8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المشروع المُستدرٍج للصدام الأهلي والتدويل المضاعف

لو كان ثمة من يخطّط بذكاء ودهاء، بخبث ولؤم لإنهاء "حزب الله"، لاستدرجه إلى حيث هو الآن، أو حتى هذه اللحظة إذ يبدو ذاهباً بقدميه وبسرعة إلى نوع من أنواع الصدام الأهلي.
هو يبدو ذاهباً إلى الصدام الأهلي لأسباب عدة رغم ان عنوان مشروعه السياسي أي ما يسمّى "حكومة الوحدة الوطنية" يبدو ظاهرياً متناقضاً مع الصدام. فبصرف النظر عن الحيثيات الوازنة التي يدلي بها فريق 14 آذار للتحفظ عن "حكومة الوحدة" ورفضها إذ يعبّر عنها "حزب الله" ومن معه بشعار الثلث المعطّل تارة والثلث الضامن تارة ثانية والناظم ثالثة والمشارك أخيراً، فإن المسألة تتعلّق بـ"ممرّ" صدامي أهلياً.
مشروع صدام أهلي
لقد "مرّت" الحملة التي يخوضها "حزب الله" من أجل "تغيير" الحكومة أو إسقاطها أو تعديلها أو توسيعها، من أجل الثلث المعطّل، بـ"حرب" على قوى الأكثرية النيابية ـ السياسية (والشعبية)، التي هي حتى لو لم تكن أكثرية كما يدّعي التحالف المعادي لحركة 14 آذار، قوى أساسية في الاجتماع السياسي ـ الأهلي اللبناني، ومعظمها هو الأكثر تمثيلاً في بيئاته الطائفية. اتهم "حزب الله" هذه القوى بالجملة وبالمفرّق، بالخيانة والعمالة، فولّد بذلك، مضافاً إليه الأداء "الاستكباري" المتمثل بفرض الشروط وتحديد المهل والإنذارات، استنفاراً مقابلاً، هو استنفار طائفي بالتعريف. تولّد "شعور" بأن جماعة طائفية في صدد الهجوم على جماعات طائفية أخرى.
وهنا، لا يكفي أن يدّعي "حزب الله" ان صراعه ضدّ السلطة ليس صراعاً طائفياً لأن من يشترك فيه من ضفّة الحزب فرقاء سياسيون من كل الطوائف، كي لا يكون الصراع طائفياً. فـ"الاتكال" على "أقليات" سنيّة هنا وهناك لا يلغي حقيقة ان الأكثرية السنية الملتفّة حول زعامة سعد الحريري مستهدفة أي ان الطائفة ككل ترى نفسها في دائرة الخطر من هجوم طائفي آخر، وكذلك الأمر في الدائرة الدرزية. أما على الصعيد المسيحي، فمن الواضح ان الاتكال قائم على قسم من التمثيل السياسي الماروني، لكن هذا القسم مهما كان حجمه الآن، لا يبقى هو نفسه إذا "اندلع" الصدام.
إذاً، يقف "حزب الله" اليوم على شفير صدام أهلي مع تشكيلات الاجتماع اللبناني الطائفي، مع السنّة والدروز والمسيحيين. وثمة ربما من هو مقتنع بأن تطوّر الصراع أي اشتداده قد يقود إلى صراعات سنيّة ـ سنيّة ومسيحية ـ مسيحية، وان في حصول ذلك قوة له. وإلى ذلك تضاف حقيقة انه إذا كان يمكن معرفة البداية فمن المستحيل معرفة النهاية، أي ما ستؤول إليه الطائفة الشيعية نفسها في ظل صدام أهلي.. أي في ظلّ "صيغة" من صيغ الحرب الأهلية.
مِن التاريخ: تجربة "الحركة الوطنية"
رغم اختلاف القوى والظروف
في هذا المجال، يستذكر المخضرمون تجربة "الحركة الوطنية" في السبعينات من القرن الماضي، حتى بالرغم من اختلاف الظروف والمعادلات بين اليوم والأمس.
