8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"حزب الله" يسجن نفسه ويرمي مفتاح السجن

يبدو التحالف السوريّ ـ الإيرانيّ في لبنان والذي يقف "حزب الله" على رأسه، ومنذ مساء أوّل من أمس كمن أغلق باب داره بالمفتاح ورمى المفتاح من النافذة. "سكّر" على نفسه ولا أفق سياسياً أمامه.
خسر استراتيجيّة الردع ويخسر استراتيجيّة الشارع
قبلَ النزول إلى الشارع أوّل من أمس، كان لا يزال قادراً على التهديد باستخدام الشارع. لكن بعد استخدامه لم يعد لديه ما يهدّد به سوى مزيد من محاولة تكرار هذا النزول.. بزخم أقلّ أو أكثر. لم يعد أمامه إلاّ إطالة أمد "الاعتصام التنظيمي" في وسط بيروت، المحروس من قبل جهازه الأمنيّ. أصاب "حزب الله" هنا ما أصابه في موضوع "السلاح الرادع" ضدّ إسرائيل، إذ فقدَ السلاح الرادع هذا قيمته الرادعة لمجرّد أنّه استخدمه، لأنّ القاعدة تقول إنّ "قيمة" الردع أن تنجح في التهديد به من دون الاضطرار إلى استخدامه.
وكما خسر "حزب الله"، بخلاف ادعاءاته، استراتيجيّته في المقاومة، خسرَ منذ اليوم الأوّل للانقلاب "استراتيجيّة الشارع".
الدليل: مساء اليوم الأوّل للانقلاب وبعد انتهاء التظاهرة، نظّم أمن "حزب الله" عمليّة حصار للسرايا الحكوميّة من كلّ "المحاور"، لتحويلها إلى منطقة "ساقطة عسكرياً"، أي لشلّ رئاسة الحكومة. وفي اليوم الثاني للانقلاب، أي أمس، نظّمت المخابرات السوريّة "الحليفة" محاولة لـ"تحسين" وضع جبهة "حزب الله"، فأرسلت أحد عناصرها ليشتم الأمين العام للحزب السيّد حسن نصرالله بما يتيح للحزب تحت عنوان "الردّ على الاعتداء" توسيع انتشاره.
محاولة استدراج المشكلة
هذه "الصورة" ليست لتأكيد الطابع الانقلابيّ ـ الأمنيّ لحركة "حزب الله" في الشارع، وهذا أمر معروف سلفاً، بل للقول إنّ للتحرّك "الشعبي" أفقاً محدوداً، وإنّ مزيداً من التظاهر ومزيداً من الاعتصام لا يغيّران شيئاً، وإنّ "حزب الله" لذلك يحاول استدراج مشكلة، أي أنّ النزول إلى الشارع بالنسبة إليه لم يعد مفتوحاً إلاّ باتجاه.. المشكلة والفوضى، في وقت أدّى النزول إلى الشارع "شعبياً" وظيفته.
أغلق "حزب الله" على نفسه بالمفتاح ورمى المفتاح إذاً.. وخسر استراتيجيّة الشارع، ما لم يكن في ذهنه ليس استعادة المفتاح أو تغيير "الغال"، بل إشعال مشكلة.
بيدَ أنّ ما جرى تقديمه آنفاً ليس سوى جانب من "الصورة" أي جانبها "الميداني". ذلك أنّ النزول إلى الشارع "أعطاه" خسائر سياسيّة صافية.
الميليشيا وفائض القوّة
ليس فقط، لم تؤدِّ هذه الاستراتيجيّة إلى تحقيق اختراق سياسيّ في "جبهة العدوّ" حيث استمرّ فريق 14 آذار على تماسكه، وليس فقط لم تؤدِّ إلى تظهير توازن قوى شعبيّ مختلف كما كان يأمل، بل أدّت إلى مشاكل ملموسة في جبهته السياسيّة.
من جهة "حزب الله" بداية، لا شك أنّ ارتداده إلى الداخل اللبناني، بقدر ما يعكس مأزق استراتيجيّة مشروع المقاومة بعد حرب تموز خلافاً لكلّ المزاعم الانتصاريّة، فهو يعني ـ أي الارتداد إلى الداخل ـ أنّ ثمّة حزباً مسلحاً "يصرّف" قوته أو يحاول "تصريفها" في الداخل، أي أنه يحاول صرف قوّته سياسياً في الداخل.
