أتت المواقف المُعلنة من جانب الفريق الشيعيّ المستقيل، والتي وُضعت تحت عنوان أنّ الحكومة فقدت باستقالة وزراء "أمل" و"حزب الله" شرعيّتها الدستوريّة لتناقضها مع ميثاق العيش المشترك، لتسلّط الضوء على فهم خطير لاتفاق الطائف.
في المبدأ، صحيحٌ أنّ الحكومة لا يمكن أن تستمرّ بلا تمثيل سياسيّ للشيعة فيها ويجب ألا تستمرّ بدون تمثيل شيعيّ، بصرف النظر عن "الاجتهادات" التي تؤكّد دستوريّة الحكومة حتّى بافتقادها الى "النصاب الوطني" الكامل طالما أنّ أكثريّة الثلثين لا تزال فيها. بيدَ أنّ هذه "الاجتهادات" كما مواقف الفريق الشيعي المستقيل، تنظر الى "النتيجة" وليس الى "السبب". و"السبب" هنا هو الاستقالة نفسها والفهم الذي يسيّرها.
مفهوم "الفيتو" خطير جداً
منذ فترة غير قصيرة، وعندما "يُزرك" حزب الله بالسؤال عن موقفه من اتفاق الطائف، يجيب أنّه "مع" هذا الاتفاق. لكنّه يقرن تلك الموافقة العموميّة بـ"تفسير" يحقّ بموجبه للطوائف، أي لممثّليها في المؤسسات، أن تمارس "الفيتو" على القرار داخل هذه المؤسسات، وبموجب هذا "التفسير" يكفي أن تكون طائفة من الطوائف معترضة على أيّ قرار كي لا يصدر هذا القرار حتّى لو لم يكن متعلقاً بشؤون هذه الطائفة أو تلك.
والحال أنّه لو جرى الأخذ بهذا "التفسير"، لسقط منطقُ القرار الموحّد الذي تصدره سلطة موحّدة، ولغدَت السلطة سلطة "مركبّة" من أجزاء لكلّ منها مشروعه، ولسقطت الدولة "المركزيّة". والحالُ أيضاً أنّه لو جرى الأخذ بهذا "التفسير"، لاقتضى الأمر تغييراً في طبيعة النظام اللبناني بحيث يغدو نظاماً فيديرالياً، علماً أنّ في الأنظمة الفيدرالية سياسة خارجية ودفاعية ومالية موحّدة للحكم الفيديرالي.
انقلاب على طبيعة النظام
إذاً، إنّ الفهم الخطير لاتفاق الطائف، هو في جعله مبنياً على أساس "الفيتو" و"تبادل الفيتوات"، أي في جعل النظام المنبثق عنه نظاماً سياسياً فيديرالياً. وليسَ صدفةً أن هذا التفسير ـ البدعة لاتفاق الطائف يقترن ببدعة أخرى هي بدعة الثلث المعطّل في مجلس الوزراء.. بحيثُ يكون ثمّة لغمان في الوقت نفسه: "الفيتو" أي فيديرالية الطائفة والثلث المعطّل أي الاختراق داخل "السلطة الفيديرالية".
صحيح أن لبنان هو "أشبه" بفيديرالية طوائف وكان هكذا على الدوام. لكنّ ما حالَ دونَ تكريس نظام فيديراليّ، هو التوافق على أنّ النظام في لبنان جمهوريّ ديموقراطي برلمانيّ. وأن يكونَ النظامُ ديموقراطياً برلمانياً يعني الإفساح في المجال أمام الديموقراطية والتعدد داخل كل طائفة وفي البلد عموماً، بمعنى أن الديموقراطية هي الضمانة لعدم "الفدرلة" سياسياً و"الكنتنة" عملياً والديموقراطية هي الضمانة، لأن الحكومة التي تنبثق من انتخابات ديموقراطية يُفترض أن تضمّ ائتلافاً سياسياً منسجماً مِن كلّ الطوائف، فتكون حكومة ميثاقيّة وفاعلة في آن، لا أن تضمّ ائتلافاً بين خطّين سياسيين متعارضين، ولو أنّ من يحمل أحد الخطّين المتعارضين ممثّل "شمولي" لطائفة من الطوائف.
الديموقراطية والتعدّد داخل الطوائف ضمانتان
ثمّة فهم خطير لاتفاق الطائف، وواقع الأمر أنّ لبنان كلّه يدفع في هذه المرحلة ثمن التطبيق السوريّ للاتفاق. فلبنان يدفعُ ثمن إعدام نظام الوصاية السوريّة للديناميات السياسية في طائفة أكثر من غيرها، حيث آل التمثيل الحصري للشيعة الى فريق محدّد دون غيره.
