8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

النظام السوري بين خيار الفوضى والاغتيالات وخيار "قلب الطاولة إقليمياً"

لا جدال في الأهمية الاستثنائية لإقرار مجلس الوزراء أول من أمس نظام المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر جرائم الاغتيال الأخرى. الجوانب السياسية والأخلاقية لهذه الأهمية الاستثنائية كثيرة جداً. بيد ان ثمة جانباً لا مفرّ من تسليط الضوء عليه وهو ان إقرار نظام المحكمة يشكّل إعلاناً بأن المحكمة تسلك طريق اللاعودة وبأن لا مجال لوقف مسار قيامها.
إقرار نظام المحكمة: رسالة في اتجاهين
فهذه الخطوة هي بمثابة رسالة في اتجاهين: باتجاه دمشق تقول للنظام السوري ان الأمر قد قضي وان محاولاته لإسقاط المحكمة الدولية قد فشلت وعليه أن "يتكيّف" مع هذا المعطى، وباتجاه حلفاء هذا النظام في لبنان تقول لهم انهم لن يستطيعوا بعد اليوم الابتزاز في هذا الموضوع الذي بات خارج أي بازار سياسي.
لمحاولات النظام السوري إسقاط المحكمة الدولية محطّات منذ أن كانت لجنة تقصّي الحقائق ثم عند تشكيل لجنة التحقيق الدولية وبعد ذلك في الهجمات على تقارير التحقيق. غير ان محاولات نظام بشار الأسد تصاعدت بشكل حثيث عندما أدرك ان المحقق الدولي سيرج براميرتس وصل إلى مرحلة متقدّمة بات معها في حاجة إلى تشكيل المحكمة ليقدّم إليها الحصيلة، وعندما بلغت صياغة مشروع الاتفاق بين لبنان والأمم المتحدة والنظام الأساسي مرحلة الاقتراب من النهاية.
سقوط محاولات إسقاط المحكمة الدولية
اشتغل نظام الأسد، من أجل تعطيل قيام المحكمة الدولية، على خطّين. الخط الأول تمثل في محاولة اختراق الشرعية الدولية في مجلس الأمن. والثاني تجسّد في محاولة إسقاط الحكومة، أي الشرعية اللبنانية قبل استحقاق إقرار نظام المحكمة. وفي مجال الحديث عن الخط الأول، لم يعد خافياً ان النظام في سوريا راهن على موقف روسي يحول دون تحقيق توافق دولي حول هذا الموضوع. غير ان روسيا التي تقدّمت بملاحظات على مسوّدة نظام المحكمة لم تكن مستعدة للذهاب إلى افتراق مع سائر أطراف المجتمع الدولي بالرغم من حساب مصالحها على المسرح الشرق أوسطي. اكتفت بتعديلات "يمكن" أن تحمي "رأس" النظام السوري لكنها مع مجريات التحقيق والمحاكمة لا يمكن أن تقدم ضمانة نهائية لا للنظام ولا لـ"رأسه". أما في الخطّ الثاني، فكان أمر العمليات السوري ـ والإيراني ـ بإسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، وصولاً إلى محاولة ضربها بالاستقالة منها.
فشل نظام الأسد في معركته في مواجهة الشرعيتين الدولية واللبنانية. وأهمية قرار مجلس الوزراء انه يكرّس هذا الفشل. ذلك ان الشرعية الدستورية التي نجحت في إقرار المحكمة في مجلس الوزراء هي نفسها التي ستنجح في بتّه في مجلس النواب.
أما الآن، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل "استوعب" النظام السوري هذه الحقائق ـ المعطيات أي هل "استوعب" ان معركته لإسقاط المحكمة الدولية خاسرة لأن هذه المحكمة ستنشأ حتماً؟. أما السؤال الآخر "المتفرّع" عن الذي سبقه فهو: هل "استوعب" الفريق الحليف للنظام السوري في لبنان هذه الحقيقة بدوره طالما ان المحكمة الدولية "سالكة"؟.
نظام دمشق "فهم".. ولذلك سيستشرس
في الجواب عن السؤال الأول، من الطبيعي القول ان النظام في دمشق "فهم" بالفعل. و"فهم" ان المسألة تتجاوز تعديلات أدخلت على نظام المحكمة، لأن النظام في سوريا عبارة عن حلقات متّصلة من الحلقة الأصغر إلى الحلقة الأكبر، أي من المرتبة الأدنى إلى المرتبة الأعلى. بيد ان "فهمه" لا يكفي لاستنتاج انه سوف يسعى إلى تكيّفات معيّنة، بل على العكس ان "فهمه" قد يكون السبب لاندفاعه أكثر فأكثر في "المعركة" أو "المواجهة".
