منذ فترة غير قصيرة، يتنامى الاعتراض داخل "التيّار الوطني الحرّ"، و"تكتّل الإصلاح والتغيير" على السياسة التي ينتهجها الجنرال ميشال عون. بيدَ أن هذا الاعتراض بلغَ حدّه الأقصى في الآونة الأخيرة على خلفيّة الاستعداد للتحرّك المشترك مع "حزب الله" وسائر حلفاء النظام السوري في الشارع تحت عنوان "حكومة الوحدة الوطنية".
الاعتراضات المسيحية المُبلّغة الى عون
سمعَ الجنرال من داخل تيّاره كما من داخل كتلته النيابية أصواتاً كثيرة جداً تعكس المزاج المسيحي الحقيقي حيال التحالف مع "حزب الله" ومنطلقاته وتوجّهاته.
قيلَ للجنرال: ما بالك تنسى أن "الأصل" في انتماء الناس إليك هو أنك ضدّ الميليشيات، وأن المسيحيين في الأصل جماعة دولة ونظام.
وقيلَ للجنرال أيضاً: ما بالك تتغاضى عن "حقيقة" أن بلداً صغيراً كلبنان لا يمكنه الاستغناء في أي حال من الأحوال عن المظلّة الدولية، وأن شطراً رئيسياً من حماية لبنان توفّره الشرعية الدولية.
وقيلَ له: كيف تنسى يا جنرال أن القضية التي ناضل الناس معك من أجلها طيلة خمسة عشر عاماً ما كانت لتنتصر لولا اكتمال شرطَيها الداخلي والخارجي؟
وقيلَ له: إن المحكمة الدولية ليست مطلباً لأسرة الرئيس الشهيد رفيق الحريري ولا تعنيها وحدها، ففي قيامها وضع حدّ للإرهاب السياسي. وهل تنسى يا جنرال أن هذه المحكمة يفترض أن تنظر في كل جرائم الاغتيال لا سيما تلك التي استهدفت "ضمير المسيحيين" الشهيد جبران تويني؟ وكيف لنا أن نقبل تغطية أي شبهة في رئاسة الجمهورية في هذا الموضوع؟ وكيف لنا كمسيحيين أن نقبل أن يكون ماروني متهماً بدماء الزعيم المسلم إذا انتهى التحقيق الدولي الى اتهام من يمثّل الموارنة في أرفع موقع رسمي في الدولة؟
وقيلَ للجنرال: إن ورقة التفاهم الموقّعة مع "حزب الله"، هي ورقةٌ مع ميليشيا من ناحية وتتضمّن تواطؤاً على الدولة، شرعية ودوراً ووظائف من ناحية أخرى. وقد وفّرت هذه الورقة تغطية ليس فقط لحرب دفعَ اللبنانيون كل اللبنانيين أثمانها بل لخروج على شرعية الدولة اللبنانية وعلى الشرعية الدولية في آن.
وقيلَ للجنرال: إن المسيحيين يعهدونك رجل دولة ويتطلّعون الى أن يكون دورك جامعاً بين اللبنانيين لا سبباً في التفرقة بينهم، وإلى أن يكون هذا الدور موظّفاً من أجل استكمال الاستقلال والسيادة.
سمعَ الجنرال من داخل تيّاره كما مِن داخل كتلته النيابية كل هذا العيار الثقيل من الكلام الذي يعكس قناعة مَن قاله، لكنه يعكس مزاج الناس، عموم الناس المسيحيين قبل أي شيء آخر. وتزامن "سماع" الجنرال لهذه الاعتراضات مع استطلاعات كان يجري تنظيمُها أظهرت تراجعاً مروّعاً في شعبيّته عند المسيحيين.
