8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

و"مسيحيّو 14 آذار" يتقدّمون ودور "القوّات" يتعزّز وعون ينهار "قرنة" جديدة للمسيحيين المستقلّين ضرورة ديموقراطيّة وميثاقيّة

"ثمّة مَن سيأتي إليك سيّدنا ليقول لك انّ المعركة التي يخوضها الرئيس إميل لحود في موضوع المحكمة الدوليّة، هي معركة دفاع عن صلاحيّات رئيس الجمهوريّة الماروني، وذلك من أجل تشتيت الأنظار عن الهدف الفعلي وهو منع قيام المحكمة الدوليّة".
لم يأخذ جواب البطريرك الماروني نصرالله صفير على هذا الكلام الموجّه إليه وقتاً للتفكير: المحكمة الدوليّة لمحاكمة قتلة الزعيم اللبناني المسلم رفيق الحريري تعني المسيحيين والمسلمين معاً، والمسيحيين قبل المسلمين ليس لأنّ "ولاية" المحكمة تشمل كلّ جرائم الاغتيال الإرهابيّة التي طاولت قادة سياسيين وإعلاميين ومن بينهم مسيحيّون، بل لأنّه لا يمكن للمسيحيين أن يغطّوا مسيحياً إذا كان ضالعاً في جريمة اغتيال الزعيم المسلم.. والمحكمة الدوليّة يجب أن تقوم.
البطريرك يرفع المحكمة الدوليّة إلى مرتبة ميثاقيّة
وضع البطريرك المحكمة الدوليّة ليس فقط في مصاف الثوابت المسيحيّة "السياسيّة" بل رفعها إلى مرتبة ميثاقيّة لأنّ الجريمة كانت محاولة لاغتيال الميثاق، ميثاق العيش المشترك.
وقد سبق للكنيسة، والبطريرك على رأسها أن أسّست لهذا الموقف الميثاقي من المحكمة الدوليّة عبر محطّات عدّة. فهي ـ أي الكنيسة ـ وقد أكدت في مقرّرات المجمع الماروني ان لا مشكلة "مسيحية خاصة" في لبنان بل انّ ثمة مسألة لبنانيّة عامّة، وانّ لبنان ليس للموارنة بل الموارنة هم للبنان، اعتبرت الرئيس رفيق الحريري بطل الشراكة الوطنيّة الإسلاميّة ـ المسيحيّة وشهيداً لها في معركة الاستقلال اللبناني الثاني. أمّا في السياسة "المباشرة" فلم تتردّد في إعلان اشتباهها بنيّة المطالبين بإسقاط الحكومة، إسقاط المحكمة الدوليّة "على الطريق".
وفي وقت يؤكّد مقرّبون من بكركي انّ الكنيسة في صدد إعداد نوع من الوثيقة المتضمنّة هذا الموقف من المحكمة الدوليّة وغيره من المواقف الأخرى، خصوصاً حيال الأزمة الراهنة التي تعيشها البلاد، من الواضح انّ البطريرك يرغب في إعلاء شأن الميثاق ومرجعيّته اتفاق الطائف، في هذه المرحلة من تاريخ لبنان، وسط "مشاريع" الانقضاض على الطائف وفي ظلّ محاولات "بعض" المسيحيين إخراج المسيحيين من الميثاق.
عون خارج الثوابت المسيحيّة: السبب الأوّل "الصفقة"
وحده الجنرال ميشال عون من بين القوى والتيّارات المسيحيّة، يشذّ عن هذه الثوابت المسيحيّة، بالإضافة طبعاً إلى سائر "مسحيي سوريّا" الآخرين.
