أخذت الأكثرية علماً برفض رئيس التمديد إميل لحود التوقيع على مرسوم دعوة الهيئة الناخبة في المتن الشمالي الى انتخاب خلف للشهيد بيار الجميل. وفهمت الرسالة الآتية من "قصر المهاجرين" عبر بعبدا بأن قتل نوّابها سيستمّر وبأن لحود لن يوقّع في كل مرة مرسوم ملء الشغور، أو أن ثمة تمهيداً واضحاً لـ"القضاء" على المجلس الحالي بأفق تقصير ولايته كما يعبّر التحالف السوري ـ الإيراني.
بطبيعة الحال، لم تكن الأكثرية تتوقّع من الاحتلال في بعبدا يقظة ضمير. فمن شبّ على شيء شابَ عليه. ومَن دأب طوال عهده على خرق الدستور، يواصل خرقه. ومَن كان يدين بوجوده في موقعه لنظام القتل لا يتردّد في تنفيذ القتل هو نفسه أو في تغطيته سابقاً ولاحقاً.
المشكلة عند برّي في عين التينة
غير أن الأمر ليس هنا. إنه في عين التينة عند رئيس المجلس النيابي نبيه برّي.
إنه لأمر مثير للدهشة والاستغراب فعلاً ألاّ يسارع رئيس المؤسسة الدستورية الأم الى الردّ على موقف رئيس التمديد. كيف لا تصدر عن الرئيس برّي كلمة واحدة بشأن خرق فاضح للدستور اللبناني؟ كيف لا يعلن رئيس المجلس موقفاً من حكم بالإعدام على أعضاء في مجلس يتولّى رئاسته؟ كيف لا يخطر في باله أن يهبّ انتصاراً لمؤسّسةٍ مهدّدة في وجودها؟ كيف يطاوعه ضميره أن يهاجم ـ مباشرة أو عبر مصادر مقرّبة ـ الحكومة ورئيسها ولا يُعمِل ضميره في مسألة على هذا القدر من الخطورة؟
"الحدّ الأدنى": برّي المُكره والمهدّد
إن التفسير "الأبسط" الذي كان حتى الآن يُعطي أسباباً "تخفيفية" لبرّي، هو التفسير السياسي. وفي هذا التفسير السياسي حدّان.
الحدّ الأدنى، أن الرئيس برّي مُكره على أمره، مضغوطٌ عليه، محاصر أو مهدّد. وليس في هذا أي محاولة لا للنيل من مكانة برّي ولا لاختلاق مسافة ما بينه وبين القوى الأخرى في التحالف السوري ـ الإيراني. إن التفسير السياسي في حدّه الأدنى هذا، ينطلق من مقارنة "بسيطة" بين ما "كان" برّي يُعلنه وما "صار" يتخذه من مواقف عملية، ومن مقارنة بين "كلام المجالس" وكلام الشاشات. وهل ثمة مَن يريد جردةً بالتراجعات التي أقدم الرئيس برّي عليها.. في مجال الموقف من الحكومة والموقف من الشارع على سبيل المثال؟
الحدّ الأقصى: الشريك الكامل في التحالف السوري ـ الإيراني
أما "الحدّ الأقصى"، فهو أن برّي شريك "كامل" في التحالف المعادي لـ14 آذار، وله ما لهذا التحالف من مواقف، ومن تحالفات بمن في ذلك لحود نفسه. ومع أن كثراً مالوا في فترة من الفترات الى الاعتقاد بوجود تمايز بينه وبين سائر الحلفاء، فإن هؤلاء لا يمانعون اليوم في "تصديق" أن بين برّي و"التحالف" انسجاماً معيّناً.
إذاً، إن التفسير السياسي، في حدّيه الأدنى والأقصى، هو التفسير "الأبسط". بيدَ أن هذا التفسير الذي يعطي برّي "حقّه" في أن يكون طرفاً سياسياً، بمواقف "حرّة" أو "مضغوطة"، لا يشفعُ لبرّي كرئيس لمجلس النواب مِن "واجبه" أن يدير المؤسسة الدستورية وما يسمّى اصطلاحاً "اللعبة البرلمانية".
