في ضوء تجربة الأيام الأربعة الماضية من المحاولة الانقلابية، يمكن القول من دون تردّد إن "حزب الله" لكثرة ما تحدّث عن "مفاجآت" في "التحرّك" بغية إضفاء طابع "عجائبي" عليه، وقع هو نفسه في المفاجآت، لا بل هو بنى حساباته على تقديرات خاطئة.
كان تقديره أنه بمجرّد أن يبدأ "التحرّك" سيصيب الحكومة والأكثرية التي تدعمها بـ"الرعب"، فينتج عن ذلك استقالة الأولى وتفكّك الثانية، بما يؤدي الى تغيير في المعادلة السياسية. وكان حاول قبلَ يوم الجمعة الفائت، الاتصال بوزراء ونواب من 14 آذار وحلفائها، لإخراجهم من "مكانهم"، لكنه فوجئ بصمود هؤلاء جميعاً.
التقدير الخاطئ المشار إليه هو "الأبسط". ذلك أن التقديرات الخاطئة الأخرى كانت في محاور "استراتيجية" بكل معنى الكلمة.
مفاجأة الوضع المسيحي
بعد استشهاد بيار الجميل
أساء "حزب الله" بوضوح تقدير انعكاسات جريمة اغتيال الوزير بيار الجميل على الوضع المسيحي. فإذا كانت هذه الجريمة قد أدّت الى تحقيق نوع من "الوحدة المسيحية" على المستوى الشعبي، وإلى "ترجيح" الخطّ المسيحي الداعي الى مواصلة مسيرة الاستقلال، وإلى عزل "التيّار العونيّ" في بيئته، فإن "حزب الله" ظلّ على افتراضه أن ما بعد استشهاد بيار الجميل مثل ما قبله، وأن الجنرال على الرغم من خسائره المسيحية قبل الجريمة، لا يزال قادراً على توفير التغطية المسيحية، السياسية والشعبية للمحاولة الانقلابية.
أخطأ الحساب. ومع أن كثراً نبّهوه قبلَ الجريمة الإرهابية الى أنه لن يكون ثمّة شارع مسيحي للتحرّك الانقلابي، فإنه لم يأخذ هذا التنبيه في الاعتبار، لا بل تجاهل المؤشرات الواضحة التي أفرزتها الجريمة وأبرزها "عودة" الوضع المسيحي الى "عرين" البطريرك نصرالله بطرس صفير الذي كانت له مواقف حازمة خلال الأسبوع الذي سبق "ساعة الصفر"، حذّر عبرها من الشارع.
مفاجأة الوضع السنّي المُستنفَر
غير أن "حزب الله" وقع في سوء تقدير "مخيف" للوضع السنّي، على الرغم من "الحساسيّة" المفترض أن تكون لديه بالنسبة الى هذا الأمر.
"أفرط" في الحملة على رئيس الحكومة السنّي وكال له الاتهامات والشتائم و"منح" منابره لكل الشتّامين. و"أفرط" في الحملة على رئيس "تيّار المستقبل" سعد الحريري، زعيم السنّة في لبنان وغالى إعلامُه في التجييش المذهبيّ وفي اختلاق الأخبار. وظن أنه بواسطة بعض سنّة النظام السوري يستطيع أن يغطّي واقع أن "التحرّك" شيعيّ يقوده فريق نيابة عن الشيعة ككلّ.
و"أفرط" في "الخطة الأمنية". نظّم عملية حصار للسرايا حيث يقيم رئيس الحكومة كانت سبباً لاستنفار عربي ـ دولي ضدّه وضدّ نظام الأسد. ونظّم استفزازات في أحياء العاصمة، و"سمح" بانفلات الهتافات ضدّ روح الرئيس الشهيد رفيق الحريري.
بات الشارع السنّي يغلي. وعلى الرغم من الدعوات التي وجهها زعيم "المستقبل" الى الهدوء، كان واضحاً أن عود كبريت كفيل بإشعال الوضع. وكان واضحاً أن "الساحة السياسية" السنيّة الموحّدة بين طرفَيها "المستقبل" و"الجماعة" وغيرهما من قوى الاعتدال، "تعاني" من القدرة على ضبط المشاعر والانفعالات. والغريب أن "حزب الله"، الذي كرّر مراراً أنه يعي الإشكالية الشيعية ـ السنيّة، لا بل حمّل حرب تموز من ضفّتها اللبنانية مهمّة إطفاء هذه الإشكالية، يخطئ في تقدير أوضاع الشارع، في لحظة يمكن القول بكل أسف إن "موضة" المرحلة هي الصراع السنّي ـ الشيعي في غير مكان من العالم العربي.
