مع دمشق، لكن على أساس دفتر شروط واضح على صعيد الملفّات الاقليميّة، لاسيّما الملفّ اللبنانيّ.
غير انّ الإشارة اللافتة أكثر من سواها، تمثّلت في اعتراض واشنطن لمناورة نظام الأسد حيال إسرائيل، أي لمحاولته فتح القنوات مع الدولة العبريّة. وهذا الأمر يُفيد انّ الموقف الأميركيّ من نظام الأسد المتفلّت من الشرعيّة الدوليّة لا يزال هو نفسه، وانّ الإدارة تعتبر انّ الأسد في القفص ويجب عدم تمكينه من الخروج منه. والأهمّ هنا، هو انّ القرار في ما يتعلّق بالنظام السوريّ، أميركيّ أساساً.
صحيحٌ انّ الولايات المتحدة والمجتمع الدوليّ لا يضغطان بـ"قوّة" على النظام في دمشق، لكنّهما يخضعانه لسلسلة من القرارات الدوليّة، أهمّها القرار المتعلّق بالمحكمة الدوليّة التي لا مهرب منها.وبالإضافة إلى ذلك فهو في عزلة عربيّة "خانقة"، يرجّح المتابعون معها عدم انعقاد القمّة العربيّة المقبلة في دمشق.
المؤشّر الثالث: روسيّا والتكامل الدوليّ
أمّا المؤشّر الثالث، فيتعلّق بحركة التموضع الدوليّ الراهنة. فخلال الأسابيع الأخيرة، تمّ التأكّد من انّ روسيّا "تتكامل" مع الجهات الأخرى في المجتمع الدوليّ. تختلف مع الولايات المتحدة لكنّها لا تتصادم معها. واندراج روسيّا في الإجماع حول قرار العقوبات على إيران، بالغ الدلالة في هذا السياق. ولعلّ الزيارة التي يزمُع الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين القيام بها إلى المملكة العربيّة السعوديّة في شباط المقبل، تكتسب معنى استثنائياً في هذه المرحلة، ليس فقط بسبب تزامن هذه الزيارة مع المحطّة الثانية في مجلس الأمن حول إيران، بل لكونِها تشكّل تطويراً في استراتيجيّة العلاقة الروسيّة بمنطقة الشرق الأوسط، لجهة عدم الموافقة الروسيّة على منحى العلاقة الإيرانيّة ـ والسوريّة ـ بدول الاعتدال العربيّ وبالصراع العربيّ ـ الإسرائيليّ.
المؤشّر الرابع: الحدث الصومالي
والمؤشّر الرابع برز في الأيام القليلة الماضية، وجاءَ من القرن الافريقي. ففي ما يمكن تسميته "الوقت الضائع" إقليمياً ودولياً، تقدّمت أثيوبيا بتأييد أميركيّ أكيد داخل الصومال، دعماً للحكومة الصوماليّة الانتقاليّة التي تمثّل في نظر الشرعيّتين العربيّة والدوليّة، الشرعيّة في هذا البلد العربيّ ـ الافريقيّ.
ثمّة دلالتان لهذا الحدث الصومالي. الأولى هي انّ "النظام" الذي يجري إسقاطه في مقديشو، نظام ما يسمّى "اتحاد المحاكم الإسلاميّة"، هو نظامٌ "طالبانيّ" شبيه نظام "طالبان" السابق في أفغانستان. وليس سرّاً انّ النشأة الأولى أو الحالة التأسيسيّة لتنظيم "القاعدة" كانت في الصومال في التسعينات من القرن الماضي، وانّ إسقاط نظام "طالبانيّ ـ قاعديّ" في هذا البلد، يعني ضربةً استراتيجيّة لهذه المجموعات، وللأنظمة المتحالفة معها موضوعياً أو ذاتياً. والدلالة الثانية، هي دلالة الدفاع الدوليّ عن حكومة شرعيّة في بلد معيّن.