خطاب الولاية حزيران 2005 والتناقض معه اليوم
في 28 حزيران 2005، اعتلى نبيه برّي منصّة رئاسة المجلس النيابي، رئيساً منتخباً للمرّة الرابعة. وفي "خطاب الولاية"، شرحَ كيفية إدارته للمؤسسة النيابية منذ أن انتخب رئيساً لها للمرة الأولى في العام 1992، مستعملاً "الماضي" ليتحدّث في "المضارع". يومها قال "لم أكن أدير مهمّتي على رأس السلطة التشريعية بصفتي ممثلاً لطائفة أو مذهب أو فئة أو جهة أو حزب".
فهل يشكّل الامتناع عن التصدّي لخرق دستوري من جانب لحود، ينسجم مع "إعلان النوايا" قبل عام ونصف العام؟ هل كان موقفه ليكون هو نفسه لو كان الشغور المطلوب ملؤه يتعلّق لا سمح الله بأحد نوّابه أو أحد نوّاب حلفائه؟
ثمّ، إن الأهم في ما قاله برّي في "خطاب الولاية" هو أن "المجلس النيابي مسؤول تماماً عن وضع اتفاق الطائف بكلّ بنوده موضع التطبيق"، قبل أن يضيف آنذاك "لا بدّ أن نكون مستعدّين لتجديد دور مجلس النواب في عملية الحوار والوفاق الوطني".
إن التذكير هنا بما قاله برّي عن اتفاق الطائف، لا يهدف الى نزع صفته كأحد أبرز الداعمين لهذا الاتفاق. لكنه يهدف بالتأكيد الى حثّه على مقاربة كل ما يجري الآن من زاوية اتفاق الطائف. فهل يحقّ لإميل لحود عدم التوقيع على مرسوم دعوة الهيئة الناخبة في المتن بموجب اتفاق الطائف والدستور؟ وهل أن المطالبة بما يسمّى الثلث المعطّل تندرج في إطار الطائف؟ وهل الشراكة الوطنية التي يُؤطّرها اتفاق الطائف تكون بالخروج منها أصلاً؟
أخطر من قرار إعدام المجلس..
عدم إقرار المحكمة
إن ما تقدّم ذكرُه يتعلّق بأمر خطير، هو قرارٌ بتعطيل مجلس النواب عبر قرار من بعبدا "مرسل" من دمشق. لكنه ليس الأخطر.
في 28 حزيران 2005، التاريخ إيّاه، أعلن برّي أن "هذا المجلس (القائم اليوم) يحملُ الأمانة من المجلس السابق ويتّخذ صفة الادعاء تجاه جريمة كبرى ارتكبت بحقّ الوطن". والجريمة الكبرى هي اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
ليس ثمة شك لدى أحد في موقف الرئيس بري من الجريمة الإرهابية بحق الوطن. لكن الجريمة "وصلت" اليوم الى المجلس النيابي الذي اتخذ صفة الادعاء فيها، أي ان نظام المحكمة التي ستحاكم المجرمين صار "أمام" مجلس النواب.
لا يزال بري يرفض تسلم المجلس هذه الأمانة. ويرفض دعوة المجلس الى الانعقاد لإقرار نظام المحكمة ذات الطابع الدولي. و"الأنكى" ان بري "يتحدى" الأكثرية ان تختبر "حقيقة" موقفه وموقف "حزب الله" والعماد ميشال عون من المحكمة، كما قال أمس لإحدى الصحف، او كما نقل زواره الى هذه الصحيفة، مضيفاً "لن أوقع أي مرسوم ما لم يكن مذيلاً بتوقيع رئيس الجمهورية". يا له من اعتراف جديد من جانب برّي بتوقيع لحود (!)
الجميع يعرف ان بري يعرف أن لحود لم يوقع مرسوم إحالة اتفاقية التعاون بين لبنان والأمم المتحدة الى المجلس النيابي، وعليه فان بري يتبنى علناً شرطاً مانعاً لإقرار المحكمة في مجلس النواب.