يقول عون انّه مع المحكمة الدوليّة لكنّه عملياً ـ أي سياسياً ـ يقف ضدّها ويتعاطف مع إميل لحود في "ملاحظاته" حولها مشكّلاً معه "الثنائي المسيحي" الذي يغطّي منع الوصول إلى الحقيقة. وثمّة سببان رئيسيّان كامنان خلف موقفه "الفعليّ" المعادي للمحكمة الدوليّة. الأوّل هو انّه "مربوط" بصفقة مع النظام السوريّ، الصفقة التي بموجبها عاد إلى لبنان لـ"يتكفّل" بإعلان انتهاء الصراع اللبنانيّ مع نظام الأسد حول سيادة لبنان واستقلاله وحرّيته، وبـ"إطفاء" جريمة اغتيال الرئيس الحريري، في مقابل وعد سوري له بأن لا "يحلّ" نظام الأسد عن لبنان إلاّ عبره، وبعد أن يصبح رئيساً للجمهوريّة. أمّا السبب الثاني فهو انّ كثيرين من حلفائه أشخاصاً وأحزاباً متّهمون "محتملون جداً" بأدوار في هذه الجريمة، وهو يخاف من أن يأتي التحقيق الدوليّ ـ والمحكمة الدوليّة من بعده ـ على تدمير كلّ بنيانه السياسيّ.
والسبب الثاني: التبعيّة للتحالف مع بعض الشيعة
ويطالب عون فريق 14 آذار بتطبيق الطائف ناسباً إلى الطائف ما ليس فيه ورافضاً ما ينصّ عليه صراحةً، لاسيّما ما يتعلّق بسيادة الدولة ووحدة هذه السيادة. والحال انّه لا يعترف باتفاق الطائف ويستبدله بـ"ثنائيّة" مع بعض الشيعة، هي بالتعريف ضدّ اتفاق الطائف الذي ألغى "الثنائيّات" و"الثلاثيّات". وأكثر من ذلك، هو حاول استخدام ثنائيّته مع "حزب الله" لابتزاز الدخول إلى الحكومة. لا بل قيل انّه كان وافق على دخول الحكومة الحاليّة، "تحت" "الثلث المعطّل" وحاول إقناع "حزب الله" بـ"السماح" له بقبول هذا "العرض" فلم يأذن له الحزب بذلك. و"الحجّة" التي قيل انّه حاول إقناع "حزب الله" بها هي انّه سيستطيع في هذه الحالة أن يقول لجمهوره "المتناقص" انّ تحالفه مع الشيعة أعطاه مكاسب، وانّه سيستطيع ان "يشحن" ضدّ فريق 14 آذار تحت عنوان انّ "مسلمي 14 آذار" يستتبعون المسيحيين عموماً و"مسيحيي 14 آذار" خصوصاً بينما "مسلمو 8 آذار" يدعمون المسيحيين(!).
إذاً، وحده الجنرال "يقيم" خارج الثوابت المسيحيّة وخارج الميثاق. وهو ليس فقط لا يستمع إلى رأي الكنيسة ومواقفها، بل يرفض الاستماع الى تيّاره وجمهوره... سالكاً في اتجاه واحد. ولذلك هو ينهار مسيحياً، وهذا أمرٌ جلّي. وسيزداد انهياره مسيحياً في ظلّ التحاقه بمشروع "حزب الله" المفتوح على "الفدرَلة" والمواجهة الأهليّة.
الانتخابات الطالبيّة: نموذج عن تقّدم 14 آذار
وسط هذه "الصورة"، من الواضح انّ الوضع السياسيّ المسيحيّ يجتاز مرحلة جديدة. ففي المعادلة المسيحيّة، يحقق "مسيحيّو 14 آذار" تقدّماً شعبياً كبيراً. ولعلّ الانتخابات الطالبية التي جرت في الجامعات مؤخراً تدلّ على المعطيات الرئيسيّة الآتية: تراجع نسبة تأييد الشباب المسيحيّ لمرشّحي "التيّار العونيّ" أوّلاً، وفي الحالات التي حصدَ فيها "التيّار" مقاعد في الجامعات "الأكثر اختلاطاً" كان ذلك بـ"تصويت شيعيّ" ثانياً، وفي المقابل لم يعطِ مناصرو "التيّار" أصواتهم لحزب الله و"أمل" ثالثاً.
