8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

حركة 14 آذار لبنانية عربيّة.. و"التحالف التابع" يكشف أوراقه وينعزل

لم يكن صعباً على الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى، وهو الديبلوماسي المصري العربي "العتيق" والمتمرّس، أن يكتشف في نهاية مرحلة من مسعاه، مصدر العراقيل التي تعترض سبيل معالجة الأزمة اللبنانية.
فإذا كان واضحاً بالنسبة إليه ومنذ بداية تحرّكه ان مفاتيح المعالجة موجودة خارج لبنان وتحديداً في دمشق وطهران، فإنه لمس مباشرة في نهاية هذه المرحلة من المسعى العربي انّ دمشق وطهران لا ترغبان في استخدام المفاتيح وتريدان إبقاء الأبواب موصدة، وان الفريق "المعارض" للحكومة في لبنان لا يملك قراره، وانه لا يستطيع أن يسير بـ"حلّ" متوازن مؤسس على القاعدة التي اقترحها أي "لا غالب ولا مغلوب".
مقدّمات كشف موسى للتحالف السوري ـ الإيراني
منذ البداية، سمع عمرو موسى من قيادات رئيسية في "المعارضة"، ومن الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله تحديداً، ان المحكمة الدولية شأن يبتّ فيه مع النظام السوري ورأسه بشار الأسد.
انتظر موسى إلى حين إنتهاء زيارة الأسد إلى موسكو ليقابله. وكما كان معروفاً، وكما صار معروفاً أكثر، فإن زيارة الأسد إلى العاصمة الروسية كانت بمثابة "المحاولة الأخيرة" التي يبذلها المجتمع الدولي عبر روسيا لـ"إقناع" النظام في سوريا بعدم عرقلة قيام المحكمة الدولية. لكن نظام الأسد الذي يعتبر ان المحكمة حتى لو لم تصل إلا إلى مستوى معيّن في النظام انما تطرح مصيره ككل على بساط البحث، رفض بإصرار وجود هذه المحكمة.
وهكذا، سمع عمرو موسى من بشار الأسد في دمشق كلاماً عاماً غير قابل للصرف السياسي، مفاده انه "يدعم" المبادرة العربية و"يؤيد" ما يتفق عليه اللبنانيون. ولم يسمع كلمة واحدة عن الموافقة على المحكمة الدولية، وعن استعداد النظام السوري لـ"تسهيل" الاتفاق بين اللبنانيين. وعليه، كان من الطبيعي أن يفسّر الأمين العام ما سمعه من الأسد على انه إذ يؤيّد ما يتفق عليه اللبنانيون، فإنه عملياً يؤيّد اختلافهم.
ومع ذلك، حرص موسى بعد عودته من دمشق إلى بيروت على القيام باختبار.
كان سبق له في الجولة الماضية أن اقترح صيغة حكومية من ثلاثين وزيراً. حصّة الأكثرية فيها تسعة عشر أي أقل من الثلثين، وحصّة "المعارضة" فيها عشرة أي الثلث، على أن يكون الوزير الثلاثون محايداً. وبالنسبة إلى هذا الوزير الأخير المسمّى "ملكاً"، يكون الاقتراح للمعارضة وتكون الموافقة للأكثرية.
لكنه، خلال المفاوضات التي أدارها، تبيّن له ان معارضة التحالف السوري ـ الإيراني، ومن خلال تمسّكها بأن يصبح خامس إسم تقترحه للوزير الثلاثين إلزامياً، انما تريد أخذ الثلث زائد واحد أي الثلث المعطّل.
عند هذا الحدّ، صارت "الصورة" واضحة عند الأمين العام. لا موافقة من جانب التحالف السوري ـ الإيراني على المحكمة الدولية. وفي "أحسن الأحوال" فإن النيّة لدى هذا التحالف، هي إحالة موضوع المحكمة إلى حكومة تملك فيها الثلث المعطّل. حتى "اللجنة القانونية" التي جرى اقتراحها، يريدها التحالف "المعارض" مقبرة للمحكمة، إذ يرغب من خلالها في إعادة النظر بالنظام الأساسي "من الأساس".