مراحل تهرّب بري من المحكمة الدولية
وعلى أي حال، ولأن الرئيس بري يعرف ذلك تماماً، فهو قدم عروضاً عديدة الى الحكومة وفريق الأكثرية.. وكل ذلك بهدف تجنب اقرار المحكمة في المجلس.
في الفترة التي سبقت "عودة" مرسوم المحكمة من بعبدا الى السرايا الحكومية، وكان الأمر معروفاً، "اقترح" بري على الحكومة ان تعدل الاتفاقية بما لا يوجب عرضها على المجلس النيابي. وذُكر في هذا المجال ان تعديلين اقترحا، يتعلق الأول بالكلفة المالية للمحكمة، ويتعلق الثاني بزمن المحكمة أي أن يكون سنة واحدة بدلاً من ثلاث سنوات. وهذان التعديلان الرئيسيان اقترحا، على أساس عدم الإشارة الى الكلفة المالية، لأن أيّ ذكر لها يستوجب موافقة مجلس النواب.
على الأرجح، قامت الحكومة بمناقشة هذين "الاقتراحين"، بما في ذلك مع الدائرة القانونية في الأمم المتحدة. وليس واضحاً حتى الآن ما إذا كان ممكناً السير فيهما بعد ان كانت الحكومة وافقت على المسودة وفيها البندان المالي والزمني، وأقرها مجلس الأمن وأقرتها الحكومة مرة أولى، وأحالتها الى لحود قبل ان تؤكد عليها بعد رفض رئيس التمديد التوقيع.
إذاً، حاولت الحكومة "مداراة" وضع بري، لكنها ليست على استعداد في جميع الأحوال لـ"تهريب" موضوع المحكمة، الشديد الاتصال بالوحدة الوطنية اللبنانية من جهة وبالاستقرار السياسي والحريات من جهة أخرى.
... ثم جاء من يقول للحكومة إن عليها بعد إعادة تأكيد موافقتها على المرسوم الذي رده لحود، أن تعيد إرساله إليه وألا تنشره. ومن قال ذلك للحكومة "ادعى" أن الرئيس بري لن يمانع عندئذ في "وصول" الاتفاقية إلى المجلس. ومع أن ذلك الكلام المنسوب الى بري لم يتأكد "مئة في المئة"، فإن مقرّباً منه عاد ليؤكد للحكومة وللأكثرية على السواء، أن الموافقة على المحكمة الدولية ستكون أول مهمة أمام "حكومة الوحدة الوطنية".. أي أن المطلوب استئخار إقرارها لا بل العودة الى مناقشتها من الأساس. وهذا المعطى، أقرب إلى التصديق، بعد أن رفض "التحالف السوري ـ الإيراني" السير في إقرار المحكمة الدولية مقدمة للذهاب نحو "حكومة الوحدة الوطنية".
خلاصة القول إذاً أن الرئيس بري، وقد باتت المحكمة الدولية "أمام" مجلس النواب أي ان المجلس يشكل محطتها الدستورية الأخيرة، يرفض تماماً دعوة المجلس إلى إقرارها.. أي أنه عملياً يرفض إقرارها.
الدورة العادية تنتهي في 31 الجاري
ولمزيد من التشديد على هذا الاستنتاج، لا بدّ من الإشارة الى أن الدورة العادية لمجلس النواب تنتهي في الواحد والثلاثين من كانون الأول الجاري. والدورة العادية المقبلة هي في آذار المقبل. وفي الفترة الفاصلة بين نهاية الشهر الحالي وشهر آذار المقبل، يحتاج الأمر الى دورة استثنائية بمرسوم يفترض ان يوقعه لحود ولن يوقعه. ومعنى ذلك، ان المحكمة الدولية يجب أن تقر في ما تبقى من أيام كانون الأول الحالي، وإلا تكون استؤخرت أكثر فأكثر. فهل هذا ما يريده بري؟ هل هذا ما يرضيه ويرضي حلفاءه الذين كانوا على الدوام وراء تعطيل إقرار المحكمة الدولية؟ أليس بري من نُقل عنه أن النظام السوري لا "يحبّ" أبداً سماع كلمة المحكمة الدولية؟
عنوانان خطيران جداً يتراوح موقف بري منهما بين الامتناع عن الموقف كما بالنسبة الى خرق لحود الدستور في موضوع الانتخابات الفرعية في دائرة المتن الشمالي، وبين "التهرب" كما بالنسبة الى المحكمة الدولية. وفي العنوانين، من الواضح أن ثمة تعطيلاً لدور المجلس النيابي أي لكونه المؤسسة الحامية للدستور والحامية للوحدة الوطنية.