سيقولُ أتباع النظام السوريّ في لبنان انّ الإشارة إلى ما يجري في الصومال، تدخُل في دائرة تفكير قوى 14 آذار، وانّ قوى هذه الحركة الاستقلاليّة تراهن على التدخّل الخارجيّ. لكن، إذا كان صحيحاً التشبيه بين "اتحاد المحاكم الإسلاميّة" في الصومال وبين "اتحاد القبائل والشبكات السوريّة" في لبنان، خاصةً متى جرى تذكّر اعتراف بشّار الأسد بإدخال "القاعدة" إلى لبنان، فإنّ ما رمت إليه هذه الإشارة، هو القول ان "الحدث الصومالي" مغطّى بموقف دوليّ واحد من جهة وانّ الاستراتيجيّة الأميركيّة في المنطقة قد تخضع لتعديلات لكنّها ستحافظ على ملامحها العامّة من جهة ثانية. وهذا القول يأتي في وقت لا يتردّد أنصار النظام السوريّ في "التبشير" بتقارب أميركيّ ـ سوريّ آتٍ، وهو "تبشير" لم تمنع محطّة "المنار" نفسها من اللجوء إليه في محاولة تفسير بعض المواقف المحلّية.
قدرة نظام الأسد على التصعيد مرتبطة بطهران
من هذه المقدّمات وما حملَته من مؤشّرات، يمكنُ استنتاج انّ قدرة النظام السوريّ على التصعيد، في لبنان خصوصاً، ترتبط بقرار ايرانيّ بالتصعيد، أي انّه ما لم يكن ثمّة قرار ايراني بالتصعيد، ستكون قدرة نظام الأسد على ذلك أضعف. ذلك ان "الأفق" الوحيد المفتوح أمام نظام الأسد هو إيران، في ظلّ إنسداد الأفق العربي من ناحية والمعطيات الدوليّة القائمة التي تجعل من رهان هذا النظام على غطاء روسيّ للتخريب على الوضع في لبنان وفي المنطقة، وعلى الشرعيّة الدوليّة، رهاناً خاسراً من ناحية أخرى.
كلّ ما سبق ذكرَه يندرجُ في خانة الاستنتاجات المنطقيّة. غير انّ "المنطق" لا يصحّ ـ تكراراً ـ كوحدة قياس في حالة النظام السوريّ.
"قد" يصحّ "المنطق" على النظام الإيرانيّ، بمعنى انّه على افتراض انّ هذا النظام يستخدم "الساحة" في لبنان لمنع العقوبات عنه، فإنّه "قد" يغيّر بعدَ العقوبات، وثمّة إمكانيّة لديه للتغيير ما لم يكن قد أصبح أسير الحلم الامبراطوري "المستحيل" بشكل نهائي.
طبعاً، لا يعني ذلك انّ التعامل الإيرانيّ مع لبنان سيتغيّر حكماً، خاصة في وقت لا يُعطي "المركز" الإيرانيّ في طهران ولا "الملحق" اللبنانيّ أيّ إشارات في هذا الاتجاه.
.. ولكن تصعيده متوقّع بصيغ شتّى
لكنّ المؤكّد انّ أداء النظام السوريّ، المُستنِد إلى بنيته وتركيبته، هو أداء يتوقّع منه التصعيد. ربّما الفارق بينه وبينَ النظام الإيرانيّ هو انّ نظام الأسد يخوض ما يعتبره "معركة وجود" بينما لم يصل الثاني إلى هذا "الحدّ". وكلّما اشتدّت الصعوبات من حول نظام الأسد، ازداد مقامرةً وتوحّشاً.
لذلك، فإنّ "الصورة" حول لبنان تبدو كالآتي: أفق مسدود عربيّاً ودوليّاً أمام النظام السوريّ وأمام "جماعته" في لبنان تالياً، فيما الدعم العربيّ والدوليّ مفتوح أمام الحكومة وفريق 14 آذار. لكنّ ذلك سبب لتوقّع التصعيد من جانب نظام الأسد، والذي يمكن أن يتّخذ كلّ الأشكال والصيغ، من الاغتيالات، إلى الفوضى، إلى الدفع باتجاه الانشقاق عن الدولة والتشجيع على الصدامات الأهليّة.
