ردّاً على سؤال حول نيّة التصعيد بعد عطلة رأس السنة، قال أحد نواب الثنائية الشيعية إن التصعيد "الشكلي" أو "العملي" الذي تحدّث عنه أحد الموالين للنظام السوري ليس وارداً، لكن التصعيد "السياسي" سيحصل حتماً. وكان النائب الشيعي ينفي بذلك نيّة قطع الطرق وإغلاق المطار والمرافق الحيوية في مقابل التأكيد على التصعيد "السياسي".
إقالة الحكومة واستقالة النواب وخطوات غير دستورية
ولهذا التصعيد السياسي صيغ واحتمالات شتّى.
فالـ "مبادرة" التي أعلنها الرئيس سليم الحص و"طبّل" لها التحالف السوري ـ الإيراني، والتي تطالب رئيس الجمهورية باعتبار الحكومة مستقيلة، هي واحدٌ من احتمالات التصعيد.
الدعوة إلى استشارات على أساس مرسوم يعتبر الحكومة القائمة، مستقيلة، هي تصعيد. وإصدار مرسومي التكليف والتأليف عمل تصعيدي. وتشكيل ما يسمّى "حكومة انتقالية" تصعيد. واستقالة نواب التحالف السوري ـ الإيراني من المجلس النيابي في موازاة التصعيد "الحكومي"، تمثّل ذروة تصعيدية.
بيدَ ان الخيط الجامع بين هذه الخطوات التصعيدية، والتي "يبدو" ان النائب الشيعي يدرجها في إطار ما يسمّيه التصعيد "السياسي"، هو انها جميعها غير دستورية.
فبموجب اتفاق الطائف، لا يحق لرئيس الجمهورية إقالة الحكومة على أساس اعتبارها مستقيلة. لا يحق لرئيس الجمهورية إصدار مرسوم بهذا المعنى، لان الاستقالة تكون بكتاب من رئيس مجلس الوزراء إذا كان راغباً في الاستقالة، وإلا تكون الاستقالة حكميّة في حالتي وفاة رئيس الحكومة أو استقالة ما يزيد عن ثلث أعضائها.
وبموجب اتفاق الطائف، لا يمكن الدعوة إلى استشارات ملزمة إلا متى استقالت الحكومة استقالة دستورية. وبموجب الدستور، على الحكومة أن تنال الثقة من المجلس النيابي. وبحسب الدستور، لو استقال عدد من النواب أكبر من عدد نواب "المعارضة"، تجري انتخابات فرعية لملء الشواغر، ويبقى المجلس قانونياً ودستورياً.
المأزق: عندما يعتبر فريق ان أي تراجع هو هزيمة
والمقصود ممّا تقدّم، هو ان التصعيد "السياسي" الذي يعِدُ التحالف السوري ـ الإيراني به، محكوم سلفاً بمأزق لا دستوريّته. وبهذا المعنى، فإن التحرّك الذي بدأه "التحالف" في مطلع الشهر الجاري، هو الآن أمام "حائطين" متزامنين.
"الحائط الشعبي" أولاً بعد أن بلغ الاستنفار المعادي للحكومة حدّه الأقصى قبل الآن، وبعد أن بات أي تصعيد في "الشكل" يصيب مباشرة مصالح الناس، وبعد أن صار كلّ "شكل" تصعيدي نوعاً من أنواع "العنف" الموجّه ضدّ الآخر.
و"الحائط السياسي ـ الدستوري" ثانياً، بما ان "التحالف" وضع نصب عينيه أهدافاً غير دستورية و"تطلعات" خارج الدستور، وبما ان "التحالف" لا يستطيع أن يعد جمهوره بـ"حل". وكم هي لافتة الإشارات الآتية من "التحالف" والتي تفيد انه "غير قادر على التراجع" أو ان "أي تراجع ولو جزئياً يعتبر هزيمة". ألم ينقل بعض الوسطاء إلى "التحالف" اقتراحاً بنقل الاعتصام من الساحات والطرق إلى الأرصفة المجاورة تسهيلاً للحركة في البلاد، فجاء الجواب ان هكذا خطوة تُحسب هزيمة؟!
الطبيعة الانفصالية
يمكنُ القول إذاً إن التحرك لم يؤتِ ثماره، وانّ التصعيد "السياسي" لن يؤتيَ ثماره أيضاً.
لكن القياس هنا ليس منطقياً، أي ان "المنطق" لا يشكّل وحدة قياس.
فإن يكون التصعيد "السياسي" الموعود بلا أفق لا يعني ان التحالف السوري ـ الإيراني لن يصعّد. بيدَ ان ما هو مهمّ الانتباه إليه، يتعلّق بتداعيات التصعيد.
