8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

إلى 14 آذار: لا تغادروا الشارع هذه المرة في وجه "الردّة"

اليوم، ينزل شعب 14 آذار إلى الشارع. المناسبة ليست "اختيارية" بل فرضتها شبكة الموت السورية لتغدو مناسبة تشييع الشهيد الجديد لحركة الاستقلال الوزير بيار الجميل.
النزول إلى الشارع يجب أن يكون "مفتوحاً"
قبل اغتيال الشهيد بيار الجميل، لم يكن خيار النزول إلى الشارع محسوماً لدى حركة 14 آذار. كان هذا الخيار مؤجلاً في الحدّ الأدنى. أما وقد وقعت الجريمة الإرهابية "الجديدة"، فإن الوضع تغيّر. لم يعد ثمة مجال للتردّد، والنزول إلى الشارع اليوم لا بدّ أن يكون مفتوحاً وكي يكون مفتوحاً، لا بدّ أن يكون الهدف محدّداً.
في هذا الإطار، ثمة ما هو ملّح. فأول من أمس وبعد جريمة اغتيال بيار الجميل بساعات قليلة فقط، أقرّ مجلس الأمن الدولي بالإجماع إنشاء المحكمة الدولية في جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر جرائم الاغتيال الاخرى "ذات الصلة". وعليه، تعود اتفاقية التعاون بين لبنان والأمم المتحدة ويعود النظام الأساسي للمحكمة إلى لبنان، حيث يُفترض أن يكون المجلس النيابي المحطّة الفاصلة في هذا الاستحقاق.
النزول إلى الشارع من جانب 14 آذار يجب أن يكون مفتوحاً إذاً الى أن يصدّق مجلس النواب على المحكمة الدولية. وسيكون من الخطأ بمكان أن يُدعى شعب 14 آذار إلى الشارع لتشييع الشهيد بيار الجميل "فقط"، لا سيما وأن ملف هذه الجريمة يُفترض أن يُضاف إلى ملفات التحقيق والمحكمة الدوليين. وسيكون من الخطأ الفادح عدم تحويل استشهاد الجميل إلى دينامية سياسية ـ شعبية في مسار بتّ المحكمة الدولية.
..حتى حسم المحكمة الدولية نيابياً على الأقل
لم يتردّد "العدوّ" في قتل الوزير الشاب وفي حسابه ان عملية القتل هذه ستقضي على "رمق" 14 آذار، طالما ان الخطّة المعادية تُدرج هذا القتل في سياق الانقضاض على البلد والسلطة والدولة. ولذلك، ينبغي الا تتردّد حركة 14 آذار في تحويل قتل بيار الجميل إلى مأزق للخطّة المعادية.
إعلان النزول المفتوح إلى الشارع حتى الانتهاء من بتّ المحكمة الدولية في مجلس النواب، هو الخطوة اللا بدّ منها، وهو خطوة ذات هدف محدّد وواضح. بيد انه ليس الخطوة "السياسية" الوحيدة.
قبل اغتيال بيار الجميل، كان الزعيم الشاب لـ"تيار المستقبل" سعد الحريري يعلن في مؤتمره الصحافي ان الرئيس فؤاد السنيورة عرض في وقت من الأوقات مبادرة حكومية تقضي بأن تتمثل الأكثرية بأقل من الثلثين وبأن تتمثل الأقلية بأقل من الثلث، وبأن يفسح في المجال أمام عدد من المستقلين للدخول إلى الحكومة. وكشف الحريري ان هذا العرض، وعلى الرغم من "سخائه" جُبه برفض من الفريق الآخر.
وأول من أمس، بعيد جريمة الإغتيال الجديدة، طالب رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع وزراء "حركة أمل" و"حزب الله" بالعودة عن استقالاتهم، رابطاً بشكل أو بآخر بين مضاعفات الاستقالة و"مناخ" الجريمة. طبعاً، ليس الطرفان في وارد العودة عن الاستقالة.
