بلا شكّ، كان حضور الرئيس نبيه برّي إلى كنيسة مار جرجس للمشاركة في مراسم الصلاة عن راحة نفس الوزير الشهيد بيار الجميّل، لافتاً ومميّزاً كما قال رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط. بيدَ أنّ ما تعرّض له من "صيحات" لدى وصوله إلى الكنيسة كان لافتاً أيضاً.
كان هذا "الجانب" لافتاً، لأنّ حضور برّي إلى الكنيسة يُفترض أن يكون مزعجاً بالنسبة إلى فريق "التحالف السوريّ" الذي يتعامل مع خطوة من هذا النوع على أنّها اختراق لجدار موقفه "القاطع" مع الآخر حتّى النهاية. وفي المقابل كان يُفترض أن يكون حضوره موضع ترحيب من "شعب" 14 آذار لأن برّي "أتى" إليه ليشاركه غضبه على الجريمة مخترقاً جدار القطع والقطيعة.
يمكن القول إذاً انّ برّي لم يكن بـ"خير" لا مع سيدي ولا مع ستّي كما يقول المثل المعروف.
برّي "الحقيقي"
بيدَ أنّ ما ينبغي قوله هو انّ وضع برّي أوّل من أمس كان التعبير الدقيق عن موقعه الراهن. فهو بمجيئه إلى الكنيسة، كان نبيه برّي "الحقيقي"، أي نبيه برّي الراغب في التواصل مع الآخر والساعي إلى أن يكون في "خطّ الوسط" في اطار الصراع السياسيّ الدائر في البلاد، وإلى أن يكون "واسطة العقد" ضمن المشهد السياسي اللبناني. وكلّ ما هو سوى ذلك ليس نبيه برّي "الحقيقي" بل نبيه برّي بـ"الاضطرار".
قراءات ظالمة؟
ثمة قراءات عدة لأداء رئيس المجلس منذ أن دعا إلى مؤتمر الحوار الوطنيّ في آذار الماضي مروراً بدعوته إلى التشاور في تشرين الثاني الحالي و"انتهاء" باستقالة وزرائه من الحكومة جنباً إلى جنب مع وزراء "حزب الله". وتعتبر هذه القراءات انّ برّي في كلّ خطواته المشار إليها كان "متواطئاً" مع "السوريّ" ومع "حزب الله" ضدّ 14 آذار، والهدف هو "تنفيس" الحركة الاستقلاليّة ومنعها من استكمال الإنجازات. وفي هذه القراءات "الاتهاميّة" لبرّي، ينفّذ الرجل ما يطلب منه من دمشق.
غير انّ هذه القراءات "تظلم" رئيس حركة "أمل". ذلك انّ برّي من أبرع السياسيين في التقاط التحوّلات وقد التقطها بالفعل منذ 14 آذار 2005. وإذا كان الرجل لم ينفِ مرّة أنه حليف لسوريّا، فجميع "المنغمسين" في الشأن السياسيّ يعرفون جيّداً انّ برّي ومنذ أن ورث بشّار الأسد والده في رئاسة سوريّا، تعرض لعمليات "تقليم" و"تحجيم" لصالح "حزب الله"، وأنّ "الوكالة" السوريّة ذهبت باتجاه الحزب، وانّ ثقة الأسد الابن به قليلة. ويعرفون انّ برّي "المعتمَد" لم يعد كذلك. ويعرفون انّ ما يهمّ بشّار الأسد و"حزب الله" هو الموقع الرسميّ لبرّي كرئيس لمجلس النوّاب.
أسير
"المنغمسون" في الشأن السياسيّ يعرفون انّ الرئيس برّي يعرف هو نفسه ذلك كله. وإذا كان هؤلاء يعرفون انّ العلاقة بسوريّا والتحالف معها، جزء من الخطّ السياسي لرئيس "أمل"، فإنهم يعرفون في الوقت نفسه انّه حريص شديد الحرص على معرفة الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وانّه يعلم انّ نظام بشّار و"حزب الله" يتحيّنان الفرصة لـ"إنهاء" موقعه الرسميّ، وانّهما يقطّعان معه مرحلة انتقاليّة.
يجب القول إذاً انّ الرئيس برّي أشبه اليوم بـ"الأسير"، لا بل هو أشبه بـ"المخطوف" الذي يُوجّه المسدّس إلى رأسه.
إنّ واقع برّي هو إحدى صور الواقع الشيعي في لبنان اليوم. ذلك انّ الطائفة الشيعيّة مصادرةٌ مصادرة تامّة لحساب التحالف الايراني ـ السوري، ولا مكان سياسياً الآن لـ"تعبير" آخر. وأكثر من ذلك، يعرف الكثيرون انّ "حزب الله" يصادر جمهور "أمل" حيث تصل يداه، وكم من حادثة في الشهور الماضية "استخدمَ" فيها "حزب الله" جماعة "أمل" لتحميلها مسؤولية هذا الحدث أو ذاك.