.. ومفاجأة الموقف العربي على لسان مبارك
سوء التقدير مسيحياً وسنيّاً أنتج مفاجآت إذاً.
غير أن ثمة تقديراً خاطئاً إضافياً وأساسياً للموقف العربي.
فالموقف السلبي من "تحرّك" حزب الله الذي أعلنه الرئيس المصري حسني مبارك، ذو أصل ينبغي أن يكون مفهوماً. فلا يمكن للدول العربية أن تضع المحاولة الانقلابية ضدّ حكومة لبنان إلاّ في إطار مشروع إيراني للتمدّد والتوسّع عربياً. وبكلام آخر، أن الموقف العربي كما عبّر عنه الرئيس مبارك، ليس فقط انتصاراً للبنان أو دفاعاً عن شرعيّته الدستورية. إنه عملياً موقف ضدّ مشروع إيراني قيد التنفيذ، تصيب نتائجه مجمل الوضع العربي.
فإيران تمدّ يدها في فلسطين، وفي العراق، وفي سوريا ولبنان. وتحاول وضع أصبعها في عدد آخر من الدول. وستكون النتيجة لو "تمكّن" المشروع الإيراني خطيرة جداً: خطف القضية المركزية في الصراع العربي ـ الإسرائيلي خطفاً محكماً، وقيام "الامبراطورية الفارسية"، والضغط على النسيج الاجتماعي والديموغرافي في العديد من دول المنطقة.
قد يشاء البعض تفسير الموقف العربي كما عبّر عنه الرئيس المصري، على أنه "دفاع سنّي" عن سنّة لبنان. لكن الحقيقي هو أن الموقف العربي، هو هنا موقفٌ "قوميّ"، فكيف إذا كان المشروع الإيراني ينطوي في أحد أبعاده الرئيسية على "اضطهاد طائفي" في غير دولة عربية؟
حرب تموز بـ"مفعول رجعي"
ففي حرب تموز، شنّ "حزب الله" حملةً على الدول والأنظمة العربية. واتّهمها بالانحياز ضدّ "المقاومة". وكان رئيس النظام السوري بشار الأسد "أفضل" معبّر عن الحملة هذه باسم التحالف السوري ـ الإيراني.
لم يكلّف "حزب الله" نفسه في تموز وآب الماضيين عناء "فهم" أسباب الموقف العربي غير المؤيّد لمبادرة الحزب الى الحرب.
لم يسأل الأسئلة الآتية: كيف يمكن لدول المنطقة أن تقف الى جانب حرب غير مندرجة في إطار الصراع العربي ـ الإسرائيلي؟ كيف يمكن لدول المنطقة أن تؤيّد انقلاباً إيرانياً على "بنية" الصراع العربي ـ الإسرائيلي؟ كيف يمكن للدول العربية أن تقبل بأن يكون الصراع مع إسرائيل تحت راية "قوميّة" فارسية ومذهبيّة شيعيّة؟... وكيف يمكن للدول العربية، التي غطّت لنحو أربعة عقود وجود نظام أقلّوي في دمشق، أن تغطّي تحالفاً "اضطهادياً" لطوائف كبرى في بلدانها، في العراق وغير العراق.
غايةُ القول هنا إن "حزب الله"، الذي "صدّق" أن حربه مع إسرائيل هي لإنهاء التشنّج الشيعي ـ السنّي، "إرتكب" سوء تقدير للموقف، فإذا بالرئيس مبارك يذكّره باسم العرب وبـ"مفعول رجعي" أنه يلعب بالخطوط الحمر. وأهمية أن يصدر هذا الموقف عن رئيس مصر، هي أن مصر كانت حتى الأمس القريب ساعيةً تحت عنوان "استقرار المنطقة" الى حماية بقاء النظام السوري.
أربعُ مفاجآت إذاً واجهت "حزب الله": تماسك الحكومة والأكثرية وصمودها، الوضع المسيحي، الوضع السنّي والموقف العربي. وهي "مفاجآت" لو يدرسها الحزب لأدرك أنه سيدخل في الحائط عاجلاً، ولو يحيلها الى "مركز الدراسات" عنده لربّما نصحه بمراجعة الحسابات قبل فوات الأوان بما في ذلك الانتباه إلى أن "صورته" على الصعيد الشعبي العربي قد اهتزّت بالفعل.