كانت "الحركة الوطنية" وهي تجمّع قاده اليسار اللبناني العلماني آنذاك، مقتنعة بأنها ليست حركة طائفية. وكانت مقتنعة بأنها تشكّل استقطاباً سياسياً عابراً للطوائف. وكانت مقتنعة بأن معركتها، وقد وضعتها تحت عنوان "الإصلاح الديموقراطي" وتغيير النظام في لبنان، انما هي معركة وطنية أي انها معركة تخاطب جمهوراً لبنانياً فوق طائفي. ومع ذلك، فإن هذه القناعات "الحقيقية" لم تمنع إنزلاقها إلى الحرب الأهلية لأن ما كانت تمثله تمثيلاً حقيقياً بالفعل هو "هامش" ضمن الاجتماع اللبناني، ولان التركيبة الطائفية كانت أقوى أو الأقوى. ومن واكبوا هذه المرحلة يتذكّرون ان اليسار "العلماني" تأخر في اكتشاف "الحقيقة الطائفية"، وكان اعتبر ان قوته في الشارع كفيلة بأن "تزرب" الطوائف. حتى ان بعض اليسار في تلك المرحلة لم يتردّد ـ بقوة الايديولوجيا ـ في اعتبار الحرب الأهلية ممّراً إلى التغيير الديموقراطي. ويعرف مواكبو تلك المرحلة ماذا حصل بعد ذلك من انقسام طائفي وصولاً إلى الانقسامات داخل الطوائف. وانتهت "الحركة الوطنية" المستقوية بـ"المقاومة الفلسطينية" وتصدّع اليسار منذ ذلك الوقت.
طبعاً، لا وجه شبه بين قوى المرحلة الآنفة وقوى اليوم، ولا وجه شبه بين الطرف "الخارجي" المُستقوى به آنذاك والخارج المُستقوى به اليوم. لكن ما ينبغي قوله هو الآتي: راهنت قوى "الحركة الوطنية" واليسار على طبيعتها العلمانية وافترضت انها بسبب كونها "تأخذ" من كل الطوائف لـ"تعطي" الى من هم مِن كل الطوائف، لن تثير الغول الطائفي فكان أن "أكلها" هذا الغول، فكيف إذا كان الهاجم جماعة طائفية "تأخذ" من الطوائف لنفسها؟.
إذاً، لو كانَ ثمّة من يخطّط بذكاء لإنهاء "حزب الله" لاستدرجَه الى حيث يقف الآن على حافّة صدام أهليّ قد تكون له "الضربة الأولى" فيه لكنّه سيغرق في مستنقعه حتماً.
استدعاء التدويل المضاعف
هذا من جانب أساسيّ أوّل. بيدَ أنّ ثمّة جانباً أساسياً آخر لا بدّ من ملاحظته.
ففي صراعه على السلطة يستقوي "حزب الله" بالخارج الممثّل بالمحور الايرانيّ ـ السوريّ. وغنيّ عن القول انّ استدعاء "حزب الله" للتدخّل الايراني ـ السوريّ سوف يستدعي تدويلاً مضافاً للوضع في لبنان.
فمّما لا شكّ فيه انّ مسار التدويل بدأ مع انفلات التدخّل السوريّ والايرانيّ من عقاله. التمديد السوريّ القسريّ لإميل لحود أدّى الى القرار 1559. جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري أدّت الى القرار 1595 وسائر مشتقّاته. حرب تمّوز الأخيرة أدّت الى القرار 1701. ومن الواضح اليوم ان المواقف التي يُطلقها المجتمع الدوليّ محذّراً من زعزعة سورية ـ ايرانية لاستقرار لبنان ونظامه السياسيّ، تعني بلا ريب انّ قرارات دولية جديدة تنتظر الصدور لأن أي "تحرّك" لاسقاط الحكومة سيوضع دولياً في الخانة السورية ـ الايرانية (وهو كذلك بالفعل).
من هنا، فإن خطورة المشروع الذي يضعه "حزب الله" تحت عنوان "حكومة الوحدة الوطنية" تكمن في انه مفتوح في حده الأقصى على صدام أهليّ وانّه في حدّه الأدنى يستدرج مزيداً من التدويل.. وصولاً الى وصاية "حقيقية" هذه المرّة.. فكيف اذا أدّى الى الاثنين معاً، مع كل التداعيات التي لها نماذج أخرى في المنطقة؟.
مرةً أخرى، لو كان ثمّة من يخطّط بذكاء ومكر لإنهاء "حزب الله" أو ضدّ مصلحته لاستدرجه الى حيث هو الآن.
14 آذار: مقايضة رئاسة الجمهورية بالثلث المعطّل
ما العمل والحالة هذه، فيما يبدو "حزب الله" مندفعاً بقوّة الى الصدام؟.
