عاد "لقاء قرنة شهوان" الى المشهد السياسي اللبناني. وإذا كان "اللقاء" انكفأ عن "الصورة" في ظروف مسيحية "خاصة" ولبنانية "عامة" عشية انتخابات 2005، فإنه يعود اليوم في ظروف مسيحية ولبنانية تفرض هذه العودة.
لم يعلن أعضاء "القرنة" الذين اجتمعوا في بكركي أمس "استئناف" عمل اللقاء رسمياً، ولعلهم شاءوا ترك بعض "الالتباس" في هذا الجانب.
اكتفَوْا في بيانهم بالتذكير بأن "اللقاء" تأسس على قاعدة النداء الأول لمجلس المطارنة الموارنة في 20 أيلول من العام 2000، وبأنهم يعودون الى بكركي لتأكيد الالتزام الكامل بالتوجهات الوطنية للبطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير. لكنّ في ما تضمنه البيان إعلاناً عن "استئناف" اللقاء.
وإذا كان البيان الصادر أمس يدعو الى استكمال انتفاضة الاستقلال حتى قيام دولة السيادة والحرية والعدالة والأمان، ما يعني الوصل مع المرحلة السابقة من نضال "القرنة" تأسيساً لانتفاضة الاستقلال قبل الانسحاب العسكري السوري، فإن "القرنة المستأنفة" حدّدت في البيان الجديد موقفاً مسيحياً من عنوانين رئيسيين.
الحقيقة ورحيل لحود
"الحقيقة" هي مطلب مسيحي. وكشف الحقيقة يتجاوز من وجهة نظر المجتمعين مسألة إقرار العدالة ليطاول أساس بناء الدولة.
ورحيل رئيس الجمهورية هو مطلب مسيحي أيضاً لأنه بحسب المجتمعين المدخل الضروري الى أي تفاهم لبناني على طريق الحل، والى استعادة المسيحيين دورهم الكامل في الشراكة الوطنية من خلال تحرير مركز رئاسة الجمهورية من الوصاية السورية.
وبالنسبة الى رحيل رئيس الجمهورية، يلفت البيان الى أن الأمر يصطدم بموقف أطراف مسيحية واسلامية لا تزال توفر لرئيس الجمهورية غطاء، وبعض هذه الأطراف يتحرك بدافع طموحات شخصية والبعض الآخر لغايات إقليمية.
إذاً، ان اجتماع "القرنة" في بكركي أمس، وهو اجتماع مسيحي يحدد موقفاً مسيحياً من مشكلتين للمسيحيين: مشكلة رئاسة الجمهورية من ناحية ومشكلة من يغطي الواقع الحالي للرئاسة من المسيحيين. وبهذا المعنى، فان الاجتماع المسيحي إذ يعيّن إميل لحود وميشال عون على انهما مشكلتان للمسيحيين، يفتح بموقفه هذا التواصل مع الشريك الآخر في الوطن، أي الشريك المسلم.
بيد ان مقاربة أكثر عمقاً لـ"معنى" استئناف "القرنة" حضورها السياسي، لا يمكن أن تتوقف فقط عند أهمية الموقف المسيحي الذي تعلنه "القرنة المستأنفة" أو عند أهمية صدوره من بكركي مع ما يحمله ذلك من دلالة لجهة رضى البطريرك عما جرى إعلانه.
حضور "القرنة" مجدداً يكسر حلقة "الثنائيات"
فاستئناف "القرنة" لاجتماعاتها أي لـ"ديناميتها" السياسية، يعني عدداً من الأمور.
الأول هو أن وراء القرار باستئناف الحضور قراراً بإخراج الوضع المسيحي من دائرة "الثنائيات" التي تحكمت به منذ أن وضعت "القرنة" نفسها في "الثلاجة". غياب "القرنة" أخلى المكان لـ"ثنائية" مسيحية غالبة هي "ثنائية" عون و"القوات اللبنانية"، ولثنائيات شتى أخرى، وعودة "القرنة" تعيد تحشيد كل الفاعليات المسيحية تياراتٍ وأحزاباً في إطار واحد.
