لن تمنع استقالة وزراء الثنائية الشيعية "أمل" و"حزب الله" مجلس الوزراء من إقرار النظام الأساسي للمحكمة الدولية في الجلسة الاستثنائية التي يعقدها اليوم. ففي ظل عدم قبول الرئيس فؤاد السنيورة هذه الاستقالة، يستطيع مجلس الوزراء أن يجتمع بنصابه القانوني المحدّد دستورياً بالثلثين وأن يقرّ بالثلثين ويزيد نظام المحكمة الذي وُضع هو نفسه بالتوافق بين الأعضاء الخمسة الدائمي العضوية في مجلس الأمن الدولي.
لا مشكلة قانونية ـ دستورية إذاً على هذا الصعيد. بيد ان توقيت الثنائية الشيعية لاستقالة وزرائها في ضوء دعوة مجلس الوزراء إلى الانعقاد لبتّ هذا الموضوع، يطرحُ مشكلة من نوع آخر، تتجسّد في رفض الثنائية الشيعية تأمين "النصاب الوطني" لإقرار نظام المحكمة الدولية.
الاستقالة: الطرفان يتجنّبان إقرار المحكمة
أو يتجنّبان رفضها؟
طبعاً، من نافل القول ان الاستقالة، بالصلة مع وضع نظام المحكمة على جدول أعمال جلسة استثنائية لمجلس الوزراء، تعني واحداً من أمرين. الأول، هو ان طرفَي الثنائية يتجنّبان في أحسن الأحوال المشاركة في إقرار نظام المحكمة أو إقراره في حضور وزرائهما. والثاني هو ان الطرفين يتجنّبان في أسوأ الأحوال الاعتراض حضورياً على المحكمة الدولية. غير ان "المحظور" وقع مع ذلك: ان ممثلي الشيعة في السلطة التنفيذية يمتنعون عن المشاركة في قرار "تاريخي" يقضي بإنشاء المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وإذا كان من شأن هذا الموقف أن يشكّل استفزازاً لفريق واسع من اللبنانيين هو فريق 14 آذار بتعدّده السياسي والطائفي، فإن من شأنه بالدرجة الأولى أن يراكم حساسيات شيعية ـ سنيّة داخل الساحة الإسلامية.
كانت مشاركة وزراء "أمل" و"حزب الله" في مجلس الوزراء ومشاركتهم في إقرار المحكمة الدولية، ستشكّل فرصة ذهبية ليس فقط لتأمين نصاب وطني "كامل" حول هذا الموضوع، بل فرصة للطرفين، لا سيما "حزب الله" لدعم المطالبة بما يسمّى "حكومة الوحدة الوطنية".
الاستقالة: حجّة في يد 14 آذار
فعشيّة الجلسة "الأخيرة" للتشاور، وتحديداً يوم الجمعة الفائت، سوّق الطرفان لا سيما "حزب الله" لـ"مقايضة" تقوم على "المحكمة الدولية في مقابل الثلث المعطّل"، وفي ذهن الحزب كما تبيّن إنّ "المقايضة" كانت تقضي بالموافقة "المبدئية" على المحكمة الدولية في مقابل الثلث المعطّل. وحيال هذه "المقايضة" المعروضة، كان لفريق 14 آذار موقف واضح وحاسم: لا مقايضة للمحكمة بـ"السلطة" فكيف إذا كان المعروض مقايضة موافقة "مبدئية" على المحكمة بـ"السلطة"؟ وفي تقدير فريق 14 آذار، انه كان على الطرفَين تجسيد الموافقة "المبدئية" التي سبق لهما أن أعطياها على طاولة الحوار في آذار الماضي بالسير في إقرار المحكمة بدون تحفّظ، خصوصاً ان نظام المحكمة ليس "مبادئ عامة" بل هو مبادئ محدّدة، وان مشروع النظام بات في لبنان وفي عهدة الحكومة ويُفترض بفريق الثنائية وحلفائه أن يقوم بمبادرة حسن نيّة في هذا المجال، يمكن التأسيس عليها في مرحلة ثانية من البحث في "حكومة الوحدة الوطنية.
بطبيعة الحال، أتت استقالة وزراء "أمل" و"حزب الله" في هذا التوقيت، ليس فقط لـ"تكشف" الارتباط بين المطالبة بما يسمّى "حكومة وحدة وطنية" وبين المحكمة الدولية، بل أتت تعزّز شكوك 14 آذار في هذه المطالبة. فكيف يمكن قيام "حكومة وحدة وطنية" مع من يحاول "المستحيل" لحماية النظام السوري ونظامه الأمني من العدالة؟ وكيف يمكن الاطمئنان إلى فريق لو كان لديه الثلث المعطّل فعلاً لما تردّد في استخدامه في أي وقت تعطيلاً للسلطة وقرارها؟. وكيف إذا كانت العلاقات الإقليمية تتقدّم على حسابات الوحدة الوطنية، خاصّة متى عُرف انّ تخريب المحكمة الدوليّة هو المدخل الى تخريب لبنان وإعادة الوصاية في امتداد التخريب.