استكمال النصاب الشيعي في الحكومة
من هنا فإن 14 آذار مدعوّة إلى المبادرة السياسية في مجال المسألة الحكومية. سبق للرئيس نبيه بري أن "نصح" الرئيس السنيورة والأكثرية بتعيين بدلاء شيعة لوزراء الحركة والحزب، لتكون الحكومة عندئذٍ حكومة أكثرية "صافية". وفي هذا الإطار، ان حركة 14 آذار مدعوّة إلى مطالبة الرئيس بري باقتراح الأسماء البديلة لضمّها إلى الحكومة، وإذا لم يشأ، فعلى الأكثرية أن تسارع إلى ضمّ بدلاء شيعة إلى الحكومة القائمة.
ليس خافياً ان هذا الاقتراح بتسمية بدلاء شيعة، مبني على واقع الحال. وواقع الحال يفيد ان الفريق الآخر الذي يقف "حزب الله" على رأسه أمعن في "القطع" ولا يزال ممعناً فيه، ويفيد ان الرئيس بري و"أمل" غير قادرين في اللحظة الراهنة على أداء دور "وسطي".
ولا شكّ والحالة هذه، ان البلد لا بدّ أن "يشتغل"، طالما ان "حزب الله" يرفع "الاستحالة" في وجه كل شيء.
في ضوء ما تقدّم، من الواضح ان المطروح هو ذهاب الحركة الاستقلالية نحو المبادرة مجدّداً، في الشارع حتى الانتهاء من المحكمة الدولية من جهة وفي السياسة عبر خطوة أولى تتمثل في استكمال نصاب الحكومة من جهة ثانية.
الشهيد الماروني الأول وإجماع الشارع المسيحي
غير ان لـ"الصورة" جوانب إضافية لا مفرّ من تسليط الضوء عليها.
بيار الجميل هو الشهيد القيادي الماروني الأول لانتفاضة الاستقلال. صحيح ان البيئة المسيحية عموماً والمارونية خصوصاً، تعاطت مع الشهيد جبران تويني على انه شهيدها لان جبران كان بالنسبة اليها بمثابة "ضمير". بيد ان بيار هو سليل "المارونية السياسية" إذا جاز التعبير، وهو شهيد المارونية السياسية "المحدّثة". وبهذا المعنى، فإن استشهاده أكمل حسم خيار الشارع المسيحي ـ الماروني في اتجاه 14 آذار.
من حق الجنرال ميشال عون أن يكون هلعاً، لان شبكة الموت السورية باغتيالها بيار الجميل انما دفعت باتجاه أن يتحلّق الاجتماع المسيحي على نحو حاسم حول حركة 14 آذار. وما كان يُقال قبل اغتيال القيادي الكتائبي الواعد من أن ليس ثمة شارع مسيحي للانقلاب السوري على حكومة الاستقلال الثاني، هو بعد الاغتيال مؤكد أكثر بكثير. وفي جميع الأحوال، ان ما هو أهم من عون، ان "مسمار جحا" المزروع لصالح إميل لحود قد "اهتزّ" فعلياً.
مواجهة بقاء لحود في بعبدا
من هنا، وتأسيساً على ما جرى ذكره مما يفيد ان 14 آذار أعادت استقطاب الشارع المسيحي كله ما أعاد "النصاب" إلى شارع 14 آذار، يمكن القول ليس فقط ان إميل لحود لا يمثّل الموارنة في الشراكة الوطنية، وليس فقط ان إميل لحود معزول مارونياً سواء قُرأ الموقف الماروني في ما تصدره الكنيسة أو قُرأ في ما تعلنه القيادات والشخصيات والتيارات الفاعلة، بل يمكن القول ان الرأي العام الشعبي والسياسي المسيحي هو أكثر نضوجاً اليوم لـ"مواجهة" بقاء إميل لحود في بعبدا، وان المزاج الشعبي اللبناني العام مؤاتٍ للتحرك ضدّ بقائه في القصر الجمهوري، كمدخل إلى تصحيح الموقع المسيحي في الشراكة الوطنية.