أمّا في الداخل، فتبدو "الصورة" كالآتي: فريق التحالف السوريّ ـ الإيرانيّ في مأزق، لأنّ الشارع بات عبئاً عليه، ولأنّ الأفق السياسيّ الدستوريّ مغلق، ولأنّه يرفض المخرج السياسيّ الدستوريّ المقدَّم له. وفي المقابل، لا شكّ انّ فريق 14 آذار أمام مشكلة عامّة وفي وضع يخسر البلد فيه، لكنّه لا يزال يملك القدرة على "الكلام السياسيّ المنطقي"، وعلى البحث عن حلول.
طبعاً، لا يمكنُ تبشير اللبنانيين، بأنّ مطلع السنة الجديدة يحمل معه "الخير"، في ظلّ المعطيات التي جرى استعراضُها. فلو كانت هذه المعطيات أمام "عاقل" ما لاستنتَج ضرورة التوجّه إلى تسوية تحفظ للجميع "مصالحه" و"حقوقه".
وفي هذا الاطار، ثمّة سؤالٌ يُطرح في العديد من المجالس. هل انّ التحالف السوريّ ـ الإيرانيّ وعلى رأسه "حزب الله" في موقفه السلبيّ من المحكمة الدوليّة يدافع عن النظام السوري فقط أم ماذا؟
غنيّ عن القول انّ ثمّة جانباً يتعلّق بالدفاع عن النظام السوريّ. لكنّ المسعى الروسيّ في فترة من الفترات، كان توصّل إلى نوع من "التسوية" في ما يتعلّق بهذا النظام، وهو المسعى الذي أدّى إلى الإبقاء على ما يسمّى الحصانات الرئاسيّة. لكنّ من الواضح انّ النظام السوريّ رفض هذه "التسوية" من أساسها، على اعتبار انّ محاكمة مرؤوس تقود إلى محاكمة رئيسه فرئيس هذا الرئيس..
بيدَ انّ ما تواترَ عن اعتراض التحالف السوريّ ـ الإيرانيّ على "الترابط" بينَ جرائم ومحاولات الاغتيال الأخرى، دفع إلى التساؤل لماذا؟ فإذا كانَ "الترابط" يكشف آلة القتل السوريّة، فلماذا يبدي "التحالف" حماساً زائداً في الاعتراض من جهته؟
هذا المثال، هو للقول انّ لا شيء من "العقل" يدفع أحداً إلى الاعتقاد انّ الدفاع عن النظام السوريّ يمكن أن يذهَب إلى هذا المدى، ولو على حساب خراب البلد، ما لم يكن في الأمر "إنّ".
دربُ النضال طويل
بين "الصورة" كما ترتسم داخلَ لبنان وحولَه، وبين توقّع التصعيد من جانب النظام السوريّ، يبدو انّ "الصراع" طويل. ثمّة مَنْ يقول انّ شباط المقبل قد يشهد معطيات جديدة، لكنّها قد تكون معطيات مواجهة في ضوء المسألة الإيرانيّة. وثمّة مَنْ يقول انّ حزيران المقبل هو المحطّة المقبلة على أساس التقرير الأخير للمحقق الدوليّ سيرج براميرتس. لكن ثمّة مَنْ يقول أيضاً انّ هناك حرباً اقليميّة على أبواب الصيف.
ما يمكن قولُه هو انّ المعطيات الدوليّة ـ الاقليميّة واحتمالات تطوّرها تعاكسُ التحالف السوريّ ـ الإيرانيّ. لكن، إلى أن يصل هذا "التحالف" بقدَميه إلى الجدار المسدود، سيكون "الكباش" طويلاً واحتمالات مخاطره كثيرة.. وإلاّ لكان هذا "التحالف" وافق قبل الآن على البحث في "المخارج". والله أعلم!.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.