رئيس المجلس يحيل المجلس على إجازة مفتوحة
والحال، في امتداد العنوانين الخطيرين الآنفين، أن ثمة قراراً لدى الرئيس بري بعدم دعوة المجلس الى الانعقاد في ظل الأزمة السياسية التي تشهدها البلاد... لا بل ثمة قرار لدى بري بإحالة المجلس الى التقاعد المبكر، فلا اجتماعات لجان نيابية ولا جلسات مناقشة ولا لقاءات نيابية في مقر المجلس. فهل هذا هو دور مجلس النواب، أي أن يكون في إجازة مفتوحة؟ أم أن في الأمر تفريغاً للمؤسسة الدستورية الأم من وظائفها؟ أم أن المطلوب لعودة المجلس الى وظائفه وأدواره أن تنخفض الأكثرية بالإعدام؟
في 28 حزيران 2005، قال بري في "خطاب الولاية" الذي يخشى كثيرون أن يغدو "خطاب قسَم" آخر "آليت على نفسي التزام النظام الداخلي للمجلس". فهل هذا هو الالتزام؟
إن "رئيس مجلس النواب" مسؤول عن حماية المؤسسة ككل. وعندما يحمي الأكثرية إن حمى، فإنما يحمي المؤسسة. وواقع الأمر أنه "الآن" لا يؤدي هذا الدور.
بطبيعة الحال، لا يختصر أداء بري الحالي "تاريخ" أدائه في رئاسة المجلس، وفي هذا "التاريخ" أشياء إيجابية كثيرة. بيد أن ما يبقى في الأذهان، يتصل بالفترات "العصيبة".
على الأكثرية تحميل بري مسؤوليته
وكي لا يبقى في الذهن أن مجلس النواب خُطف، وأن رئاسته منعت وصول المحكمة الدولية الى الهيئة العامة، على الأكثرية التصدّي لهذا الواقع... والاحتجاج عليه في أقل تقدير.
لا مفرّ أمام الأكثرية من عقد اجتماع نيابي يعلن تأييده لنص المحكمة الدولية ويطالب بري بعقد جلسة. ولا بد للأكثرية في حال رفض بري الدعوة، أن تحمّله المسؤولية أمام الشعب. وهو القائل في خطاب 28 حزيران 2005 أن "رئاسة المجلس النيابي كما أي مسؤولية وطنية أخرى هي تكليف وليست تشريفاً، وهي تجعل من رئيس المجلس النيابي مسؤولاً ليس أمام ممثلي الشعب فحسب بل أمام الشعب وليس عنه".
على الأكثرية أن تبلّغ المراجع المعنية، لا سيما الأمم المتحدة، بأن أكثرية المجلس النيابي ممنوعة من حقها بالموافقة على المحكمة الدولية لأن المجلس النيابي ككل صدرت فيه مذكرة توقيف. وعلى الأكثرية أن تضغط لمنع تحويل "التوقيف" الى أمر واقع "نهائي".
غني عن القول أن النقاش الآنف هو نقاش حول دور بري كرئيس للمجلس النيابي، يفرض عليه موقعه موجبات حددها بنفسه عندما قال إنه في هذا الموقع لا يمثل طائفة أو مذهباً أو فئة أو جهة أو حزباً. وهو ليس نقاشاً في دوره كرئيس لفريق سياسي سيبقى فريقاً أساسياً في أي حوار وطني وأي تسوية مقبلة. لكن لماذا يخسّر بري نفسه ما راكمه من إيجابيات طيلة العام الماضي، إيجابيات جعلت منه أكثر الأطراف اللبنانية قدرةَ على "التوسط" بين الآخرين؟ لماذا يحمّل نفسه ما يجب أن يتحمّله آخرون؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.