عندما يُقال إن التصعيد "السياسي" الذي ينوي "التحالف" الذهاب إليه، بلا أفق، فالمقصود انه بلا أفق بمقياس أول هو وحدة البلد.. أي ان وحدة البلد غير ممكنة التحقق "حول" المشروع السياسي لـ"التحالف". وهو بلا أفق بمقياس ثانٍ هو ان ممرّه تحطيم الدستور والدولة. وهو بلا أفق بمقياس ثالث، هو انه يفتتح مساراً إنقلابياً مفتوحاً. وهنا، وكما كان رئيس الحكومة فؤاد السنيورة يقول أمس في لقاء إعلامي في السرايا، إن الإنقلاب ليس فقط نقيضاً للمبادئ الدستورية والديموقراطية، بل هو نقيض للكيان وتركيبته، ما يجعله فوراً مشروع فتنة داخلية.
عندما يقال كل ذلك، لا شك انّ التحالف السوري ـ الايراني او بعضه "يفهم" ما يقال. وعندما "يفهم" ما يقال ويمضي في مشروعه وفي الخطة التنفيذية لهذا المشروع، فمعنى ذلك انه "يتقصد" الوصول الى مرحلة محددة.
من ذلك يُستنتج ان التصعيد "السياسي" الذي يهدد "التحالف" به، بما انه غير دستوري كما تدل "الامثلة" السابقة، فهو من طبيعة "انفصالية" بالتعريف.
فالدستور المؤسس على وثيقة الوفاق الوطني اي اتفاق الطائف، لا يفتح اي نافذة امام مشروع انقلابي، ولذلك يحاول اصحاب هذا المشروع فتح نوافذ غير دستورية، ولذلك يقعون في المحظور. ولا يمكن، إن هم أمعنوا في خطتهم، إلا ان يكونوا في صدد عمل انفصالي مهما كانت مسمياته، كمسى "الحكومة الانتقالية" مثلاً. فأول "غيث" الانفصال، الخروج على الشرعية الدستورية، وتأسيس "كيانات" سياسية سلطوية موازية للسلطة الشرعية ومؤسساتها. واذا اضيف الى ذلك، ان اي سلطة موازية، غير شرعية بالتعريف، ستحاول النيلَ من صلاحيات السلطة الشرعية وسيادتها، فمعنى ذلك انّ التصعيد مفتوحٌ على "الانفصال" وعلى "الصدام" في آن.
السنيورة ورواية مبادرة عمرو موسى
وكيف عطّلها "التحالف" المعارض
هذا التصعيد "السياسي" الذي يعِد التحالف السوري ـ الايراني بالذهاب اليه بعد رأس السنة، يلقي الضوء على حقيقة موقف هذا "التحالف" من المبادرة العربية.
يؤكد الرئيس السنيورة، ويُشهد الامين العام للجامعة على ما يقول، ان "المعارضة" وضعت العراقيل امام المبادرة. ففيما كان البحث يتقدّم باتجاه التزامن بين المحكمة الدولية وتوسيع الحكومة على قاعدة 19+10+1، وفيما تعهد السنيورة امام عمرو موسى بأنه في اللحظة نفسها التي يخبط الرئيس نبيه بري بمطرقته تصديقاً للمحكمة في مجلس النواب، يقوم هو نفسه بتوقيع مرسوم توسيع الحكومة على القاعدة نفسها، اذا بالتحالف المعادي للحكومة يتراجع.
صار مطلبُ هذا "التحالف" سحب مرسوم المحكمة من الجريدة الرسمية وإعادته الى رئيس الجمهورية. وصار مطلبُه إحالة موضوع المحكمة الى الحكومة بعد توسيعها. وصار مطلبه ان يسمّي هو الوزير "الحادي عشر" أو الثلاثين. وقد ابلغ السنيورة الى عمرو موسى انه مستعد على اساس 19+10+1، للنظر في ألف إسم للوزير "الملك"، لكنه دستورياً لا يمكنه سحب المرسوم المنشور الذي يتوجب نشره ضمن مهلة دستورية محددة، في حين انه ميّز بين "النشر" في الجريدة الرسمية و"التبليغ" الى مجلس النواب.
