ثمّة حاجة دائماً إلى جرعة أو جرعات من التفاؤل لأنّ التفاؤل من ضرورات الحياة.
غير انّ للتفاؤل حدوداً، هي حدود الوقائع والمعطيات والموازين. وعلى هذا الأساس، وفي ظلّ حماوة المسعى العربيّ لحلّ الأزمة اللبنانيّة، يجب ألا تضيع المعايير فتضيع معها "البوصلة".
"النصوص" و"الرزمة"
في "النصوص" المطروحة للمبادرات، هناك سلّة متكاملة، متوازنة، من العناوين المتوازية التي تقترح المبادرات معالجتها معاً للاتفاق عليها جميعاً كرزمة. وعلى نحو إجمالي، تتضمّن المبادرات أن يقرّ الفرقاء اللبنانيون بشكل متوازٍ عناوين المحكمة الدوليّة ورئاسة الجمهوريّة والقرار 1701 وباريس ـ3 من ناحية، في موازاة إقرار تشكيل "حكومة وحدة وطنية" من ناحية أخرى.
في "المبدأ" إذاً، انّ "النصوص" تتضمّن تسوية متكاملة لو أخذ بها لشكّلت مخرجاً فعلياً من الأزمة المباشرة الراهنة.
الفريق الآخر.. خارجيّ
بيد انّ الموضوع ليس هنا. ذلك انّ من يجب أن يوافق على العناوين الموازية لـ"حكومة الوحدة الوطنية"، هما طرفان خارجيان: النظام في سوريّا والنظام في إيران، أي انّ الاتفاق على التسوية لا يمكن أن يكون اتفاقاً لبنانياً لأنّه يتعلّق بأطراف "ثالثة". وإذا كان "ظاهر" الأمر انّ الصراع في لبنان يدور بين فريقَين لبنانيين، فـ"حقيقته" انّه صراع بين فريق لبناني تمثّله حركة 14 آذار والحكومة من جهة، وفريق خارجيّ هو محور دمشق ـ طهران الذي يخوض المواجهة مع حركة 14 آذار بـ"الواسطة" عبر التحالف الذي يقوده "حزب الله" من جهة أخرى.
وعلى "افتراض" انّ حركة 14 آذار مدعومة من مجمل النظام العربيّ ومن النظام الدوليّ، فالحال ان "خارجَها"، أي الخارج العربيّ ـ الدوليّ الذي تتّكئ عليه، ليسَ على علاقة بـ"خارجهم" المتمثّل بالمحور السوري ـ الايراني. فكيفَ يمكن في ظلّ هذه "الصورة" أن تتوصّل حركة 14 آذار إلى اتفاق مع فريق التحالف السوريّ ـ الايرانيّ في لبنان؟.
المشروع الايرانيّ قائم و"حزب الله"
جزء عضويّ تنفيذيّ منه
وكي تكون "الصورة" واضحة تماماً، لا بدّ من العودة إلى التذكير بقضايا أساسيّة.
ثمّة مشروع ايراني في المنطقة، يتطلّع إلى إلحاق لبنان به، هدفه "الاستيلاء" على الصراع العربي ـ الاسرائيلي وقضيته المركزيّة أي القضيّة الفلسطينية، ويعمل للتوسّع في "الشرق الأوسط" ليشكّل قوّة إقليمية "امبراطورية" تحتكر المواجهة مع النظام الدوليّ، والولايات المتحدة أساساً، وتحتكر التسوية معها في الوقت "المناسب" أيضاً. ولضرورات المواجهة الآن، والتسوية لاحقاً، تحتاج إيران إلى "الساحة اللبنانية". وبما انّ الحدود الايرانية ـ الاسرائيليّة بواسطة "حزب الله" زالت بالقرار 1701، أعطى "الوليّ الفقيه" لـ"حزب الله" فتوى الانقضاض على السلطة في لبنان للامساك بهذه "الساحة" ومحاولة "إحياء" الحدود الايرانيّة ـ الاسرائيليّة.
في هذا الشقّ من الموضوع، من الواضح إذاً انّ ثمّة شطراً رئيسياً من الوضع اللبناني يتّصل بـ"المشروع" الايرانيّ وبالقرار الايرانيّ لأن "حزب الله" عبارة عن "جزء" عضويّ تنفيذيّ تنفيذيّ من هذا المشروع و"مُطالب" ايرانياً بتطبيقه في ما يتعلق به.
النظام السوريّ لا ولن يوافق على المحكمة الدولية
لكن للمشروع الايراني جانباً اضافياً متداخلاً مع الوضع اللبنانيّ، هو علاقته بالنظام السوريّ وقد أدخله في "منظومة" حمايته من ناحية، وجعل منه احدى بواباته في المنطقة سواء تعلّق الأمر بفلسطين أو بلبنان من ناحية ثانية. وبهذا المعنى، فإنّ النظام في دمشق، هو أيضاً "جزء" عضويّ من الاستراتيجية الايرانية. ولمّا كانت المحكمة الدوليّة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر جرائم الاغتيال الأخرى، تشكّل خطراً على نظام الأسد، فإنّ هذا النظام يرفضها ويسعى بكلّ ما أوتي من أجل منع قيامها. ومن "المفهوم" تماماً أن يسانده النظام الايرانيّ في هذا الموقف.