وليس "حزب الله" فريداً في بابه في هذا المجال. فعلى سبيل المثال، بلغ النظام العراقي السابق أوج قوته مع انتهاء الحرب العراقيّة ـ الإيرانية في العام 1988. وبدأ صدام حسين يبحث في كيفيّة تصريف قوّته، واختار الكويت "مكاناً" لهذا التصريف، علماً أنّ الكويت تشكّل نوعاً من الداخل بالنسبة إلى النظام البعثي العراقي، كما لبنان يشكّل داخلاً بالنسبة إلى النظام البعثي السوريّ. وكانت خطيئة صدّام الذي كانت الإدارة الأميركية تنتظره "على الكوع" لإنهاء قوّته بعدَ أن أدّى مهمّة "جليلة" تمثّلت في وضع حدّ لاندفاعة الثورة الخمينيّة في إيران. وراح صدّام "البطل القومي العربي" في مواجهة إيران يخسرُ تباعاً "صورته" في العالم العربيّ.
هذا مثال من التاريخ القريب عن محاولة لتصريف القوة أو فائض القوّة في مكان خطأ، ومثال عن "عدم الاستهداء بالله" في اللحظة المناسبة.
ومبتغى القول هنا، إنّ "حزب الله" القويّ في مواجهة إسرائيل، ليس فقط لم يوظّف انتصاره التاريخيّ على إسرائيل في العام 2000 تعزيزاً للدولة في لبنان، بل "هزّ" هذا الانتصار في العام 2006 وجواباً على ذلك راح يوظّفه في الداخل على النحو الذي يشاهده اللبنانيّون منذ 14 آب الماضي. وهكذا انتقل من "مقاومة" ضدّ إسرائيل، مفارقتُها أنّها انتصرت عندما كانت أقلّ تسلّحاً وتسليحاً في العام 2000 ولم تنتصر عندما غدت مدجّجة في الـ2006، إلى "ميليشيا" بفائض قوّة وذات "ذراع" سياسيّة في الداخل.
الاستعصاء على اللبننة
ربّما، لم يحن بعد أوان مناقشة "حزب الله" بنيويّاً، ما إذا كان في الأصل حزباً سياسياً لديه "جناح عسكريّ" أم ما إذا كان "تنظيماً عسكرياً" يشتغل في السياسة، وربّما لم يحن بعد أوان النقاش في استعصاء اللبننة لدى "حزب الله"، مع أنّ التجربة الحاليّة التي يفرضها على اللبنانيين تدلّ بشكل واضح جداً على أن لا علاقة لـ"وعيه" بالكيان اللبناني، وعلى لا علاقة "وعيه" بـ"الصيغة اللبنانيّة" التي تمنع أيّ طائفة أو أيّ حزب لـ"طائفة" من التفكير بالسيطرة على البلد.
عون "مذبوحاً" من "الرأي العام" المسيحيّ
هذا من جهة "حزب الله". غير أنّ الضحايا الآخرين لمشروع "حزب الله" ليسوا قلّة.
تبيّن بالملموس أنّ الجنرال ميشال عون لا يفقه شيئاً في أمور لبنان الكيان والدولة، ولا يفقه شيئاً في أمور بيئته المسيحيّة، المارونيّة تحديداً.
خدع الجنرال البيئة المسيحيّة المارونيّة لبضعة شهور قبل أن ينكشف دوره في الانقضاض على ثورة الأرز. وانخدع الجنرال بالتأييد الكبير الذي أعطاه ايّاه الجمهور المسيحيّ في انتخابات العام 2005.
غابَ عن عون أنّ الجمهور المسيحي أعطاه في جانب رئيسيّ، عقاباً لمسيحيي "قرنة شهوان" وقد اتهمهم الجمهور المسيحيّ آنذاك بتغطية قانون الـ2000 وبالتبعيّة لما يريده المسلمون. وبالرغم من أنّ ذلك ليس صحيحاً، فقد "ذبح" الجمهور المسيحيّ هؤلاء المسيحيين، في وقت كان البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير "يواكب" نقمة الجمهور.
أعتقد عون أنّ لديه وكالة حصريّة غير قابلة للعزل. لكن فاته أنّ الجمهور المسيحي الذي رفض أن تغطّي قيادات مسيحيّة قانوناً للانتخابات، سيرفض حتماً أن يغطّي قائد مسيحي القتلة وأن يكون ستاراً لعودة الوصاية السوريّة.
ومن الواضح أنّ غالبيّة المسيحيين ليست في جيب أحد. ومن الواضح أنّ "الرأي العام" المسيحي أقوى من كلّ التيّارات والأحزاب، لا بل إنّ المسيحيين هم "رأي عام". و"الرأي العام" هذا الذي أعطى عون قبل عام "يذبحه" اليوم. ولذلك لم ينزل المسيحيّون إلى "شارع الانقلاب"، بل نزل عون. وأكثر من ذلك، من الواضح الآن أنّ "مسيحيي بكركي" وبعد أن استعادوا المبادرة مسيحياً، مطالبون من "الرأي العام" المسيحي بأن يطرحوا جدّياً إسقاط اميل لحّود.