الجنرال يلمس عمق أزمة علاقته
بـ"المجتمع المسيحي"
لمسَ الجنرال لمسَ اليد هذه المرة عمق أزمة علاقته بـ"المجتمع المسيحي"، على اعتبار أنه "يسبح" عكس التيّار الجارف الذي أعطاه في انتخابات العام الماضي الموقع التمثيلي الأقوى بين التيّارات والقوى المسيحية. وبطبيعة الحال، فإن من مؤشّرات السباحة عكس التيّار الشعبي أن الموقف بالثوابت المسيحية كان خلال هذه الفترة يصدر عن مواقع مسيحية أخرى في مقدّمها على الإطلاق الكنيسة والبطريرك نصرالله بطرس صفير.
.. وإن الشارع لن يلبّيه
أدرك عون في ضوء ذلك كلّه ـ على ما يبدو ـ أن تهديده بالشارع غير قابل للتنفيذ، وإن الشارع المسيحي لن يلبّيه، أي أن الشارع المسيحي لن يتظاهَر في إطار التحرّك المشترك مع "حزب الله".. وسائر حلفاء النظام السوري، ومن أجل أهداف مِن خارج الثوابت المسيحية.
أعطى الجنرال في الأيام الأخيرة عدداً من الإشارات التي تفيد أنه يتلمّس مأزق السير في خطّة التحرّك في الشارع. نفى أن يكون القرار بالنزول الى الشارع متّخذاً. ثم نفى أن يكون ثمة مواعيد لتحرك من هذا القبيل. ثم "اقترب" من استبعاد النزول الى الشارع.
غير أنه في السياسة أعطى إشارة "مرتبكة". فعلى طاولة التشاور في ساحة النجمة، قال انه لا يتمسك بأن يكون في الحكومة ثلث معطل. لكنه في المقابل طلب أن تحصل انتخابات نيابية مبكرة تنتج مجلساً نيابياً جديداً يتولى انتخاب رئيس جديد للجمهورية.
إشارة التخلي المشروط عن الثلث المعطل
ماذا تعني هذه الإشارة في السياسة؟
إذا اعتُمد التفسير "المنطقي"، فان ربط التخلي عن الثلث المعطل بحصول انتخابات نيابية مبكرة تحصل بعدها انتخابات رئاسية، يعني ربط التخلي عن الثلث المعطل بـ"شرط" يعرف الجنرال مسبقاً ان فريق 14 آذار لن يوافق عليه، وبالتالي فانه يعني العودة الى الثلث المعطل بسقوط "الشرط المانع". غير أن ثمة تفسيراً سياسياً آخر يعتقد أصحابه بموجبه أن الجنرال يريد من غير أن يقول ذلك مباشرة أخذ مسافة عن حليفه "حزب الله" في موضوع المحكمة الدولية، وأنه يحاول بهذه الإشارة القول لفريق 14 آذار انه لن يحتسب نفسه بشكل محتّم في الثلث المعطل بالنسبة الى المحكمة الدولية.
على أي حال، وبمعزل عن هذين التفسيرين "المنطقي" من ناحية و"السياسي" (التكتيكي) من ناحية ثانية، يمكن القول أن وصول خيار التهديد بالشارع الى حائط مسدود انعكس لدى عون باشارة ارتباك سياسي، من مظاهره الأخرى أن الجنرال يمتنع عن إعطاء رأيه في العديد من العناوين الأساسية على طاولة التشاور.
"ارتجاج" التحالف مع "حزب الله"
و"سقوط" التحرك في الطابع الشيعي المحض
غير أنه مما لا شك فيه أن لهذا الارتباك العوني انعكاساً على الوضع السياسي في المدى المباشر.
أولى الانعكاسات أن ارتباك الجنرال في بيئته يربك التحالف مع "حزب الله" ويصيبه بـ"ارتجاج" أولي.
وفي ضوئه، لوحظ في اليومين الماضيين أن "حزب الله" الذي كان مهدداً بمهلة محددة ومحدودة للتشاور وبتحرك أعلنه الأمين العام السيد حسن نصر الله ابتداءً من الاثنين ما بعد إثنين التشاور على طريقة "ما بعد حيفا"، يراجع حسابات التوقيت وغيرها.