من هنا، وبالعودة إلى المبادرات المطروحة، لا بدّ من القول انّ بين "النصوص" و"الحركيّة السياسيّة" تناقضاً كبيراً. فإذا كانت "النصوص" جيّدة، فإنّ الجانب السياسيّ "العملي" و"الفعليّ"، يفيد ان نظام بشّار الأسد لن يسمح بأن تمرّ المحكمة الدولية ولن يسمح لحلفائه بـ"مقايضة" أيّ عنوان بالمحكمة، وانّ النظام الايراني ليس في وارد "استثناء" لبنان من مشروعه. فأيّ "مفاوضات" اذاً هذه التي تجري اليوم، في وقت من الواضح ان "أوراق" التفاوض خارج لبنان ولا يستطيع التحالف السوريّ ـ الايراني في لبنان شيئاً حيالها؟. أيّ مفاوضات، في وقت تكلّف دمشق حلفاءها في لبنان الاعتراض على المحكمة الدولية واعتراض قيامها بواسطة خطاب شديد الارتباك؟.
أزمة العلاقات العربية والدولية بدمشق
ومن "الشواهد" الإضافية الأساسيّة على كون المبادرات بين "نصوصها" و"ديناميتها" عرضة للفشل، انها ـ أي المبادرات ـ تحصل في ظل وضع عربي ـ دولي "ضائع" إذا جاز التعبير.
فالعلاقات العربية ـ السورية مأزومة بل مقطوعة، وليس ثمة اتصالات بين العواصم العربية ودمشق، لا بل هناك "يأس" عربي من نظام بشار الأسد تعبّر عنه المواقف المعلنة والاحتجاج على أدائه في المنطقة كلها وفي لبنان خصوصاً. والعلاقات العربية ـ الإيرانية مأزومة وإن كانت غير مقطوعة كلها، وأسباب تأزمها معروفة وذات صلة بالبعد التوسعي للمشروع الإيراني. والعلاقات الدولية ـ السورية والدولية ـ الإيرانية ليست قائمة في ظل المواجهة على المسرح الإقليمي.
الأفق المسدود
لذلك، ينبغي القول ان المبادرات المطروحة لا تملك لكل الاعتبارات الآنفة، أفقاً مفتوحاً بالفعل. وهي، والحالة هذه، لا تعدو كونها محاولة لاستنقاذ لبنان في ظروف لبنانية ـ عربية ـ دولية غير مشجّعة. ومن الدلائل على هذا التوصيف ان التحالف الذي يقوده "حزب الله" لا يستطيع الموافقة على تسوية، ويأخذ على عاتقه صدّها نيابة عن المحور السوري ـ الإيراني الذي يريد القول ان المشكلة لبنانية ـ لبنانية "فقط"، ويمضي في مطالبه غير آبه بمطالب الآخرين.
نظام الأسد: إما تسوية تفوّضه بلبنان أو مواجهة "بلبنان"
من المنطقي أن يستنتج "القارئ" من هذه المقدّمات ان التسوية كي تنجح في لبنان، لا بدّ لها من تسوية عربية ـ سورية، ودولية ـ سورية ودولية ـ إيرانية.
لكن هذا الاستنتاج المنطقي "الأولي" يحتاج إلى تدقيق. ذلك ان التسوية التي يرغب نظام الأسد فيها، هي التي تضمن تفويضاً عربياً ـ دولياً جديداً له في لبنان بصيغة من الصيغ، ومن شروطه "البديهية" إسقاط المحكمة الدولية. بيد ان هذه التسوية المرغوبة من جانب نظام الأسد غير قابلة للتحقيق عربياً ودولياً في ظل حرص النظامين العربي والدولي على استقلال لبنان واستقراره. وفي النظر إلى اقتراحات لجنة بيكر ـ هاميلتون بشأن سياسات أميركية جديدة في العراق، والتي "تنصح" بالتفاوض مع دمشق، يتبين بوضوح ان هذه المقترحات لا تقدّم لبنان هدية إلى نظام الأسد في مقابل تعاونه في المسألة العراقية، لا بل تشكّل هذه الاقتراحات استمراراً للسياسة الحالية لإدارة الرئيس جورج بوش في لبنان. وإلى ذلك، ينبغي أن يضاف أن "تحييد" قدرة النظام السوري على التدخل في لبنان، يتطلب ضغوطاً عالية عليه. أما التسوية الدولية ـ الإيرانية، الأميركية ـ الإيرانية، فهي أيضاً مستحيلة ضمن المعطيات الراهنة.