لا داعي للحديث عن سليمان فرنجيّة لأنّه بتطاوله على سيّد بكركي إنّما يعبّر عن فقدان الأعصاب، ولأنّه "جندَل" نفسه بنفسه. و"المصادفة" تشاء أنّ للحليفين المارونيين لحزب الله، أي عون وفرنجيّة تاريخاً في التهجّم على هذا البطريرك بالذات عندما يشعران أنّ مواقف الكنيسة لا تقبل أيّ تأويل. والحال أنّ تطاولهما، عون في العام 1989 وفرنجيّة أوّل من أمس، يعزلهما مسيحياً.
"حرق" برّي
يبقى في هذا المجال، الحديث عن الرئيس نبيه بري.
لقد "حرق" حزب الله حليفه الشيعي الآخر. اضطرّ برّي إلى تغيير مواقفه في العديد من القضايا، بما في ذلك من مسألة النزول إلى الشارع، وقد كان أوّل من حذّر من الشارع و"الشوارع". وبقي حتّى اللحظة الأخيرة يسعى للحؤول دون الشارع.
صحيح أنّ برّي "حاول"، لكنّه في النهاية "اصطفّ". وهو الآن يعلن ضرورة إسقاط الحكومة بعدما كان يحذّر من الفراغ، ومن العمل خارج الدستور.
فأيّ نجاح هذا الذي يحوّل نبيه برّي الحليف لكنّ الوسيط والقادر على الوصل مع الآخرين، والقادر على صياغة تسويات، إلى "طرف محروق"؟. ماذا كسب "حزب الله" من إغراق برّي ما لم يكن إغراقه هدفاً بحدّ ذاته؟ ماذا يكسب "حزب الله" في وضع برّي تحت سقف محدّد ما لم يكن ذلك يدخل في إطار إغلاق الباب ورمي المفتاح؟
إذاً، في "الجانب الميداني" من "الصورة" أنّ استراتيجيّة الشارع التي يقودها "حزب الله" ساقطة لأنّ مسارها الانحداري يبدأ من اللحظة التي يبدأ تنفيذها ومن لحظة "الذروة"، ما لم تكن هذه الاستراتيجيّة مفتوحة على "المشكل"، أي على الفوضى والعنف. وفي الجانب "السياسي" لا اختراق لـ"العدوّ" بل خسائر صافية.
قرار "حزب الله" ليس في لبنان
ليست هذه المقدّمات من أجل استنتاج ما هو بديهيّ، أي أن لا سبيل إلى معالجة الأزمة إلاّ بتسوية ينتجها حوار متكافئ. هذه المقدّمات هي للتساؤل من ناحية وللجواب من ناحية ثانية.
أمّا التساؤل فهو: هل "سوف" يعي "حزب الله" أنّ نزوله إلى الشارع خطوة في المأزق، أي ضمن المأزق فينسحب منه أمّ أنّه سيمضي حتّى لو كانت النافذة الوحيدة هي المشكلة والفوضى والعنف؟
أمّا الجواب فهو: منذ فترة، وتحديداً منذ تمّوز الماضي، لم تُثبت "التجربة" أنّ ثمّة مجالاً بعدُ لـ"الرهان" على ما كان يسمّى "حكمة حزب الله" وحسن تقديره للظروف. فإذا كانت "الحكمة" مقياساً، كان يفترض بحزب الله ألاّ يعطي إسرائيل الذريعة لشنّ عدوانها على لبنان في تموّز وآب الماضيين. ومَن يُقدم على إعطاء الذريعة وكان مُنبّهاً سلفاً إلى أنّ إسرائيل ستردّ، لا يمكن تقدير أنّه سيتورّع عن أيّ "شيء" بالرغم من تنبيهه إلى المخاطر.
في ضوء ذلك، "يجب" توقّع استمرار "حزب الله" في طرق باب المشكلة وليس الحلّ. سيستمرّ في استخدام عون ويضعه في مواجهة رئيس الحكومة السنّي، لأنّ "حزب الله" يريد هذه المرّة واجهة مارونيّة، فكيف إذا كانت هذه الواجهة ضدّ الدولة تاريخياً؟
والمسألة الأهم، هي أنّ المحكمة الدوليّة ممنوع أن تقوم من زاوية دمشق وطهران. والأكثر أهميّة، أنّ قرار "حزب الله" ليس في لبنان، وليس في يده. إنّه منفّذ، فكيف إذا كانت فتوى الولي الفقيه الإيراني قد صدرت؟.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00