"مسيحيّو 14 آذار" يتقدّمون. وإذا كان صحيحاً بالفعل انّ المعادلة محكومةٌ الى حدّ كبير بـ"ثنائيّة" بين "التيار العوني" و"القوات اللبنانية" هي اليوم متبدّلة بقوّة لصالح "القوّات"، فإن الصحيح أيضاً انّ هذه "الثنائيّة" لا تختزل الواقع المسيحيّ، كما لا تختزل أي أحاديّة أو ثنائيّة الواقع في أيّ طائفة أخرى.
القوى الحزبيّة في 14 آذار تتقدّم فماذا عن المستقلّين؟
ضمنَ "مسيحيي 14 آذار" ثمّة تيّارات وقوى حزبيّة من جهة وثمّة مستقلّون غير متحزّبين من جهة ثانية. "القوّات" و"الكتائب" و"الكتلة الوطنية" و"الأحرار" أحزاب في 14 آذار تحقّق تقدماً على حساب العونيين لكنّها تتقدّم بتفاوت في ما بينها، و"القوات" تبدو حتّى الآن الأكثر قدرة على الاستقطاب.
في إطار هذه الخارطة السياسيّة، يبدو المستقلّون المسيحيّون "مفكّكين"، مع العلم "ان دورَهم لصالح 14 آذار "مرجّح" في العديد من الحالات، وقد لعبوا دوراً مرجّحاً بالفعل على صعيد الانتخابات الطالبية.
كلّ "مسيحيي 14 آذار" سقفهم بكركي. وكلّهم مرجعيّتهم ميثاق الطائف. لكنّ المستقلّين يلزمهم إطار سياسيّ. والمستقلّون هم الذين بالتعريف لا يتحزّبون. وبهذا المعنى، فإنّ الشخصيات السياسية المستقلّة، غير الحزبيّة، يلزمها إطار سياسيّ كي لا تكون مشتّتة من ناحية وكي تكون هي نفسها مرجعيّة للمستقلّين على الصعيد المسيحي العام وعلى الصعيد الشباب والشعبيّ من ناحية ثانية. والشخصيات السياسية المسيحية المستقلّة هي التي تعتبر بكركي حزبها.
"منطقة فراغ".. وتجربة "قرنة شهوان"
انّ المقصود قوله في هذا السياق، هو انّ ثمّة "منطقة فراغ" موجودة حالياً على الخارطة السياسية المسيحيّة، تتمثّل في غياب "التأطير" للشخصيّات والفاعليات المستقلّة، غير الحزبية.
في المرحلة السابقة على الانسحاب السوريّ وحتّى موعد الانتخابات النيابيّة الأخيرة، كانَ "لقاء قرنة شهوان" حاضراً بقوّة، مجسّداً الذراع السياسية لبكركي، وقد أدّى هذا "اللقاء" دوراً تاريخياً في معركة الاستقلال والسيادة. وفي هذه المرحلة، شكّل "لقاء القرنة" مع "التيار العونيّ" ثنائيّة على الخارطة المسيحيّة. لكنها لم تكن الثنائيّة الوحيدة، فهو نفسه كان قائماً على ثنائيّة بين التيّارات الحزبيّة والشخصيات المستقلّة. وكانت قوى في داخله تشكّل ثنائيّة مع العونيين خارجَه.