في "السياسة" داخل لبنان، لا شكّ في ان الخيارات غير متاحة أمامه. ذلك ان استقالة نوّاب الحلفاء من المجلس النيابي لو حصلت لن تلغي تصديق المجلس على نظام المحكمة الدولية، فضلاً عن ان خطوة من هذا القبيل لا تحقّق لحلفائه مصلحة. وكذلك فإن التغيير الحكومي مستحيل بغير التوافق، أي ان من مصلحة حلفائه ـ الأساسيين ـ التوجه نحو تسوية متكاملة مع فريق 14 آذار، يتم على أساسها تركيب الصيغة الحكوميّة.
إندفاع حلفائه أو بعضهم إلى "لعبة الشارع" محفوفة بالمخاطر على الجميع وهؤلاء في المقدّمة. و"لعبة الفوضى" ستوضع في خانة سوريا وإيران وستستدعي تدويلاً مضاعفاً للوضع اللبناني.
يبقى "سلاح" الاغتيالات إذاً؟.
لا يمكن استبعاد إقدام نظام الأسد على استخدام هذا "السلاح"، والبيان الصادر عن "القاعدة" قبلَ أيّام يشي بالدماء.
غيرَ انّ "سلاح" الاغتيالات لن يؤدّي فقط الى تثبيت المحكمة الدوليّة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري و"تعزيزها" بل سيؤدّي حتماً الى تصعيد دوليّ لمحاكمة النظام السوريّ بـ"كامله".
خيارُ الهروب الى حرب إقليميّة
ما النتيجة المقصودة من هذه المقدّمات جميعاً؟.
الجواب هو انّ النظام السوريّ في "أزمة" حقيقيّة. ولا شكّ في ان خطوة إقرار نظام المحكمة الدوليّة في مجلس الوزراء أتت تعمّق هذه الأزمة. وعندَ استعراض "الوسائل" التي يمكن لنظام الأسد اللجوء اليها، كانت الغاية إبراز "عبثية" هذه "الوسائل" سياسياً، ولم تكن استبعاد أيّ منها واستبعاد الحيطة اللازمة من غدراته. على انّ ذلك كلّه لا يُنهي البحث هنا، لأنّ النظام السوريّ وهو في "أزمة" يبحث عن الخروج منها دفاعاً عن بقائه ووجوده، يبحثُ عن "وسيلة" لقلب الطاولة "على الواسع" في المنطقة. وبكلام آخر، ثمّة احتمال لأن "يزاوج" الأسد بينَ الفوضى والاغتيالات في لبنان من ناحية وبين الذهاب الى "الأكبر" أي الى الحرب الاقليميّة من ناحية أخرى.
ثمّة مقدّمات لهذا "الأكبر". التحالف السوريّ مع نظام الجمهوريّة الاسلاميّة في ايران قائم ومتين. وحتّى الآن، تبدو العلاقة بين طهران والمجتمع الدولي، بينها وبين الولايات المتحدة ذاهبة الى "مواجهة"، وفي حال حصولها فإنّ نظام الأسد في "قلبها"، وفي حال عدم حصولها له مصلحة في فتح "مواجهته" الخاصة. و"قلب الطاولة" هنا يعني فتح جبهة الجولان و"لا مانع" من فتح جبهة الجنوب اللبناني مرّة أخرى اذا كان ذلك ممكناً. ولعلّه لم يعد خافياً معنى الرابط بين الموقف السلبيّ من المحكمة الدوليّة من جهة والموقف السلبيّ من القرار 1701 من جهة ثانية. وبهذا المعنى، في تقدير النظام السوريّ انّ الذهاب الى "الأكبر" من شأنه أن "يغطّي" على المحكمة الدوليّة، لكن من شأنه اعطاءه مشروعيّة "نضاليّة" بحيث لا "يبقى" هذا النظام محالاً الى محكمة دولية في جريمة قتل زعيم لبنانيّ، بل يصبح "بطلاً قومياً" تجري محاكمته لأنّه كذلك وفقاً لتصوّره.
اذاً، انّ ما بعد إقرار نظام المحكمة الدوليّة والشروع في خطوات تشكيلها، يفيد انّ النظام السوريّ الذي "يفهم" جيداً معنى المحكمة سيذهب الى التصعيد وليس الى "التكيّف"، خاصّة انّ للتكيّف شروطاً مفروضة دولياً.
التصعيد الداخلي من جانب "حزب الله"
عبثيّ اذا كان الأمر يتعلّق بالمحكمة
والآن، ماذا عن الداخل اللبنانيّ؟.