في القراءة "القانونية"، من الواضح إذاً أنّ "التفسير" الذي بنى عليه الفريق الشيعي صراعه داخل الحكومة ومعها في الفترة الماضية، يسمحُ باستنتاج أنّ المضيّ فيه هو إمعان في فدرلَة النظام السياسيّ، أي أنّه يجب قبلَ الحديث عن شرعيّة أو عدم شرعيّة جلسات مجلس الوزراء، التساؤل عن مدى شرعية الاستقالة نفسها بمقاييس العيش المشترك، طالما أنّها مبنيّة على ما يعاكسه.
الممرّ الانقلابي الفوضويّ الخطير
ماذا من الناحية السياسيّة؟.
مِن هذه الزاوية، استنفد النقاش في أبعاد المشروع السياسيّ الراهن لحزب الله، أغراضه، بما هو مشروع بوظائف اقليمية. وما يفضح هذا المشروع أنّ هدفه الأقصى هو السيطرة على القرار السياسيّ.. وإلا الفيديرالية "عملياً".
ويبدو مشروع "حزب الله" في حدّيه الأقصى والأدنى خطيراً، لأنّ ممّره انقلابيّ وفوضويّ و"عنيف"، طالما أن لا "حلّ وسط" بينهما.
"دولة حزب الله"
ويبدو هذا المشروع خطيراً جداً، لأن "حزب الله" يجلس فوق دولة خاصّة قائمة منذ فترة وتزداد قوّة، أي أنّه يقيم الآن فيديراليته. ولدولته موازنة مستقلّة عن موازنة الدولة المركزيّة وأكبر منها، ولها جيش مستقل عن جيش الدولة المركزيّة وأقوى منه، ولها نظامها السياسيّ على النموذج الإيراني، ولها سياستها المستقلّة عن سياسة الدولة المركزيّة والمتناقضة معها.
ويبدو المشروع خطيراً جداً في "موسم" انتعاش "التفكير" الفيديرالي لدى الشيعة الموالين لإيران في غير مكان في المنطقة، والعراق نموذج له.
وهو خطير جداً لأن "ضحاياه" هم من خارج "حزب الله" أوّلاً. وهنا، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الرئيس نبيه برّي و"حركة أمل" هما في مقدّم الضحايا. وهذا القول ليس لتحريض الرئيس برّي وهو العصيّ على التحريض. ذلك أنّ "الفيديرالية الشيعيّة" هي "دولة حزب الله" حكماً وبالتعريف ولن يكون لبرّي والحركة مكان فيها. و"قيمة" برّي السياسيّة، فضلاً عن قيمته في مجالات عدّة، هي أنّه شريك في حكم مركزيّ للبنان وأنّه رئيس لمجلس نوّاب كلّ لبنان، وهي التي يأخذها "حزب الله" في الحسبان.
برّي وحديث استبدال المستقيلين
لذلك، ومع أنّ الرئيس برّي معروف بذكائه السياسيّ ومعروف بأنّه يزن مواقفه وتكتيكاته، فإنّه لم يكن مضطراً إلى تغطية الحملة على جلسة مجلس الوزراء التي أقرّت نظام المحكمة الدوليّة حتّى لو كان مقتنعاً بأنّ "الوجه الآخر" للجلسة وهو أنّ استقالة وزراء الشيعة تفقدها نصابها الوطنيّ.. إلا إذا.
إلاّ إذا رُبط هذا "الشق" من موقفه بـ"الشقّ" الآخر حيث دعا إلى استبدال الوزراء المستقيلين بوزراء شيعة آخرين من خارج "أمل" و"حزب الله". والحال، إنّ نصيحته هذه، بصرف النظر عن الأخذ بها أو عدمه، تعني تأكيداً من جانبه على ان النصاب الميثاقي يمكن تحقيقه بشيعة من لون سياسي آخر، وقطعاً للطريق في وجه التفكير الفيديرالي. وفي جميع الأحوال، فإنّ هذه النصيحة في محلّها، إذا كان برّي يقصدها بالفعل وإذا تعذّرت عودة الوزراء المستقيلين عن استقالاتهم. وفي هذه الحالة، سيكون توزير شيعة من خارج الثنائيّة القائمة، مدخلاً إلى حلّ "أزمة الحكم" التي كان الواقع الشيعيّ سبباً رئيسياً لها في العامين الماضيين، ومعبَراً إلى مرحلة جديدة حيث التعدّد داخل الطوائف هو ـ تكراراً ـ ضمانة للبنان، وضمانة حتّى لطرفي الثنائيّة كي يستطيعا ممارسة السلطة أو المعارضة من دون أن تصل الأمور في كلّ مرّة إلى حدّ "الأزمة الوطنيّة" الكبرى، وبحيث يكون للفريق الحاكم اليوم "ذراعه" الشيعيّة.