برّي أسير أو مخطوف. وهذا "واقع" يجب أخذه في الاعتبار.
إن هو دعا إلى إقرار المحكمة رشّح نفسه للقتل
اليوم يحمل الوزير طارق متري معه من نيويورك المسوّدتين النهائيتين للاتفاق بين لبنان والأمم المتحدة وللنظام الأساسي للمحكمة الدوليّة. واليوم أيضاً يقرّ مجلس الوزراء المسوّدتين النهائيتين ليكون الموضوع أمام المجلس النيابيّ في غضون أسبوعين أو ثلاثة أسابيع.
استبق نظام بشّار الأسد هذا الأمر بإبلاغ "المعنيين" بأنّه لا يحبّ سماع "كلمة" المحكمة الدوليّة. وصعّد إعلامُه الحملة على المحكمة الدوليّة وصار يقول إنّه غير معنيّ بها ولا بالتعاون معها. وفي هذا الخضمّ نفّذت المخابرات السوريّة أي شبكاتها جريمة اغتيال الوزير الشاب بيار الجميّل. فهل يستطيع برّي في ظروف كهذه أن "يتبنّى" إقرار المحكمة الدوليّة في مجلس النوّاب؟
هذا السؤال طرحه وليد جنبلاط على برّي قبلَ يومين. سأل جنبلاط برّي ما اذا كان سيدعو إلى جلسة نيابيّة لهذا الغرض.
من الواضح، ضمن المعطيات القائمة "اليوم" انّ برّي المطوّق، المخطوف والأسير، لن يستطيع ذلك، لأنّه بحسابات "بسيطة"، يغامر بنفسه، أي أنّه في حال دعا إلى الجلسة سوف "يرشّح" نفسه للقتل. والأمر هنا في غاية الوضوح: إنّ نظام بشار الأسد بات على يقين بأنّ التحقيق الدوليّ سوف يتّهمه بجريمة اغتيال الرئيس الحريري والجرائم الأخرى المتّصلة بها، ولذلك فإنّ المحكمة الدوليّة من زاويته يجب ألاّ تقوم، وفي سبيل هذا الهدف قد يُقدم على اغتيالات أخرى.
ليس تبريراً لبرّي بل تفسير
وهنا يُطرح السؤال الآتي: هل ثمّة في ما تقدّم تبرير لبعض مواقف برّي أو تبرير لموقف "محتمل" يتخذه في الفترة القريبة المقبلة؟
ليس في الأمر "تبرير" بل ثمّة "تفسير" للواقع الذي وصل اليه برّي أو أوصل إليه.
غيرَ أنّ هذا التفسير لا يعفي من النقاش. فمن حقّ الرئيس برّي أن يحسب جيّداً حسابات موقعه فكيف إذا كان المعترضون على دور تسووي لم يكن غيره حتى الآن قادراً على أدائه يرشّحونه للقتل؟
.. لكن الشيعة يستحقّون أن تحسب مصلحتهم
لكن في هذه الحسابات يجب أن تحضر أمور واعتبارات عدّة. الاعتبار الأول هو انّ المهمّة المطلوبة سورياً وحزب اللهياً من برّي منعاً للمحكمة الدوليّة، تبدو المهمّة الأخيرة التي سيكون للتحالف السوري ـ الايراني بعدها تعاط آخر معه. والاعتبار الثاني هو انّ المطلوب من برّي تغطية "الانشقاق الشيعي" عن الكيان والدولة. والاعتبار الثالث هو انّ مزيداً من التنازلات أمام هذا التحالف يعني استكمال مصادرة الشيعة ايرانياً.. وسورياً. والاعتبار الرابع هوَ انّ المطروح فعلياً ترسيخ أحاديّة سياسيّة شيعيّة أي إنهاء "التعدّد" حتّى في حدود الثنائيّة لأنّ من طبيعة المشاريع الأقصوية انّها إلغائية ولا تقبل شراكة أحد. والاعتبار الخامس انّ برّي "مخيّر" بين القتل الجسدّي والقتل السياسيّ. والسادس هو انّ المستقبل السياسي هو مع 14 آذار ليس بوصفها تجمعاً سياسياً بذاته، بل لكونها تمثّل الشركاء الآخرين في الوطن. ولعلّه يفيد التذكير هنا بأنّ الدور الذهبيّ للرئيس برّي كان مع 14 آذار والحكومة خلال العدوان الإسرائيلي على لبنان في تمّوز وآب الماضيين. والسابع هو انّ "مسايرة" التحالف الايراني ـ السوري أي "الاستسلام" أمام "جبروته" سيعنيان نهاية "لون أصيل" ضمن الطائفة الشيعيّة ونهاية آخر معلَم شيعي ينتمي إلى تراث الشيعة اللبنانيين، إلى ذلك التراث في الكيان والدولة.