والثاني هو أن احتشاد الاجتماع السياسي المسيحي في إطار "القرنة" يعيد تأكيد مرجعية البطريرك، التي هي وحدها القادرة على تأمين الغطاء حتى لو لم تعقد الاجتماعات برعاية كنسية "مباشرة". والأهم ان هكذا احتشاد، انما يعيد الاعتبار لحقيقة سياسية وطنية تاريخية، وهي ان القائد المسيحي في مسيرة الاستقلال اللبناني الثاني، انما هو البطريرك نفسه. وبكلام آخر، انّ عودة "القرنة" تكتسب هنا معنى إعادة المسيحيين الى البطريرك، وانّ عودتها تعني تجديد دورها "الأصليّ" كشريك في انتفاضة الاستقلال.
من "الوطني" الى "الطائفي" وبالعكس
أما الأمر الثالث فيما يعيد استئناف "القرنة" لحضورها النصاب الى الوضع المسيحي، فيتعلق بـ"إشكالية" لا بأس من إثارتها من أجل تحديد طريقة التعاطي معها.
ليس سراً أن "القرنة" عندما "علقت" دورها وحضورها خلال المرحلة السابقة، انما "ذهبت" الى حركة 14 آذار. ذهبت من "الطائفي" الى "الوطني"، من "الخاص" الى "العام". وفي استئنافها لاجتماعاتها ودورها، تبدو "القرنة" عائدة من "الوطني" أي 14 آذار الى "الطائفي" وتبدو عائدة من الجمع الى الطرح، من التوحّد الى الفرز.
ومصدرُ إثارة هذه النقطة، هو انّ المجتمعين في "لقاء القرنة" أمس هم مسيحيّو 14 آذار "عملياً"، بحيث يبدو أنّ ثمّة اعادة تأسيس لحركة 14 آذار على الفرز بين "جناحَيها" المسيحيّ والمسلم. وكذلك، فإنّ مصدر اثارة هذه النقطة، هو انّ العديد من شخصيات "القرنة" اجتهدوا في فترة "تعليق" القرنة أو تجميدها لتأسيس نوع من التكتلات المختلطة ايماناً منهم بأن التكتلات المختلطة تساهم في معالجة اشكالات الطوائف، وانها تجسد ما يدعو اليه البطريرك أصلاً.
غير ان هذا الموضوع الاشكالي أو الذي يبدو اشكالياً، يمكن النظر اليه بصورة مختلفة. فالطريق بين "الوطني" و"الطائفي" ليست في اتجاه واحد، بل هي غالباً في اتجاهين، يتم الذهاب الى "الوطنيّ" فالعودة الى "الطائفي" وبالعكس، ما دام "الوطنيّ" هو المحطة الأخيرة" في الطموح الى معالجة قضايا الطوائف ومشاكلها.
"الممر الاضطراري"
بكلام آخر، قد يبدو استئناف "القرنة" لحضورها انتكاسةً نحو "الطائفي" في جانب منها. بيدَ انّ العودة الى "الطائفي"، كانت اضطرارية لـ"تفقد" أحوال الطائفة المارونية من أجل اعادة "ربطها" بالشركاء الآخرين. وإلى ذلك تضاف حقيقةُ انّ من ضمن مسيحييّ 14 آذار تيّارات وأحزاباً هي مسيحيّة بنيوياً مع انّها منفتحة على الشركاء الآخرين. وبهذا المعنى، فإنّ عدداً من المشاكل الطائفية يحتاج في عدد من الأحيان الى ممرّ علاج طائفيّ، فكيف عندما يكون الجنرالان مشكلةً مسيحية للمسيحيين واللبنانيين؟.
على خلفيّة ما تقدّم، يصبح اجتماع "لقاء قرنة شهوان" في بكركي أمس بالغ الأهمية. ذلك انه يمثّل اعادة نظر في "التعليق" السابق لحضور "القرنة"، حيث دلّت "التجربة" على أنّ "التعليق" في حينه كان خطوة سابقة لأوانها على الأرجح، ويمثّل اجتماع الأمس أيضاً قمّة في تحديد المشكلة المسيحية ومحاصرتها. ولا خشيةَ حيالَه من أحد ما دامت بكركي هي حاضنته، وطالما انّ بكركي الحاضنة هي التي قالت في مقرّرات المجمع البطريركي الماروني الربيع الفائت انّ المسيحيين للبنان وليس لبنان للمسيحيين. فلا بأس والحالةُ هذه من "ممرّ مسيحيّ إضطراريّ".
