8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

خدمةٌ وحيدة مطلوبة من "حزب الله": عدم زجّ شيعة المنطقة في الخطر

في ضوء "التجربة" المريرة التي يمرّ بها لبنان في هذه الأيّام، ثمّة مقارنة تفرض نفسها بين حركة 14 آذار 2005 ومفاعيلها لبنانياً وعربياً من جهة وحركة قوى التحالف السوريّ ­ الايرانيّ الحاليّة ومفاعيلها لبنانياً وعربياً من جهة ثانية.
في آذار 2005، وعلى وقع الجريمة الارهابيّة الكبرى التي أودت بحياة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، انطلقت انتفاضة شعبية وطنيّة عارمة تميّزت بعدد من السمات الرئيسية.
14 آذار: حركة سلميّة وديموقراطية".. وتغييريّة
لبنانياً، كانت هذه الانتفاضة الشعبيّة الوطنيّة، كما يدلّ عليها اسمها، سلميّة وديموقراطيّة. سلميّة لأنها لم تستخدم وسائل "إكراهيّة" ولم يتخلّلها عنف من أيّ نوع. وديموقراطية ليس فقط بسبب وسائلها الشعبيّة، بل لأنّها أنتجت تغييراً فعلياً في البلد، نقله من مرحلة الى أخرى بدون قطرة دم واحدة. والحديثُ هنا لا يتعلّق بالدماء التي دفعتها الانتفاضة نفسها جرّاء عمليات الاغتيال المتتالية التي ارتكبها النظام المخابراتي في سوريّا وامتداداته وشبكاته في لبنان.
حقّقت انتفاضة آذار 2005 تغييراً ملموساً، تغييراً الى الأمام. بيدَ ان سلمية الانتفاضة لا تقتصر فقط على طبيعة الأساليب المعتمدة. ذلك انّ سلميّة انتفاضة آذار 2005 تتّصل باعتبارين جوهريّين. الأوّل هو انّ تلك الانتفاضة توّجت أو ظلّلت التقاء لروافد من طوائف لبنانيّة متعددة، التقاء اسلامياً ­ مسيحياً، التقاء لنتائج مخاض استقلاليّ داخل طوائف رئيسيّة، فكانت بهذا المعنى تعبيراً أهلياً مختلطاً، وتعبيراً عن مجتمع "مدني" أوّلي. والثاني هو انّ هذه الانتفاضة التغييريّة، كانت ومنذ "لحظتها" الأولى واعية لضرورة اكتمال النصاب الوطنيّ ­ الطائفيّ كي تتحقّق الشراكة بين مختلف الطوائف في لبنان في المرحلة المقبلة.
صحيحٌ في حينه ما قيل حول انّ 8 آذار كان سبباً لـ14 آذار، بمعنى انّ 8 آذار بعنوان "شكراً سوريّا" استفزّ قسماً كبيراً من اللبنانيين فـ"حضّهم" على المشاركة في 14 آذار، وبمعنى انّ نزول "حزب الله" الى ساحة رياض الصلح بقضّه وقضيضه يومئذ، بدا إعلاناً من جانبه عن انّه سيقود الاعتراض على التغيير. غير انّ الصحيح أيضاً، هو انّ "ناس 14 آذار" بحسّهم وحدسهم لم يرفعوا في ساحة الشهداء أيّ شعار معادٍ لفريق طائفيّ، أي فريق يمثّل طائفة بالرغم من اصطفاف هذا الفريق في موقع متناقض. كانت شعارات "ناس 14 آذار" مركّزة ضدّ الوصاية والنظام الأمنيّ ومع الحقيقة والمحكمة الدولية.
والأمانة تقتضي القول هنا ان "حركة 14 آذار" لم تكن يوماً حاصل الجمع العدديّ للقوى السياسيّة الملتقية حول الاستقلال والسيادة، ولم تكن يوماً حاصل الجمع العددي لـ"قواعد" هذه القوى. كانت باستمرار "أكبر" من القوى السياسيّة وتعبيراً عن "حالة" أهليّة ­ مدنيّة ­ شعبيّة. وكانت القوى السياسيّة "متخلّفة" عن الحالة هذه. ولعلّ أخطاء القوى في فترات معيّنة أصابت "الحالة" بالفرز وحرّكت المخاوف الطائفيّة، لكنّ اعادة القوى ضبط ايقاعها على النبض الشعبيّ في وقت لاحق، أدّت الى استعادة الحركة بما هي انتفاضة تغييريّة موقعها.