توجّه "حزب الله" إلى العصيان
غنيّ عن القول إنّ النقاش في هذه العناوين، هواليوم أهمّ من أيّ وقت مضى. لماذا؟
لأنّ ما يسرّبه "حزب الله" عن خطواته المقبلة خطير جداً. وفي هذا التسريب أنّ الأكثريّة إذا استطاعت إقرار المحكمة الدوليّة في مجلس الوزراء، فإنّها لن تستطيع إقرارها في مجلس النوّاب، ما يعني أنّ ثمّة تحضيراً للاستقالة من المجلس النيابيّ.
وفي هذا التسريب، كلام عن عصيان على الدولة المركزيّة، داخل الادارة العامة وفي المناطق. في هذا التسريب كلام عن إتمام سحب الشيعة من النظام حكومة ومجلساً، ومن الدولة. ولذلك، فإنّ الحديث عن مفاجآت لا يحمل أيّ مفاجآت في الواقع. والتتمّة "المنطقيّة" لما يعلنه "حزب الله" من مواقف تستند إلى تفسيره للطائف والدستور، هي الانسحاب من النظام والدولة. وفي ذلك قمّة التهديد بالفوضى والعنف. وفي ذلك قمّة التهديد للكيان اللبناني ووحدته.
وحقيقة الأمر هنا، أنّ استنتاج أنّ التفسير الفيديرالي للطائف يقود إلى تهديد الكيان اللبناني ووحدته، هو حتّى الآن، استنتاج "نظريّ". لكنّه استنتاج تسنده معلومات تفيد أنّ ثمّة توجهاً تطبيقياً يبدأ في غضون أيّام قليلة لتنفيذ العصيان الانقلابيّ.
استكمل "حزب الله" تعبئته، وفيها أنّ ثمّة مَن يريد أن "يستوطئ" حائط هذه الطائفة. وفيها أنّ الطائفة هي حزبُها، أي أنّ ثمّة تماثلاً بين الطائفة وحزب الطائفة.. وهذا أيضاً لا علاقة له باتفاق الطائف لا نصّاً ولا روحاً. وفي هذه التعبئة لم يعد "حزب الله" يعير أيّ اهتمام حتّى بـ"حليفه" الجنرال ميشال عون، بعد أن بات البُعد الفيديرالي مكشوفاً، ولا يستطيع "الجناح المسيحي" من "المشروع السياسيّ" شيئاً.
حيال هذه التطوّرات جميعاً، تحرّكت في الساعات الماضية بعض "المبادرات" الداخليّة التي ترافقت مع عودة الرئيس برّي من طهران، وفي هذه المبادرات اقتراحات "جزئية" تحت عنوان الوضع الحكومي.
خطأ التنازل امامه
سيكون من الخطأ الاعتقاد أن "حزب الله" سيُفسح في المجال أمام ما هو دون تمكينه مع حلفائه من الإمساك بالقرار، وهو الذي يتصرف على أساس الفيديرالية الشيعية بالأمر الواقع زائد الفيتو داخل "الفيديرالية المركزية". وسيكون من الخطأ المسايرة والتنازل من جانب فريق 14 آذار.
من الواضح أن فريق 14 آذار لا يسعى الى المواجهة ويريد تجنب الصدام. وقد أعطى أركان أساسيون فيه إشارات انفتاح من أجل تجنب المواجهة. زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري وجّه كلاماً ايجابياً الى "حزب الله"، وفعل رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط الشيء نفسه. وجاء الرد سلبياً وهجومياً.
المجال الوحيد: التسوية الكاملة
ثمة مجال واحد يبقى مفتوحاً. وهذا المجال هو عودة "حزب الله" وحلفائه الى طاولة الحوار والبحث في كل شيء، والتوصل الى تسوية سياسية ـ وطنية متكاملة.. وإلا فإن أي تنازل سيشجع هذا الفريق على المضي في مشروعه الذي يمثل ذروة الانقضاض على اتفاق الطائف وعلى العيش المشترك، وسيشجعه على "أخذ" ما يعتبر أنه له وعلى تعطيل ما له وللآخرين معاً.
إن "المشروع" الذي يحمله "حزب الله" وحلفاؤه يُخرج لبنان من نفسه. هو نقيض العيش المشترك ونقيض الكيان والدولة. إنه "دولة حزب الله" التي تدور بعض "الأجرام" في فلكها. لا مجال إلا بالعودة الى الحوار. وعادة عندما يبلغ مشروع ما ذروة انكشافه لا يكون ذلك دليل قوَّته، حتى لو توسّل القوة و"الهوبرة". ولأطراف 14 آذار من تجاربها ما يؤكد أن مداواة "الهاجم" لا تبدأ بالتنازل له، بل باستعادته الى الطاولة وبدون شروط مسبقة.. وإلا يجازف فريق 14 آذار بنفسه وبمشروعه.. وبوجوده.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.