لماذا الذهاب مباشرة إلى الخطوة "الأخيرة"؟
لا جدال إذاً في ان الاستقالة كشفت ان مخاوف 14 آذار في محلها. لكنّ السؤال يبقى الآتي: لماذا قرّرت الثنائية الشيعية الذَهاب مباشرة إلى الخطوة الأقصى، أي الخطوة النهائية؟
ينطلق هذا السؤال ممّا كان معروفاً ومعلناً من جانب "حزب الله" بشكل خاص، لجهة تأكيده على ان المرحلة التي تلي فشل التشاور، ستكون "مرحلة الشارع" المفتوحة على الاستقالة، سواء من الحكومة أو من المجلس النيابي. وبهذا المعنى فإن تقديم خطوة الاستقالة على خطوة النزول إلى الشارع، يعني مجموعة من الأمور.
في "الحدّ الأدنى"، تعني الاستقالة ان الذهاب مباشرة إلى الشارع يواجه أزمة حقيقية، وثمة من سارع إلى القول أو "تسرّع" في القول ان الاستقالة بديل من النزول إلى الشارع.
أزمة الذهاب إلى الشارع.. واستئخاره لإعادة تكوين الملفّ
غير ان للمسألة وجهاً آخر. فممّا لا شك فيه ان "التعبئة" التي قام "حزب الله" بها خلال الفترة الأخيرة تمحورت حول "فكرة" ان للصراع الذي يخوضه ضدّ 14 آذار والأكثرية بعداً غير طائفي. لكنه، ومع مرور الوقت، اكتشف أن ليس ثمة شارع مسيحي لصراعه هو على السلطة، وانّه لن يكون شارع مسيحيّ له، وان حليفه الجنرال عون يواجه مأزقاً حقيقياً بالعلاقة مع الشارع المسيحي. و"على ما يبدو"، ارتأى "حزب الله" أن "يستأخر" النزول إلى الشارع ليعيد "تكوين ملفّ" هذا النزول.
تظهير مشكلة "الشراكة الشيعية"
وفي عملية "إعادة تكوين الملفّ"، يبدو الحزب متجهاً إلى محاولة "تظهير" ما يدّعي انها مشكلة "الشراكة الشيعية" في السلطة. وبكلام آخر، ان الحزب يحاول تجنّب التفسير الطبيعي والمنطقيّ المُعطى بأنه يتهرّب من إقرار المحكمة الدولية تغطية للنظام السوري، وبأنه يعدّ "المسرح اللبناني" في خدمة المشروع الإقليمي الإيراني السوري، بأن يثير مشكلة "الشراكة الشيعية". وغنيّ عن القول، إستنتاجاً ممّا تقدّم، ان الانتقال من تعبئة "سياسية" إلى تعبئة حول ملفّ شيعي، يحتاج إلى بعض الوقت، ما دفع "حزب الله" إلى استعجال الذهاب نحو الاستقالة.
ثمة من يعتبر الاستقالة بديلاً من الشارع. وثمة من يبدي اعتقاده ان الرئيس نبيه بري وجد ان الاستقالة خطوة في الأزمة "أفضل" من النزول إلى الشارع الذي يعني خطوة نحو الصدام الأهلي.
خطوات تصعيدية في "أزمة مفتوحة"
غير ان المعلومات التي توافرت خلال الساعات الماضية، تفيد ان "حزب الله" يتعاطى مع استقالة الوزراء الشيعة بصفتها خطوة أولى لتكوين ملفّ "الأزمة المفتوحة". وفي هذا المجال، تقول المعلومات ان ثمة خطوتين يجري التحضير لهما: الاستقالة الشيعية من مجلس النواب، والاستقالة الشيعية من "الدولة" أي من الإدارة.
موقف الرئيس بري من هاتين الخطوتين ليس معروفاً. وعلى الأرجح، لن يكون في قدرة الجنرال عون "مسايرة" خطوة الاستقالة من مجلس النواب، وهي خطوة مرفوضة في تراث الموارنة مثلها مثل النزول إلى الشارع لفرض تغييرات دستورية. وهذا ما جعل البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير يذكّر أمام زوّاره خلال الأيام الماضية بأن موقفه منَع حركة 14 آذار في العام 2005 من التوجه إلى بعبدا، وبأن موقفه لا يزال هو هو اليوم ضدّ النزول إلى الشارع لقلب الحكومة.