وإذ يؤكد ان المحكمة الدولية ستنشأ ولا رجعة في ذلك، يلفت الى ان "الغريب" انه لم يتسلّم حتى اليوم ملاحظات من احد حول نظام المحكمة، باستثناء ملاحظات إميل لحود التي كان عليها نقاشٌ وردّ، في حين لم يرسل الرئيس بري ولا السيد حسن نصرالله ولا العماد ميشال عون ملاحظاتهم. ويقول انه اعطى الفرصة مرتين للمناقشة قبل إقرار نظام المحكمة في مجلس الوزراء. ويؤكد انه اتصل بالامين العام للامم المتحدة كوفي انان وابلغه انه اذا اضطر لبنان الى اجراء تعديلات على النظام فإنه ينتظر مساعدة المنظمة الدولية، وذلك تأكيداً منه على انه لم يكن يماطل فيما لو جرى نقاشٌ جدّي لمسألة المحكمة.
هذه الامور كلها، يُشهد عليها عمرو موسى. بيدَ ان الموضوع ليس هنا بالكامل. انه في الموقف الذي يتخذه النظام السوري ويلزم جماعته به. ولم يخفِ موسى على الرئيس السنيورة ان نظام الاسد يطلب حواراً سعودياً ـ مصرياً معه، واتفاقاً معه، من دون ان يقدم ضمانات للدولتين العربيتين الكبيرتين باستعداده للتفاهم على اساس التصالح مع الشرعية الدولية.
لذلك، يعتبر السنيورة ان مبادرة موسى تشكل الصيغة الممكنة لحل الازمة حلاً متوازناً ومتزامناً في بنوده كافة. لكن العقدة سورية اساساً.
وفي ضوء ذلك، لا ينفك رئيس مجلس الوزراء يؤكد انّ لا افق امام التصعيد، وانّ لا بديل من الحوار. وفي انتظار ذلك، ينظم السنيورة الصمودَ في السرايا والتواصل مع الناس والاهتمام بشؤون الدولة.. ولا ينسى للحظة واحدة المسألة الاقتصادية. ويؤكد ان الدعم الدولي الذي يحظى به، لا يشكل مصدر مباهاة، بل هو "ينتهز" هذا الدعم ليطالب المجتمع الدولي بوقف الانتهاكات الاسرائيلية وبتحرير مزارع شبعا، وبمساندة مؤتمر باريس3.
"التحالف الرباعي": الشيء بالشيء يذكر
على ان الشيء بالشيء يذكر.
فما تواجهه المبادرة العربية من تعطيل على يد التحالف السوري ـ الإيراني، يكاد يكون هو نفسه ما واجهه "التحالف الرباعي" الراحل.
فكما يعطّل "التحالف" المبادرة العربية ويتّهم الأكثرية بتعطيلها، انتهك "حزب الله" التحالف الرباعي منذ بدايته واتّهم "تيار المستقبل" و"الحزب التقدمي الاشتراكي" بالانتهاك.
في الانتخابات، خرق الحزب "التحالف الرباعي" في بيروت لمصلحة أحد أتباعه.. و"أخذ" أمين شريّ من رئيس "المستقبل" سعد الحريري.
في البقاع الغربي، أخذ ناصر نصرالله مكانه على اللائحة، واشتغل "حزب الله" في زحلة للائحة المنافسة لـ"المستقبل". وفي بعلبك ـ الهرمل، "أخذ" عدم إقدام أي من أطراف 14 آذار على أي عمل انتخابي. وفي الشمال اشتغل الحزب لصالح خصوم 14 آذار.
ويدّعي انه ساهم بتشكيل الأكثرية! فهل كان علي عمار سيفوز لو لم تؤيده الكتلة الدرزية، وهل كان سيفوز لولا لم يحبط "التحالف الرباعي" المسيحيين لصالح ميشال عون؟
إذاً، ان خرق "التحالف الرباعي" بدأ من جانب "حزب الله". والتزم طرفاه من الأكثرية بموجباتهما، في تشكيل الحكومة، وفي رئاسة المجلس النيابي. وفي السياسة أيضاً، لم يخرج طرفا الأكثرية في "الرباعي" عن التزاماتهما، وجالا العالم دفاعاً عن "لبنانية" الحلّ في ما يتعلّق بسلاح "حزب الله"، وجمّدا القرار 1559 والعديد من لوائح الإرهاب.
لكن الطرفين، أي "المستقبل" و"الاشتراكي" لا يذكران انّ في الاتفاق الرباعي نصّاً يعطي الطرفين الآخرين حقّ الدفاع عن قتلة رفيق الحريري، أو انّ ثمة نصاً يبيح لهما تعويق المحكمة الدولية، الأمر الذي يستمرّ منذ عام بالتمام والكمال.
في ظل هكذا "مصداقيّة"، يصبح كل شيء مفهوماً. فالذي سياسته الإنقلاب على كل شيء، لا يُستغرب معه أي تصعيد يبقى هدفه الأول والأخير إسقاط الدولة والاستقلال والديموقراطية.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.