في ضوء هذه المقدّمات جميعها، يمكن القول إن المحاولة الانقلابية التي يقودُها "حزب الله" بلا أفق لبنانياً وعربياً، ودولياً بطبيعة الحال. ذلك أنها ومنذ اللحظة الأولى تصطدم بـ"جدران" الوقائع المحلية والخارجية.
وإذا كان مِن الصعب، إن لم يكن من المستحيل، تقدير أن "حزب الله" سيعيد النظر في حساباته، لأن ارتباطه "البنيوي" بإيران وبمشروعها الإقليمي تالياً، يمنعه من الحساب العقلاني، فإن قضية أخرى حول الشيعة في لبنان، ينبغي إثارتها وتتعلّق مباشرةً بالرئيس نبيه بري و"حركة أمل".
التمييز بين الشيعة وأحزاب الشيعة
قيلَ الكثير وكُتب الكثير عن بري. وجرت محاولة تشجيعه على التمييز بين موقعه رئيساً لحركة "أمل" وموقعه رئيساً لمجلس النواب. ووجّهت إليه النداءات المتتالية من الداخل ومن الخارج، من أجل أن يستأنف مبادرة الحوار أو التشاور. وبصراحة كاملة، يمكن القول إن فريق 14 آذار أبدى تفهّماً استثنائياً لـ"الوقائع" التي "فرضت" على الرئيس بري الذهاب مع "حزب الله" الى الحدّ الأقصى، أي الشارع لإسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة.
بيدَ أن مقاربةً من زاوية شيعية لما آل إليه أداء بري، تقود الى استنتاج ينبغي أن يأخذه رئيس المجلس في الاعتبار.
لقد سمح أداء بري، أي مشاركته في تحرّك "حزب الله" وبشعارات الحزب، بالحديث عن تحرّك شيعي، عن تحرّك للطائفة الشيعية. وأدّت مشاركته الى الحديث عن الشيعة "ككلّ" ومن دون تمييز، أي أنه أعطى لـ"التحرّك" بعداً شيعياً كلياً.
وأخطر ما في النتائج أن "الاستنفارات" و"الاحتقانات" تتمّ "ضدّ" الشيعة، حيث بات الشيعة كلّهم "حزب الله" و"حزب الله" هو الشيعة.
صار "الشرحُ" للواقع الشيعي أصعب. لم يعد سهلاً القول إن "حزب الطائفة" ليس الطائفة كلها، أو إن التمثيل السياسي للشيعة ليس تفويضاً لهذا التمثيل بأن يقتتل ضدّ الآخرين باسم الشيعة.
لم يعد سهلاً القول إن اتفاق الطائف ميّز بين الطائفة وبين حزبها أو أحزابها.. وأن الطائف عندما تحدّث عن العيش المشترك لم يعنِ الائتلاف بين أحزاب الطوائف.. وأنه يضمن حقوق الطوائف، بمن فيها الشيعة حتى لو خسر "حزب الطائفة".
الى بري: إستنقذْ شيعتك من النبذ
إن "اندماج" الرئيس بري في حركة "حزب الله"، على الرغم من ظروف هذا "الاندماج" وسياقه، وضع الشيعة ككلّ في موقع لا يحسدون عليه، مع أن أصواتاً شيعيّة مستقلّة كثيرة عبّرت عن نفسها في الآونة الأخيرة اعتراضاً على أخذ الشيعة الى خارج الوفاق الوطني.
إنها جريمة كبرى أن يجري نبذُ طائفة من مجمل الاجتماع اللبناني. إنها جريمة كبرى أن يقود أداء ممثّلي الشيعة الى هذه النتيجة: ظهور الشيعة في مواجهة كل الطوائف الأخرى، على الرغم من أن هذه الطائفة أعطت للبنان الكيان ولبنان الدولة كل دعم. إنها جريمة كبرى أن يُحاسب الشيعة ككلّ على فعل "فصيل" أو أكثر.
لذلك، وقبل أن يفكّر الرئيس بري في استئناف دور ما، عليه أن يفكّر في استنقاذ الشيعة من النبذ، وأن يتراجع عن مواقفه الأخيرة، فلا شيء حتى التهديدات، ينبغي أن يمنع وقاية طائفة لبنانية بامتياز. صحيح أن الأصوات المستقلّة ستستمرّ تنادي كل الوطن، لكن على بري أن يساهم في وقف "الحفر الإيراني" لكراهية الشيعة في البيئات الأخرى.
إنه مفصل أساسي في تاريخ لبنان. إنه مفصلٌ أساسي في تاريخ الشيعة اللبنانيين. وللبحث صلة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.