"قرنة مستقلين"
وبما انّ لا شيء يمكن تكراره حرفياً، لأنّ ظروف مرحلة هي غير ظروف مرحلة أخرى، ولأن التيّارات الحزبية كانت في أوضاع مختلفة عمّا هي عليه اليوم، فلم يعد الدكتور سمير جعجع مسجوناً ولم يعد حزب الكتائب مخطوفاً من يد قيادته الشرعيّة. وبما انّ المسألة لم تكن في "قرنة شهوان" مسألة "جبهة مسيحيّة"، وبما أن التعدّد داخل الطوائف ليس فقط ضمانة ديموقراطيّة بل ضمانة ميثاقيّة أيّ ضمانة لحسن تطبيق الطائف، بدليل ما يحصل شيعياً في هذه الأيّام حيث انعدام التعدّد يؤدّي الى أزمة في الميثاق الوطنيّ.. فإنّ المطلوب إعادة تأسيس "قرنة شهوان ما" جديدة، "قرنة" للمستقلّين غير الحزبيين. وبطبيعة الحال، فإنّ "قرنة" من هذا النوع لا تنافس الأحزاب والتيارات الحزبيّة على أرضها لأنّها لن تكون حزباً بالتعويض طالما انّ أعضاءها لا ينتسبون الى أحزاب أصلاً. لكن "قرنة" من هذا النوع، تكمن أهميّتها في انّها تستطيع أن تخلق "رأياً عاماً"، أي أن تساهم في تشكيل الرأي العام المسيحيّ وفي "إرشاده".
قد لا يكون مطلوباً أن يرعى البطريرك إطاراً "قرنوياً" جديداً. وقد لا يكون مطلوباً ترؤّس المطران يوشف بشارة هذا الاطار، بالرغم من تاريخيّة دور المطران بشارة ممثلاً للبطريرك في "القرنة" السابقة.
"14 آذار" هي المصبّ و"قرنة المستقلّين" غنى
وإذا ما تحقّق ذلك، تغدو "الصورة" أوضح. حركة 14 آذار هي الاطار الميثاقي الاستقلالي الإسلامي ـ المسيحي المشترك. وهي المصبّ للجميع مسلمين ومسيحيين، وهي الآن "الكتلة اللبنانيّة التاريخيّة المختلطة". وأهميّة 14 آذار انّ جماهيرها أوسع بكثير من جماهير مكوّناتها، وأهمّيتها انها تشكّل ترجمة لميثاق العيش المشترك.
وبهذا المعنى فإن إعادة تشكيل "قرنة" ما للمستقلّين المسيحيين ليست خروجاً من "العام" إلى "الخاص"، ولا خروجاً من "الوطنيّ" إلى "الطائفي" ولا من "التوحّد" إلى "الفرز"، طالما أنّها تنبثق من 14 آذار لتعود إليها. الفرز هو عكس ذلك، أي عندما يشكّل "مسيحيو 14 آذار" كتلة خاصة داخل الحركة أو إلى جانبها أو في موازاتها. والحال انّ "قرنة" ما جديدة هي إغناء للتعدّد السياسيّ المسيحيّ وللتعدّد ضمن 14 آذار، وعامل مساعد لمخاض آخر في طائفة أخرى هي الطائفة الشيعيّة، مع الاعتراف سلفاً بأنّ هذا المخاض عسير جداً جداً.
وإلى ذلك، يضاف انّ "قرنة" ما جديدة سوف "تستحضر" مظلّة البطريرك فوق 14 آذار ودوره بوصفه "الشريك المسيحيّ" حتّى لو لم يرعَ البطريرك هذا الاطار مباشرة. كذلك، فإن هكذا "قرنة" هي الأكثر قدرة على المساهمة في "استيلاد" ما يشبهها في طوائف أخرى فيتولّد عن كلّ ذلك "عمل" لبناني مختلط في المستقبل. وبكلام آخر، إذا كان الظرف السياسي الراهن يستدعي النظر في هذا "الاقتراح"، فإنّ أسباب "الاقتراح" تتجاوز اللحظة الحاليّة لتشمل إعادة تشكيل الاجتماع السياسي ككل وإطلاق الديناميّات السياسيّة لتطبيق الطائف ميثاقياً بكلّ معنى الكلمة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00