تأكد عمرو موسى ان الحكومة والأكثرية أعطتا الحدّ الأقصى من التنازل. وهذا الحدّ الأقصى هو اضطرار الأكثرية إلى التوافق مع الأقلية من أجل اتخاذ القرار في مجلس الوزراء، من غير أن تكون للأقلية القدرة المسبقة على تعطيل أي قرار. وما هو أكثر من هذا الحد الأقصى يعني تسليم الأكثرية السلطة طوعاً إلى التحالف السوري ـ الإيراني.
"التحالف" محشور ويصعّد
لم يستطع التحالف المعادي للحكومة إخفاء "الأواني المستطرقة" بينه وبين دمشق وطهران. لم يستطع أن يُظهر أي نوع من "الشطارة". لعب أوراقه مكشوفة. وأكثر من ذلك، لم يبدِ أي اهتمام بـ"كسب" الوسيط العربي". فقبل عودة عمرو موسى مطلع الأسبوع الماضي إلى بيروت، "عاجله" التحالف السوري ـ الإيراني برفع سقف مطالبه متخلياً عن مطلب "حكومة الوحدة الوطنية". وعشيّة انتهاء المرحلة الراهنة من المسعى العربي، "عاجله" صغار التحالف المذكور بالتهديد بالتصعيد، وصولاً إلى "العصيان المدني" مروراً بإقفال المرافق اللبنانية الرئيسية.
كان من الطبيعي أن ينهي موسى المرحلة الراهنة من مسعاه بكلام صريح. حذّر من "أفكار" تلعب في ذهن البعض ولن تؤدي إلى النتائج التي يتوخاها هذا "البعض". حذّر من ان ثمة تصعيداً في الأفق ومن ان الوضع اللبناني الخطير مرشح لأن يكون أخطر. ودعا اللبنانيين إلى رفع الصوت عالياً دفاعاً عن استقرارهم. وكان موسى صريحاً أيضاً عندما أكد على نحو غير مباشر أن لا حلّ عربياً ناضجاً الآن، وان الحل لا بدّ أن يكون لبنانياً بدعم عربي، وإن كان الحلّ اللبناني غير متوافر هو أيضاً ضمن المعطيات القائمة.
ولم يكن من قبيل الصدفة أن يواكب التحالف السوري ـ الإيراني نهاية المرحلة الحالية من المسعى العربي بـ"نعي" هذا المسعى. فما نقله الموفد السوداني مصطفى عثمان اسماعيل عن السيد نصرالله لا يعدو كونه وعداً باستمرار التهدئة حتى مطلع العام الجديد. أما بعض نواب "حزب الله"، فقد سارعوا إلى "إبداء الاعتقاد" ان عودة موسى بعد رأس السنة الجديدة ستكون "صعبة". وهذا، في حين كان الرئيس نبيه بري "يعترف" ضمناً مرتين بأن المسعى العربي فشل. المرة الأولى في رسالته الميلادية حيث أشار إلى التصعيد الآتي. والمرة الثانية خلال استقباله رئيس الوزراء الايطالي رومانو برودي أمس إذ قال ردّاً على سؤال ان ما بعد مبادرة موسى مبادرة أخرى.
قرار مجلس الأمن حول إيران: دلالة الإجماع الدولي
على ان اللافت في اليومين الماضيين، كان تزامن النهاية غير الناجحة للمرحلة الحالية من مسعى عمرو موسى، مع القرار الذي أصدره مجلس الأمن أول من أمس بالإجماع بفرض عقوبات على إيران على خلفية ملفها النووي.
ان لهذا القرار الدولي وجوهاً عدة، يجدر أخذها في الاعتبار.