إذاً، إنّ ما هو مطلوب سوريّاً وحزب اللهياً من برّي يستهدف استقرار لبنان كياناً ودولة، ويستهدف استقرار العلاقات بين الطوائف في لبنان، لكنّه يستكمل الانقضاض على الطائفة الشيعيّة سورنةً وأيرنةً، ممّا يعيد الوضع الشيعي إلى مرحلة "تأسيسيّة" أوّلية. ولذلك فإنّ المسألة هنا تتعلّق بالمرحلة المقبلة تالياً، وبما إذا كان برّي سيستطيع "الربط" مع المرحلة المقبلة على الرغم من صعوبة موقعه الراهن ووطأة الخيارات.
سيبالغ ضدّ الحكومة
ينظر الشيعة غير المنتمين إلى "أمل" و"حزب الله" إلى برّي ودوره من هذا المنظار. فمعظم هؤلاء لا يتحدّث الآن عن "كيفيّة" أداء برّي و"أمل" لتمثيل الشيعة في الدولة والنظام السياسيّ خلال الفترة السابقة، بل يركّز على انّ برّي قاد الشيعة إلى الدولة والنظام السياسيّ. ومعظم هؤلاء، وإن كان "يتفهّم" ظروف العلاقة بينه وبين "حزب الله" خلال الفترة نفسها التي تحكّمت فيها الوصاية السوريّة، فإنّه في الوقت نفسه يأخذ عليه انّه "استدرج" دائماً إلى تغطية الفريق الآخر ممّا أحال الشيعة إلى أحاديّة متناقضة على طول الخطّ مع تاريخهم.
للرئيس برّي أن يقرّر موقعه. لا بل ربّما بالغَ في الأيام المقبلة ضدّ ما يسمّيه "لا دستوريّة الحكومة"، وربّما بالغَ كي يوحي بأنّ موقفه نابع من قناعاته وليس بسبب كونه مخطوفاً وأسيراً، لأنّه لن "يعترف" بذلك. لكنّ مبالغات تصعيديّة من هذا القبيل لن تلغي الحقيقة التي "يلمسها" الجميع.
برّي هو "الغطاء" الأخير الذي يحتاجه الانقلاب السوري ـ الايراني في لبنان. قد تؤخر عدم دعوته المجلس النيابي إلى إقرار المحكمة الدوليّة مسار إقرارها، لكنّها ستُقرّ في النهاية ولو في مجلس الأمن "بدون" لبنان. لكنّ الانقلاب على دولة الطائف والسلطة "يحتاجه" ولا يزال مجال التفكير مفتوحاً أمامه.. قبل أن تقع المصيبة.. بالشيعة قبلَ غيرهم.
مشهد أمام كنيسة مار جرجس.. وكلمة
أوّل من أمس، وقف كاتب هذه السطور أمام كنيسة مار جرجس. سمعَ صيحات إستنكار لدى وصول الرئيس برّي ولم يستطع حيالها شيئاً. لكنّه إذ "تفهّم" ردّ فعل من هذا القبيل من قبل جمهور يتوق إلى كشف الحقيقة وتثبيت العدالة، ويتطلّع إلى "انضمام" الشريك الشيعي إلى المسيرة وينظر بغضب إلى "العقدة الشيعية"، شعر في المقابل بنوع من المهانة، إذ يتعرّض أكبر مرجع سياسيّ للشيعة إلى هتافات معادية، خصوصاً في لحظة خروج هذا المرجع من الأسر لبضع ساعات.. قبلَ أن يعود إليه. لكن في هذه الأثناء، حضر مفتي صور العلاّمة السيّد علي الأمين فكان الترحيب به حاراً. والاستنتاج هو انّ "القياس" لدى الجمهور سياسيّ وليس طائفياً، وانّ ثمّة مكاناً للشيعة هنا، لا بل انّ المكان هو للشيعة فلماذا يجري تضييعه؟
كلمة أخيرة إلى الرئيس برّي: بالرغم من ظروفك يا دولة الرئيس، لا تقطع "الخيط"، أي لا تحمي نفسك بالهجوم على الحكومة.. حاوِل.. ويا دولة الرئيس انّ جمهور 14 آذار قلبُه "عليك".. ويعرف انّ دماء رفيق الحريري عزيزة وغالية عليك.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.