"معجزة" التغيير.. من دون حرب أهليّة
بكلام آخر، انّ الأهمّ لبنانياً، هو انّ حركة 14 آذار 2005 حقّقت "معجزة" بالمقاييس اللبنانية، اذ قادت الى تغيير ملموس الى الأمام من دون حرب أهليّة، على اعتبار انّ التاريخ اللبناني المعاصر يفيد ان "التغيير" كان على الدوام "مشروع حرب أهليّة" في البلد. و"الفضلُ" في ذلك يعود الى "الناس" ووعيهم ويعود الى وعي ضرورة اجتناب الممرّ العسير.
أمّا عربياً، فإنّ حركة 14 آذار 2005 شكّلت قوّة دفع. فإذ بدا واضحاً انّ لهذه الحركة بعداً عربياً "ديموقراطياً"، كانَ من المنطقيّ أن تُستقبل على الصعيد العربي بشقّيه "الرسمي" و"الشعبي" بترحيب.
قوّة دفع في الوضع العربي
على الصعيد "الرسمي" العربي، لم تكن 14 آذار 2005 لتثير مخاوف. فالحركة ليست انقلاباً بالقوة على الحكم في بلادها، بل انتفاضة على "وصاية" وعلى استتباع وإلحاق، وثورة ضدّ الجريمة ومع الحريّة. وفي السياسة العامّة، تنتمي حركة 14 آذار الى عروبة معتدلة "جديدة". وفي "العمق"، مثّلت حركة 14 آذار 2005 في هذا الجانب خروجاً على "الثنائيّات" التقليدية: الرجعي والتقدمي، الشرق والغرب الخ.. لتقدّم "نموذجاً" اذا جاز التعبير لحركة عربيّة ملتزمة بالقضيّة المركزيّة للصراع العربي ­ الاسرائيلي أي القضيّة الفلسطينية، بانفتاح على المجتمع الدوليّ والغرب لكن بدون "اصطفاف"، حركة عربيّة قادرة على اعادة صوغ الدور العربيّ للبنان. وأكثر من ذلك، يمكن القول انّ حركة 14 آذار 2005، مثّلت "البديل" من "التغيير الأميركي ـ الغربيّ" الذي "ظهر" في المنطقة وحصل معه ما حصل في العراق مثلاً.
لا شكّ انّ هذه النقطة بحاجة الى نقاش "أعمق". لكن يُسجّل لمصلحة لبنان انّ حركة تغييريّة "وطنيّة" برزت فيه تنسّب نفسها إلى العروبة المنفتحة وإلى الديموقراطية في آن.. أي يسجّل للبنان انّ حياته السياسيّة استطاعت الصمود طيلة عقود بالرغم من محاولات إفنائها على يد النظام السوريّ، واستطاعت أن تحافظ على قدر من "الحيويّة" بالرغم من محاولات النظام السوريّ "تعليبها".
ولا مبالغة في القول انّ حركة 14 آذار 2005 شكّلت للوضع العربيّ "الرسميّ" حافزاً إلى إعادة صياغة ما يمكن تسميته "منظومة عربيّة" تسعى إلى تغيير الموقف الدولي من الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وتتخطّى "الثنائيّة" التي فرضت على المنطقة العربيّة خصوصاً بعد أحداث أيلول 2001 في الولايات المتحدة، أي ثنائية الإرهاب ـ الديموقراطية، لتعيد الاعتبار إلى موقع العرب في البحث عن حلّ للقضيّة الفلسطينيّة.
أمّا على الصعيد العربي "الشعبي"، فقد شكّلت انتفاضة آذار 2005 نوعاً من النموذج الشعبي والديموقراطيّ حيث "التآخي" الإسلامي ـ المسيحيّ يستطيع أن يكون بديلاً من العنف الأعمى ومن الفوضى ومن الاضطرابات على أنواعها. وبمعنى محدّد، يمكن القول انّ هذه الحركة كانت تبشّر بإمكانيّة التأثير إيجاباً في مجرى ضبط المنطقة ككلّ والحؤول دون مزيد من إنزلاقها نحو الفوضى.