محاولة انقضاض سوريّة
بين سليمان فرنجية وبقرادوني
على صعيد آخر، تزامن استئناف "القرنة" لاجتماعاتها مع معطيات على صعيد الوضع السياسيّ المسيحيّ، برزت في الأيام القليلة الماضية، بعدَ اغتيال الوزير الشهيد بيار الجميّل.
سُجّلت خلالَ هذه الأيّام محاولة انقضاض من "مسيحيي سوريا". وحاول النائب السابق سليمان فرنجيّة أن يلبس "ثوب الحمل"، و"وسّط" نفسه بين الأب المفجوع الرئيس أمين الجميّل وبين جنرال الرابية المعزول ميشال عون، وراح يتحدّث عن "الوحدة المسيحية".
لم يكن خافياً انّ سليمان فرنجية يحاول إحياء دوره. ولم يكن خافياً انه يحاول انقاذ حليفه الجنرال من عزلة مسيحية زادها الغضب الشعبي حيال جريمة الاغتيال. ولم يكن خافياً أيضاً انه يحاول كسر حدة موقف الرئيس الجميل من الجنرال، وهو موقف سعى الرئيس السابق من خلاله لإفهام الجنرال بأن سياسته "تُستخدم" في مواجهة حركة الاستقلال.
بالتزامن، سجّلت محاولة "رئيس" الكتائب كريم بقرادوني العودة الى الواجهة كتائبياً، واستئناف شعاراته "الشارلاطانيّة"، بعدَ أن همّشته التطورات، وهمّشه صعود الوزير الشهيد داخل الكتائب وداخل حركة 14 آذار. راح بقرادوني ينظّم حضور مسيحيي سوريا والموالين للنظام السوريّ الى سنّ الفيل.
كانَ مشهد هؤلاء في سن الفيل، في دارة والد الشهيد، مقزّزاً. وبطبيعة الحال، لا يمكن أن يرفض الرئيس الجميّل زيارات تعزية بولده الشهيد، وكانَ ركّز "قسوته" على الجنرال عون لأسباب وطنية تحضه على العودة الى الثوابت المسيحية.
لذلك، فإنّ اجتماع "القرنة" في بكركي أمس إذ يتزامن مع محاولة الانقضاض هذه على "جسر" دماء الشهيد، انما يضع الأمور في نصابها. فبكركي هي "الجامع" المسيحي المشترك لكل مسيحيّي الاستقلال، و"القرنة" تجمعهم جميعاً من جديد.
رسالتان الى "حزب الله" والجنرال
والآن، وعلى عتبة "التحرّك" الذي يهدّد به "حزب الله" على رأس التحالف الموالي للنظام السوري، من الواضح أن ما صدر عن "لقاء القرنة" هو رسالة بأن لا مسيحيين في تحرّكه المُدرَج في إطار "غايات إقليمية".
والمهمّ هنا، أن اجتماع "القرنة" غداة إعلان البطريرك أنه "من الصعب جداً" جمع المسيحيين، وذلك في ردّه غير المباشر على طلبات عونية بعقد اجتماع مسيحي عام، إنما يوجه رسالة الى عون مفادها أن عليه مراجعة مواقفه من المحكمة الدولية ومن رئاسة الجمهورية. وفي هذه الرسالة الى الجنرال أن عليه إثبات تأييده لقيام المحكمة الدولية عبر خطوات ومواقف سياسية وعملية، وإلاّ فإنه يواجه عزلة مسيحية خانقة ليس ثمة استعداد لدى أحد لإخراجه منها ما لم يكن هو نفسه مستعداً للخروج مما أوصله إليها.
اجتماع "القرنة" مجدداً، هو إذاً استعادة لـ"التوازن" على الصعيد المسيحي العام، وتأكيد لموقع المسيحيين في الشراكة الاستقلالية. وقد بدا المجتمعون أمس وكأنهم غير مضطرّين لـ"تفسير" عودتهم الى المسرح السياسي، "مراهنين" على أن البيان يتكلم لوحده، وأن تحليل النص يفي بالغرض. وبدَوْا مطمئنين الى أن "القرنة المستأنفة" هي موضع ترحيب "حتميّ".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.