الوجه الأول، هو ان إيران لا تزال ممعنة في تحدّي المجتمع الدولي، وترفض أي تسوية معه، أي انها لا تزال في صميم قرار بـ"مواجهة" المجتمع الدولي. وفي إطار هذه "المواجهة" الإيرانية، لا يشكّل الموضوع النووي سوى واحد من الملفات. فلإيران "ملف" في العراق، وآخر في فلسطين، وثالث في لبنان.
وفي السياق نفسه، ليس خافياً ان النظام السوري الذي له "ملف خاص" مع المجتمع الدولي، يلتحق بإيران في مشروعها الإقليمي الذي تواجه المجتمع الدولي به. ولم ينجح نظام الأسد في محاولاته استدراج تسوية دولية معه، ولم ينجح في فتح "البوابة الإسرائيلية".
الوجه الأول من القرار الدولي، هو إذاً ان ثمة قراراً إيرانياً ـ وسوريّاً ـ بتوظيف عدد من الملفات ـ الساحات في المواجهة مع الشرعية الدولية. وعندما يكون الأمر كذلك، "يجب" الانتباه إلى ان القرار الإيراني ـ والسوري ـ باسترهان الوضع اللبناني، قائم وساري المفعول.
أما الوجه الثاني، فهو ان المجتمع الدولي، بالنظر إلى تعاطي النظامين في طهران ودمشق مع العناوين الإقليمية في الشرق الأوسط، قد انتقل بقراره الأخير أول من أمس إلى "مواجهة" هذين النظامين. ولا شك ان القرار الأخير، يمثّل محطة أولى في المواجهة الدولية مع المحور الإيراني ـ السوري.
ويكشف القرار الدولي بمفعول رجعي طبيعة الزيارة التي قام بها الأسد إلى موسكو الأسبوع الماضي. ففي ضوء القرار، "يمكن" القول ان موسكو كانت مفوضة دولياً بإبلاغ الأسد ما يشبه "الإنذار الأخير" بتغيير سلوكه في لبنان وفلسطين.. والعراق.
والوجه الثالث، مهم جداً أيضاً، وهو ان المرحلة الحالية تتّسم بـ"توافق دولي"، جاء التعبير عنه بـ"الإجماع" الذي صدر فيه قرار العقوبات على إيران.
القرار الإيراني ـ السوري باسترهان لبنان واستحالة "اللبننة"
هكذا إذاً، إذا جرى ضمّ المعاني السياسية لما أعلنه عمرو موسى في نهاية المرحلة الحالية من المسعى العربي إلى الوجوه ـ الأبعاد الثلاثة السالفة لقرار مجلس الأمن بالعقوبات ضدّ إيران، يمكن صوغ العديد من الاستنتاجات السياسية الرئيسية في ما يتعلق بلبنان.
الاستنتاج البديهي الأول، هو ان قرار المحور الإيراني ـ السوري باسترهان لبنان قائم على قدم وساق، ولا يمكن، والحالة هذه، افتراض ان التحالف المعادي للحكومة ولفريق 14 آذار، وهو تابع للمحور الإيراني ـ السوري، قادر على مخالفة التعليمات الإيرانية والسورية. والحديث عن "لبننة" الحل غير ذي معنى، بوجود فريق "غير لبناني" في حركته وأهدافه السياسية. والحق يقال، ان هذا ليس استنتاجاً إبن ساعته، لانه حصيلة قراءة لأداء التحالف التابع منذ فترة طويلة. لكن يضاف إلى مجمل القراءة السابقة، الأداء الراهن للتحالف السوري ـ الإيراني في لبنان، حيث يتجلى بشكل لا لبس فيه، انه لا "يلتفت" البتّة إلى مصالح اللبنانيين، لا بل يغيّب اللبنانيين من "سياساته". وهذا كلّه يمثّل سابقة في تاريخ العمل السياسي في لبنان، إذ لم يسبق لفريق سياسي أن أسقط الناس من حسابه السياسي، ولطالما كان الناس وما يستطيعون تحمّله مقياساً في أي عمل سياسي، اللهم إذا كان ديموقراطياً.