كلّ ما تقدّم ذكره يمكن نقاشه لا بل "يجب" نقاشه. وقد تكون بعض استنتاجاته بحاجة إلى تعمّق. لكنّ ما تقدّم يرسم صورة جدّية حول هذا المكوّن الأساسيّ في حياة لبنان الوطنيّة.
حركة "حزب الله" المضادّة: على مفترق الصدام
في المقابل، وفي إطار المقارنة، يمكن القول انّ حركة قوى التحالف السوريّ ـ الايرانيّ الحاليّة تسيرُ في اتجاه مغاير.
لهذه الحركة "المضادّة"، و"حزب الله" على رأسها، جماهير بالتأكيد. لكنّها تتميّز بداية بأنّها "سلبيّة"، أي أنّها "ضدّ" شيء تمّ إنجازه، و"ضدّ" فريق من اللبنانيين، وتتطلّع إلى إحداث "تغيير" سمته الرئيسيّة انّه يهدف إلى العودة إلى "ما قبل" 14 آذار، أي انّه ليس تغييراً إلى الأمام.
وهذه الحركة "المضادّة" أدّت إلى "الفرز" بدلاً من "الجمع". فهي إذ تتميّز بطابعها الشيعيّ الطاغي، أدّت إلى "هزّ" الوحدة الإسلاميّة وإلى فرزها سنّياً وشيعياً، وإلى "مشاكل" في الوضع المسيحيّ، وإلى استنفار طائفي ومذهبي كبير.
تشقّ الحركة "المضادّة" هذه مساراً معاكساً. وإذا كان صحيحاً القول انّها سلميّة حتى الآن بالرغم ممّا تخلّلها من محاولات عنفيّة لم تنجح، وأبرزها محاولة اقتحام السرايا الحكوميّة، فإنّها مرشّحة بطبيعتها لأن تكون صداميّة و"تفجيريّة" ما دامت مشروعاً سلطوياً وما دامت مشروع غلبة.
إذاً هي حركة "مضادّة"، سلميّة حتّى "إشعار آخر"، لكنّها غير ديموقراطيّة لأنّها تتوخّى إسقاط سلطة نتجت عن عمليّة ديموقراطيّة، خارج أيّ عمليّة ديموقراطيّة. ويمكن أن ينتج عنها إمّا الفوضى والفراغ وإمّا الصدام.
المسألة الشيعية
لو كانت الحركة "المضادّة" هذه تحاول التعبير عن مخاوف وهواجس الطائفة الشيعيّة لكان المطلوب احتضانها ورعايتها والتعاطي معها بشكل مختلف. وفي جميع الأحوال "يجب" النظر إلى "حقيقة" انّ في البيئة الشيعيّة مخاوف لا بدّ من الفرز بين ما هو حقيقي منها وما هو غير حقيقيّ، ذلك انّ الطائفة الشيعيّة مثلها مثل الطوائف الأخرى تمرّ بفترات من "القلق" الطبيعيّ والمشروع.
غير انّ ثمّة خطاباً مزدوجاً لدى "حزب الله". في الخطاب "الداخليّ" الموجّه إلى الشيعة، والذي يحاول "حزب الله" من خلاله استنفار الطائفة، تجري التعبئة على أساس انّ ثمّة استهدافاً للشيعة، وانّ العنوان المتعلّق بـ"سلاح حزب الله" هو الاستهداف للشيعة في لبنان. أمّا في الخطاب "الخارجيّ" الموجّه إلى اللبنانيين، فإنّ "حزب الله" حاول من دون نجاح إعطاء بُعد "لبناني" لحركته، وانزلق إلى مسار يركّز على الوضع السنّي يتجلّى بالهجمات المتتالية على "تيّار المستقبل" ورئيسه وأركانه وعلى القوى السنّية التي تؤازر "تيّار المستقبل". وفي خطابه "الخارجي"، الذي يسعى من خلاله إلى التجييش "الشعبيّ"، لا يخفى انّ للحركة "المضادّة" أبعاداً لا علاقة لها بـ"مصالح" الشيعة في لبنان، أي أبعاداً تتّصل بمشروع اقليميّ.