والى ذلك تضاف حقيقة أن عدم قدرة الجنرال على التهديد بالشارع بفعل امتناع هذا الشارع على سياسة إخراجه من ثوابته، وان اضطرار الجنرال الى أخذ هذا المعطى في الاعتبار، من شأنهما ـ عدم القدرة والاضطرار ـ أن يحسما من التحرك الذي يقوده "حزب الله" سياسياً وعملياً الطابع الذي كان الحزب يريده أن يكون، أي تحرك "من كل الطوائف" كما كان يقول حتى الآن. ذلك أن "حسم" الشارع العوني ومجمل الشارع المسيحي من التحرك يجعله تحركاً "بعضَ شيعي" في كل الأحوال و"شيعياً" في أحسنها.
ويفترض والحالة هذه أن يعيد "حزب الله" النظر في حساباته، طالما أن إحدى نتائج سياسته كانت أن "حرق" حليفه في بيئته.
فهل "يسقط" التحرك بانتفاء طابعه المتعدد الطوائف أو الشيعي ـ الماروني كما كان التخطيط يجري له أو كما كان "حزب الله" يدعي؟
لن يتأخر الجواب عن هذا السؤال فثمة أيام قليلة ويظهر الجواب جلياً. فاذا كان من "شبه المستحيل" في ظل التجييش الذي قام به الحزب منذ ثلاثة أشهر وحتى الآن الظن بأنه قد "يعود" الى حسابات "مرنة"، فان المؤكد في ضوء "الوقائع المسيحية" أنه لن يكون ثمة شارع مسيحي لتحرك "حزب الله". وعلى أي حال، فان الحزب ينطلق في تحركه من خسارة أولية كبيرة.
14 آذار والجنرال:
الموافقة على انضمامه الى الحكومة
أما بالنسبة الى الجنرال، فقد لوحظ خلال الأيام الأخيرة من "التشاور" أن فريق 14 آذار أبدى نسبة من المرونة حياله.
تجلى ذلك في موافقة أركان هذا الفريق على ضم ممثلين عن تيار عون وكتلته النيابية الى الحكومة في عملية توسيع حكومي تحت سقف عدم المس بالثلث المعطل.
طبعاً، ليس في هذه الموافقة جديد، بمعنى أن تفاوضاً كان جرى مع عون حول المشاركة في الحكومة عند تشكيلها، وكان ثمة حرص من جانب 14 آذار على مشاركته.
غير أن تطوّر الموقف من عون في المرحلة المقبلة، مرهون بتطور موقع الجنرال وموقفه. فقد خلقت وقائع المرحلة السابقة، لا سيما منذ عودته الى لبنان في أيار 2005 حالاً من انعدام الثقة.
الضمانات
فإذا كان عديدون في 14 آذار يعتبرون أن ارتباكه الحالي بفعل ضغط وقائع الشارع المسيحي "قد" يتطور باتجاه التمايز عن "حزب الله" وهو تمايز من مصلحته هو بداية أن يحصل، وإذا كانوا يعتبرون أنه "غرّد" في العامين الماضييين خارج الموقع الطبيعي للمسيحيين، فإنهم يخشون من أن يكون عون في صدد "تمرير" بعض الوقت بحكم الاضطرار الذي يلزمه به شارعه. وثمة منهم من يخشى ـ بفعل مرارة التجربة ـ ليس فقط من ألا يكون الجنرال أدرك "نهائياً" ما لا يطيقُه شارعه، بل من ألاّ يسفر ارتباكه الحالي عن نتائج "حاسمة" ويخشى من أن تكون في جعبة الجنرال "مناورة" ما.
لذلك، ليس خطأ أن "يستطلع" فريق 14 آذار الآفاق. وليس خطأ أن يواكب "المخاض" بإيجابيّة. لكن سيكون من الخطأ عدم ربط تطور الموقف منه بـ"ضمانات" أي بـ" قاعدة سياسية" متينة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.