إذاً، ليس فقط تجري المبادرات في ظلّ أزمة عربية ـ سورية ـ إيرانية ودولية ـ سورية ـ إيرانية، بل تجري في ظل ظروف تسوية مستحيلة مع النظام السوري تبعد تدخله في لبنان، وتعطّل دوره التخريبي في فلسطين والعراق. وأكثر من ذلك، فإن النظام السوري الذي لا يقبل سوى تسوية تتضمن تفويضاً جديداً له في لبنان وشرطها إسقاط المحكمة الدولية، "يراهن" في الوقت نفسه مع النظام الإيراني على "الفشل" الأميركي في المنطقة انطلاقاً من العراق. ويُقال ان النظامين يراهنان على دور موسكو التي كما تردّد، زوّدت إيران نظاماً صاروخياً متجدّداً ومحطة إنذار، وزوّدت سوريا صواريخ أيضاً وبنت فيها محطات إنذار وتنصّت.
التوصيف الدقيق يقود إلى استنتاج ان النظام السوري هو بين تسوية على شروطه هي تسوية غير قابلة للتحقّق، ومواجهة على خلفية ما يسمّى "الفشل" الأميركي. وذلك كلّه بالتوازي مع المشروع الإيراني الذي استتبع سوريا ويسعى إلى إلحاق لبنان وفلسطين.
وهكذا، وسط هذه "الصورة" المتكاملة، يجب القول إن أفق التسوية في لبنان مسدود، وإن التحالف السوري ـ الإيراني في لبنان ليس فريقاً داخلياً بهذا المعنى ولا يملك قرار الاتفاق مع فريق 14 آذار. وهو لا يستطيع الموافقة على المحكمة الدولية، أي على نظامها الأساسي كما أقرّ بين لبنان والأمم المتحدة، إلا إذا وافقت دمشق، وهي لن توافق، وتطلب من "حزب الله" أن يأخذ هذا الموقف بـ"صدره" وقد فعل ذلك مرّات عدّة.
عمرو موسى: المبادرة "المفيدة"
هل تشكّل هذه المقدمات جميعها رفضاً لمبادرة الجامعة العربية وأمينها العام عمرو موسى؟.
طبعاً لا، بل العكس هو الصحيح، ذلك ان التمييز من خلال المقدّمات بين "النصوص" و"الحركية السياسية" يهدف إلى تبيان الحدّ الفاصل بين "التفاؤل" والوقائع "القاهرة".
لكن "المبادرة" مفيدة في حدّ ذاتها من الزوايا الآتية: انها تؤكد الاهتمام العربي بلبنان والمظلّة العربية فوقه، وتدفع الفريق الآخر إلى التفكير بحقيقة انّ مشروعه كما انّه غير لبنانيّ، هو غير عربيّ أيضاً، ولعلّها ـ أي المبادرة ـ تحول دون انزلاق الصراع السياسيّ في لبنان إلى الصدام الأهليّ.. وتؤكد انّ "الحلّ" عندما يحين أوانه لا يمكن إلا أن يكون لبنانياً ـ عربياً.
تعاطي 14 آذار يكشف الفريق الآخر
وبالنسبة إلى 14 آذار، تشكّل "المبادرة" فرصةً لكشف ادّعاء التحالف السوريّ ـ الايرانيّ بأن ما يريده هو المشاركة "فقط".
لقد عرض رئيس الحكومة فؤاد السنيورة صيغةً جدّية تتضمّن تنازل الأكثرية عن أكثريتها. ففي اقتراحه توسيع الحكومة إلى ثلاثين وزيراً على قاعدة 19 +9 +2، لا يتوفّر الثلثان للأكثرية ولا الثلث للأقليّة، لكنّ الاقتراح رفض. وذكر انّ مبادرة عمرو موسى تقترح قاعدة 19 +10 +1 فرفض الاقتراح أيضاً حتى قبل أن يقول الرئيس السنيورة وفريق 14 آذار رأيهما فيه، علماً انّ هذا الاقتراح الأخير يعطي الثلث للأقليّة ولا يعطي الثلثين للأكثرية، وهذا تنازل أكبر لو قبلت الحكومة وحركة 14 آذار به. وبكلام آخر، يجب ألا يخفى على أحد انّ شعار "حكومة الوحدة الوطنيّة" ليس سوى أكذوبة لـ"تغطية" الالتحاق بالمشروع الخارجيّ الايرانيّ.
وعليه، يجب توقّع "الأسوأ". فعندما تكون التسوية مستحيلة تكون البلاد معرّضة لممرات شديدة العسر. وعندما يكون خطاب "حزب الله" قاطعاً للجسور مع الجميع من دون استثناء، ومحرجاً حتّى لبعض حلفائه، تكون البلاد أمام محاولة البعض تجربة "ضرب الرأس في الحائط".
..ومع ذلك، فإن إيمان اللبنانيين بالله قويّ، وإيمانُهم بأنّ لبنان وقد أثبت عبر تجاربه استحالة المشاريع الأقصويّة، سيثبت استحالتها مرّة أخرى.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.