الحركة "المضادّة" تضع لبنان في صميم انقسام وطنيّ خطير إذ تستنفر الطوائف وتضع بعضها في مواجهة بعض، وتضع البلد في صميم مواجهة إسلاميّة ـ إسلاميّة، سنّية ـ شيعيّة، لكنّها أكثر من ذلك يمكن إذا استمرّت أن تدخل الوطن في حرب أهليّة.
في النظر إلى الحركة "المضادّة" لبنانياً، لا شكّ انّها إذ تقدم نموذجاً مناقضاً لنموذج حركة 14 آذار، فهي لا تشكّل بديلاً من الحرب الأهلية، بل هي "قابلة" للتطوّر إلى فتنة انطلاقاً من الساحة الإسلاميّة.
وإذا كان الصدام الأهلي لم يحصل حتى الآن فلأنّ أداء حركة آذار خلق توازناً منع هذا الصدام. وبكلام آخر، إذا كان "المشروع" الذي تحمله الحركة "المضادّة" لا يملك دينامية سلمية نظراً إلى عوامله ومنطلقاته، فإن دينامية 14 آذار المقابلة، استطاعت حتى الآن منع استدراج الفتنة.
"حزب الله" يستورد بدلاً من أن يصدّر
بيد ان التداعيات الأخطر لمشروع الحركة "المضادّة" في لبنان تتجلّى على الصعيد العربي.
حتى الآن، جرت مناشدة "حزب الله" التوقّف عن المضيّ في حركته تحت عنوان انه يسيء إلى "سمعته" و"صورته" في العالمين العربي والإسلاميّ.
صحيح أن "حزب الله" كان يملك سمعة كبيرة راكمها خلال صراعه مع إسرائيل. وصحيح ان حركته المضادّة في لبنان تسيء إلى هاتين السمعة والصورة، ما دامت تحمل أبعاداً "فتنويّة" داخلية. غير ان ما يجب أن يسمعه "حزب الله" شيء آخر أكثر عمقاً.
ان ما يقوم به "حزب الله" في لبنان الآن، يستحضر إلى لبنان نموذجاً صدامياً عنفياً موجوداً في المنطقة بدلاً من أن يقوم بتصدير نموذج لبنان في العيش المشترك، وفي إطاره الوحدة الإسلامية.
ان ما يقوم به "حزب الله" في لبنان الآن، لا يصدم سنّة المنطقة الذين ناصروا مقاومته ضدّ إسرائيل فقط، بل ان أداءه في لبنان يقود إلى التحريض على الشيعة في الدول العربية ويعرّضهم لأخطار ويجهض في آن مشروعهم للاندماج في أوطانهم ومشروع تجاوز الانقسام المذهبي في هذه الأوطان.
ان ما يقوم به "حزب الله" في لبنان الآن، لا يستوي مع كونه حزباً إسلامياً نظر إليه المسلمون العرب سنّة وشيعة على انه ذو تجربة مميّزة. ذلك ان حزباً إسلامياً بتجربة "حزب الله" ينبغي أن يكون هدفه "تصدير" غنى التجربة اللبنانية وليس "استيراد" ويلات تجارب إسلامية أخرى. وهذا الموضوع أهم بكثير من "الثلث المعطّل" الذي يطالب به.
أهمّ بكثير لان "حزب الله" مشارك في الحياة الوطنية و"الثلث المعطّل" هو لغيره في دمشق وطهران.. ولأن "حزب الله" الذي ترعرع في مناخ التجربة اللبنانية يجب أن يكون وفياً لها.
خدمة وحيدة: منع الفتنة الشيعية ـ السنيّة
لذلك، لو كان "حزب الله" لا يزال قادراً على إسداء خدمة واحدة فقط، للشيعة قبل غيرهم، فهذه الخدمة هي الانسحاب من الشارع ليس فقط من أجل عدم الانزلاق إلى الفتنة في لبنان، بل من أجل المساهمة في استقرار المنطقة، ومنع خطر مزيد من الاقتتال السنّي ـ الشيعي.
الطريق السياسي المسدود أمام الأهداف "اللبنانية" للحركة "المضادّة" يجب أن يدفع "حزب الله" إلى تغليب أولوية إنقاذ الوضع الإسلامي في لبنان والمنطقة من الفتنة، لا النفخ في أوارها.
"انك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00