محظور "كانتوني"
وفي جميع الأحوال، إذا كانت الاستقالة من الحكومة، على درجة كبيرة من الخطورة، كونها محاولة لإسقاط "النصاب الوطني" في ظل إمساك الثنائية بين "أمل" و"حزب الله" بالتمثيل السياسي الشيعي، فإن الاستقالة من مجلس النواب ـ والإدارة ـ أكثر خطورة لانها تنطوي على "فكر كانتوني". ذلك ان إخراج الشيعة من "النظام" ومن "الدولة" ليس فقط "لعباً" بالوحدة الوطنية وليس فقط إستدراجاً لفوضى، بل هو لعب بالكيان والدولة، فكيف إذا كان ما يُرمى به "حزب الله" من اتهام بأن له دولته في جوار الدولة، صحيحاً؟. وعليه، إذا تأكّدت المعلومات عن خطوات تصعيدية في الاتجاه المذكور، يكون الموضوع أخطر من الشارع، أي ان "استئخار" الشارع لا يكون عندئذٍ قراراً "حكيماً" مؤسساً على المعطيات، بل يكون خطوة إلى الوراء من أجل خطوتين إلى الأمام في المشكلة.
سوف يكون إقدام "حزب الله" على هذا "النوع" من التصعيد تفريطاً من جانبه بكل المسلّمات اللبنانية، علماً ان "حزب الله" لم يعطِ خلال السنوات الماضية، لا سيما خلال السنتين الماضيتين وتحديداً بعد الانسحاب السوري "الرسمي" الدلالات على الأخذ بخيار "اللبننننة". لكن، "يصعب" أن يصدّق المرء إمكان إقدام بري على تغطية خطوتين إضافيتين من هذا القبيل.
فللرئيس بري موقف واضح من اتفاق الطائف. وهو يعلم علم اليقين ان الطائف لا يستوي مع خطوات تصعّد الأزمة في الكيان والدولة. ويعلم، وهو قال ذلك أكثر من مرة ان خطوات من هذا "النوع" تؤسس لمشكلة شيعية ـ شيعية.
بري وخيار "الاضطرار"
لم يكن أحد في 14 آذار يريد أن يسير بري في خيار الاستقالة من الحكومة، وهو الذي كان في طليعة المحذّرين من "الفراغ"، وكان يؤكد أن لا إسقاط للحكومة ولا استقالة منها، وان المطلوب هو التوافق المسبق على الحكومة البديلة. لكن ثمة "تفهماً" في 14 آذار لهذا الخيار "الاضطراري" لدى بري، لانه بالفعل "إضطراري" بالنظر إلى ما هو معروف من هامش ضيّق مفروض عليه. وثمة "أمل" في أن يستطيع رئيس المجلس "عقلنة" الفريق الآخر من الثنائية الشيعية، تأسيساً على عناوين التمايز العديدة بينه وبين "حزب الله".
والآن، بالرغم من تصعيد الأزمة من جانب "حزب الله" خصوصاً، وبالرغم ممّا يثيره هذا التصعيد من مخاوف "أهلية"، ومع العلم ان هذا التصعيد يدخل في صميم قرار متّخذ من جانب الحزب، وعلى الصعيد الإقليمي سورياً وإيرانياً بـ"المواجهة" في خدمة إخضاع البلد للوصاية مجدداً، فثمة مجال للتفاؤل بنسبة ولو ضئيلة.
"تفاؤل" بعد الذروة
فـ"الأزمة" بلغت خلال الساعات الماضية مستوى "عالياً". وإذا كان لها أن "تعلو" عملياً أكثر في المقبل من الأيام، فليس ثمة أزمة أعلى منها في "طبيعتها". وأن تكون الأزمة ذروة في حدّ ذاتها، أمر يفترض أن يكون "مقنعاً" للجميع بأن الحل يجب أن يكون متكاملاً. وأن تكون الأزمة ما بعدها أزمة، يُفترض أن يكون أمراً "مقنعاً" بأن المقاربة لا يمكن أن تكون جزئية وبأن التسوية الشاملة هي المخرج.
وثمة فرصة يمكن أن تتجدّد بعد الانتهاء من إقرار المحكمة الدولية. فسحب هذا الموضوع بعد بتّه، يزيل صاعقاً فعلياً. وإذا أخذ في الاعتبار ما يقوله الناس من ان "كُبر" أي موضوع من شأنه أن "يصغّر" الحدث: "إذا كبُرت لا تصغر".. فإنه يُفترض أن يكون ذلك كله دافعاً إلى تجديد الفرصة.. إلا إذا كان البعض قد قرّر مسبقاً "الإقفال" على التسوية وفي وجهها، وعندئذٍ لا حول ولا قوة إلا بالله، علماً أن ليس في إقرار المحكمة الدولية أي هزيمة لفريق داخلي ذي موقعيّة، بل هو هزيمة "أخيرة" للإرهاب ونظامه الأمني ـ المخابراتي، وعلماً ان البحث بعد إقرار المحكمة سيكون محرّراً من "الهواجس" بالنسبة إلى فريق 14 آذار ومن "الإحراج" بالنسبة إلى الفريق الآخر. انها ساعة لـ"التعقّل" إذاً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.