يفترض بعدَ إقرار مجلس الوزراء لنظام المحكمة، بما تعنيه هذه الخطوة من اخراج للموضوع من البازار السياسيّ، أن يدرك الفريق المعادي لحركة 14 آذار انّه لم تعد للتصعيد أيّة "وظيفة". فإذا كانت الغايةُ من التصعيد خلال الفترة السابقة تعويق المحكمة الدوليّة حمايةً للأسد والنظام الأمنيّ اللحودي، فإنّ هذا الأمر انتهى، بمعنى انّ المحكمة الدولية ستقوم بتوافق دوليّ يدعمه معظم اللبنانيين. أمّا اذا كانت الغاية البحث في توازن الشراكة الوطنية، فإن لذلك أصولاً في الحوار المفضي الى تسوية.
انّ مواصلة الفريق الذي يقف "حزب الله" على رأسه التصعيد، مسألة عبثيّة وفقاً لكلّ المقاييس. الفوضى عبثيّة، والنزول الى الشارع عبثيّ، وفتح الوضع على احتمالات صدام أهلي عبثيّ أيضاً. وقبل كلّ ذلك، كانت الاستقالة من الحكومة موقفاً خاطئاً، خاصّة عشيّة جلسة إقرار نظام المحكمة الدوليّة في جريمة اغتيال شهيد المسلمين واللبنانيين الرئيس رفيق الحريري. ذلك انّه كانَ خطأ قاتلاً الايحاء بأنّ ممثّلي الشيعة اللبنانيين يقفون حجر عثرة أمام هذا الانجاز مهما قيل ويقال في هذا الموضوع. كانَ خطأ الذهابُ الى موقف يبدو معه أن الشيعة يحلّون دم الحريري. ولا شكّ في انّ الرئيس نبيه برّي حاول إستنقاذ "كرامة الشيعة" عندما أكد دستوريّة مجلس الوزراء وجلسته الاستثنائية بعد استقالة وزراء "أمل" و"حزب الله". لكنّ ذلك على أهمّيته ليس كافياً.
ثمّة فرصة اذاً للتوقّف عن تصعيد الأزمة السياسية ـ الوطنية في البلد. وما يدعّم هذه الفرصة انّ فريق 14 آذار يعتبر ان إقرار نظام المحكمة سحب ـ نظرياً وفي المبدأ ـ سبباً أساسياً من أسباب التوتّر، وانّه مستعد لاستئناف الحوار بانفتاح وإيجابية.
هذا من زاوية "موضوعية". لكن، هل يمكن القول تأسيساً على ما تقدّم ان التعقّل سيغلب على سلوك "حزب الله" وفريقه؟.
..لكن ماذا عن العلاقة
بالمشروع الإقليمي الإيراني ـ السوري؟
الجواب عن هذا السؤال هو النفي بالاستناد إلى المعطيات الراهنة. ذلك انه غنيّ عن القول ان "حزب الله" منخرط في مشروع إقليمي إيراني ـ سوري. وهذا المشروع الإقليمي يهدف إلى ضمّ لبنان، في ما يسمّى مواجهة المشروع الأميركي والاستفادة من مشكلات أميركا في العراق. وإذا كان ثمة هدف "خاص" للأسد في إطاره هو التخلص من المحكمة الدولية، فإن لإيران برنامجاً أوسع.
بكلام آخر، ان المشروع السياسي الداخلي لحزب الله والمعنوَن بـ"حكومة الوحدة الوطنية" كان يضمر حتى الآن الحؤول دون وصول نظام الأسد إلى المحكمة الدولية. لكن من الواضح ان المشروع هذا ذو مدى أبعد، هو السيطرة على القرار السياسي للدولة ليكون القرار حاضراً لتلبية متطلبات المحور الإيراني ـ السوري إقليمياً. ولعلّ رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط كان على درجة عالية من الوضوح عندما سأل "حزب الله" على طاولة التشاور: هل لمشروعكم وتحرككم علاقة بـ"الحرب الآتية" على المنطقة السنة المقبلة؟
إذاً، ثمة فرصة إذا كان الأمر يتعلق "فقط" بموضوع المحكمة الذي لن يوقفه شيء بعد الآن. غير ان هذه الفرصة لن تكون موجودة إذا كان في الأمر إلحاق للبنان من جانب "حزب الله" بالمشروع الإقليمي الإيراني ـ السوري.. أي ان هذه الفرصة لن تكون موجودة إذا قرّر "حزب الله" بناءً على موقف سوري (وإيراني) الذهاب مع نظام الأسد إلى "الأكبر" أي إلى قلب الطاولة بما في ذلك من البوابة الجنوبية، لا سيما ان في بعض خطابه ملامح تجديد التأكيد على دور آتٍ لـ"سلاح المقاومة".
لذلك، وتلخيصاً يمكن القول إن إقرار نظام المحكمة الدولية في مجلس الوزراء "يمكن" أن يُطلق العملية السياسية الداخلية من جديد، لكنه في المقابل "يمكن" أن يدفع نظام الأسد وحلفائه إلى التصعيد، وإن كان تصعيدُ الأسد هذه المرة تحت "سيف" المحكمة الدولية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00