والآن، وبعد اثبات وتثبيت أهمية جعل النزول إلى الشارع مفتوحاً وأهمية استكمال الحكومة، وضرورة مواجهة بقاء لحود في بعبدا، لا شكّ ان التحرك الذي كان "حزب الله" دعا إليه ويفكّر في استئنافه، انما هو اليوم وأكثر من ذي قبل في دائرة الأفق المسدود.
تحرّك "حزب الله" بعد الآن: مذهبي بامتياز
فكل "التركيبات" التي يحيط الحزب نفسه بها، وكل "المسمّيات" التي يذكرها لإظهار اتساع "الجبهة" التي يقود، لا تستُر حقيقة ان التحرك "العتيد" هو في حدّه الأقصى تحرّك فريق التمثيل السياسي الشيعي، لكنه في جميع الأحوال تحرّك من طبيعة مذهبية. فلم يستطع "حزب الله" بالرغم من كل جهوده إضفاء طابع غير مذهبي على تحركه. وانهيار حليفه العوني سرّع في "كشفه"، طالما ان هذا الحليف صار هو نفسه مكشوفاً في بيئته.
تحرّك "حزب الله" بات في دائرة الأفق المسدود. والأصح انه كان كذلك بالفعل قبل الآن لكنه اليوم أمام الحائط تماماً.
ذلك انه تحرّك خارج السياق السياسي اللبناني ولمصلحة محور إقليمي بعينه أولاً. وهو تحرّك يواجه كل الطوائف الأخرى ثانياً. وهو تحرّك لا يقود إلى تغيير بل إلى انفجار ثالثاً. وعلى الحزب أن يسمع جيداً التعليقات التي صدرت في الساعات الماضية، حيث جرى لفته إلى خطورة التخوين في خطابه، على اعتبار ان وصف الحكومة بأنها "حكومة أميركية" وبأنها الشريك في العدوان الإسرائيلي على لبنان، يشكّل تشريعاً من جانبه لاستخدام السلاح في الداخل، وقد سبق له أن تعامل مع "عملاء" بالسلاح.
..وأفقه مسدود
الأفق مسدود حوله لأن المحكمة الدولية آتية، ولأن جريمة اغتيال بيار الجميل سرّعتها. ولا إسقاط للحكومة في الشارع. ولا خوف من أحد منه بل خوف عليه من أن ينزلق في مندرجات خطيرة تأتي على كل ما سبق له أن راكمه من إنجازات، وعلى صورته في العالمين العربي والإسلامي.
لقد أعطت جريمة اغتيال الشهيد بيار الجميل "مفعولا" معاكساً لما أراده "النظام القاتل" في دمشق. فككل الجرائم السابقة، اشتدت عزيمة فريق الاستقلال. وإذا كانت جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري أطلقت انتفاضة الاستقلال، فإن جريمة أول من أمس أطلقت الردّ على "الردّة". ولذلك، يجب الا يتوقف الردّ هذه المرة أو أن يتقطع.
ان هذا الردّ هو السبيل إلى إعادة فتح منافذ التسوية إذا عاد الفريق الآخر إلى رشده. لكن الأكيد هو ان الردّ الشعبي ـ السياسي المتكامل هو السبيل الوحيد إلى منع الفريق الآخر من "أكل رأس" 14 آذار.
سيستمر "النظام القاتل" في ممارسة هواية الموت المفضّلة لديه. لكن المعركة هذه المرة، تبدو "المعركة الأخيرة". ولحزب الله الذي أعطى لجمهوره "وعد النصر"، يجب القول ان 14 آذار تعطيه "وعد الاخوّة والشراكة".. والخطوة الأولى عنده فليتقدّم باتجاه أركان الوطن وليراجع تقديراته و"سيجدُنا إن شاء الله من المؤمنين".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00