14 آذار تدافع عن عروبة المنطقة من بوابة أمامية
والاستنتاج البديهي الثاني، هو ان المشروع الإقليمي الإيراني ـ وملحقه السوري ـ دخل أكثر من أي يوم مضى، في دائرة استفزاز الوضع العربي بصعيدَيه الرسمي والشعبي.
قد يقول قائل ان الموقف العربي "الرسمي" من المشروع الإيراني وامتداداته و"ارتداداته" عربياً، ليس جديداً. لكن هذا القول ليس صحيحاً في حالة عدد من الدول "البعيدة" جغرافياً عن "نقاط" الصراع العربي ـ الإسرائيلي، التي أخذت في الآونة الأخيرة "ترى" الخطر المتجسّد في المشروع الإيراني التمدّدي والتوسّعي. أما على المستوى الشعبي، فإن صور "الصراع" في لبنان والمنقولة عبر الشاشات، أحدثت تحوّلات في النظرة إلى ما "صارت" عليه مقاومةٌ "موصوفة" ضد إسرائيل عندما انتقلت بقضّها وقضيضها إلى الداخل اللبناني.
اما الاستنتاج الثالث، فهو ان حركة 14 آذار في لبنان، تكتسب اليوم وأكثر من ذي قبل، بعداً عربياً ملموساً. كانت الحركة تؤكد باستمرار بُعدها العربي، وانتماءها إلى العروبة، غير انها اليوم، تمثل ما يمكن وصفه "رأس حربة" العروبة لانها تنتمي إلى "معسكر عربي" رسمي وشعبي ركيزته الأولى في فلسطين، ولانها "تناضل" من أجل حماية عروبة المنطقة من إحدى بواباتها "الأمامية".
إذاً، إذا جرى ضمّ ما أعلنه عمرو موسى أول من أمس إلى القرار الدولي بالعقوبات على إيران، يُستنتج ان حركة 14 آذار بما تمثّله لبنانياً، وشعبياً، تحظى بـ"حصانة" عربية شاملة، وتستفيد من إجماع دولي قلّ نظيره. والأمران، أي الحصانة العربية والإجماع الدولي، يؤشران إلى عزلة التحالف السوري ـ الإيراني.
البطريرك "يفضح" لعبة الشارع و"دور الأداة"
بيد انّه، وفي استعراض المعطيات البارزة، المواكبة لنهاية المرحلة الحالية من المسعى العربي، يبقى التذكير بالموقف الذي أعلنه البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير في رسالة الميلاد أول من أمس.
ما فتئ البطريرك يعترض على الشارع وتعطيل مصالح الناس. لكنه في رسالته أضاف الاحتجاج على "التدهور الكبير في طريقة التخاطب"، والتحذير من ممارسة دور "الأدوات في يد غيرنا". وإذ تحدث عن الفوضى الدستورية التي لا سابق لها وحمّل رئاسة الجمهورية مسؤولية فيها، اعتبر ان "القول بإعادة انتخاب المجلس النيابي قبل انتخاب رئيس جديد للجمهورية وتأليف حكومة جديدة، فوضى ما تأتّى للبنان أن يشهد مثيلها سابقاً".
في الفترة الفاصلة بين عيدي الميلاد ورأس السنة الجديدة، يبدو التحالف السوري ـ الايراني وقد أصبح مكشوفاً في الداخل، وفي الخارج العربي والدولي. وتبدو حركة 14 آذار عند هذا المفصل من الصراع من أجل الاستقلال والسيادة والحرية، حركة لبنانية شعبية تبحث عن مصالح الوطن والمواطنين، وحركة عربية بامتياز، ومدعومة بإجماع دولي.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00