صارَ مفهوماً انّ تطلّبه الثلث المعطّل في مجلس الوزراء، ولو أعطى لهذا الثلث كلّ الأسماء الحسنى، هو مشروع للسيطرة على السلطة. فلو أعطي له هذا الثلث لأصبح متحكماً بالسلطة التنفيذية رئاسةً للجمهورية وحكومة.
طرحَ فريق 14 آذار عليه مقايضةً بين الثلث زائد واحد وبين رئاسة الجمهورية فرفض. رفضَ مع انه يُفترض أن يعرف انّ حصوله على الثلث معطّلاً كان أو "ضامناً" أهمّ من أن يكون الرئيس له. ذلك انّه حتى لو كانَ الرئيس من 14 آذار فإنّ الثلث أفعل له دستورياً.
وقالَ بعض أركان 14 آذار انّ سلاح "حزب الله" لا يُطرح إلا بعد تفكيك التوتّر، وانّ هذا السلاح مرتبطٌ سلباً وإيجاباً بالقرار 1701، ولم يعد أحد يلحّ على هذا الموضوع الآن. تعامى الحزب عن هذا "المعطى" وأوحى بأنّ هذا الكلام ليس مهماً لأنّ السلاح موجود ويزداد.
المحكمة الدولية: "لغز" رفض "حزب الله"
ومن خلال ما أعلنه كلّ من رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري ورئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط بشأن أهمية المحكمة الدولية و"حساسيّتها" بالنسبة الى اللبنانيين عموماً والسنّة خصوصاً، فُهم أو استُنتج ان الزعيمَين يوحيان لحزب الله بالثلث في مقابل اقرار المحكمة الدولية بدون تحفّظ ولا شروط. أدار الحزب "الأذن الصمّاء" مع انّه يُفترض أن يدرك أمرين رئيسيين في هذا المجال. الأمرُ الأول هو انّ فريق 14 آذار اذا قايض الثلث المعطّل بالمحكمة الدولية فإنّه يغامر فعلاً، لأنّ المحكمة الدولية مسار طويل أي لا يكفي اقرار نظامها الأساسي لينتهيَ الموضوع دفعة واحدة. والأمرُ الثاني هو انّه اذا كان فريق 14 آذار يصرّ على المحكمة الدوليّة لمعاقبة المجرمين أياً كانوا، فإنه لن يستخدم المحكمة الدولية للضغط على التوازنات الداخلية.. أي انّ فريق 14 آذار يستطيع أن يضمن عدم استخدام المحكمة في السياسة الداخلية لكنّه لا يعطي ضمانةً غير ذلك. والمؤسف هنا انّ موقف "حزب الله" يثير الريبة: فهو تارة يقول انّه وافق على المحكمة الدوليّة في المبدأ على طاولة الحوار الوطني، وتارة يقول انّه سيدرس نظام المحكمة وآلياتها لتبيّن ما اذا كانت أهدافها "سياسية"، وتارة أخرى يناصر إميل لحّود في ملاحظاته، بحيثُ يُستنتج انّ حماية النظام السوري والنظام الأمنيّ الذي أقامته الوصاية السوريّة في لبنان، تشكّل له أولوية أو هاجساً أو هماً.
مبتغى القول هنا هو ان فريق 14 آذار ما فتئ يفتح الأبواب و"حزب الله" يغلقها، بحيث يظهر جلياً ان المطلب "الوديع" أي "حكومة الوحدة الوطنية" هو مشروع إلغائي بكل معنى الكلمة: إما تعطوني السلطة بكل مفاصلها وإما أن تنحروا!.
لا للثلث المعطّل ولا لوضعه "وديعة" عند أحد
بطبيعة الحال، وبما ان الأمر كذلك، أي بما ان "حزب الله" ومعه "التحالف السوري" يرفضان أي مقايضة، ويصرّان على الثلث المعطّل كيفما كان وبأي ثمن، لا مفرّ من أن يرفض فريق 14 آذار التنازل عن الثلث، ولا حتى وضعه في عهدة أحد أو بضمانة أحد، فليس ثمة شيء في العمل السياسي الدستوري والديموقراطي اسمه "وديعة" من أحد عند أحد، فقاموس "الوديعة" السوري انتهى ويجب ان يتكرّس انتهاؤه ليستقيم تنفيذ الطائف. وإذا كان الثلث المعطّل مرفوضاً خاصة في ظل "الإقفال" الذي يمارسه "حزب الله" ومجمل "التحالف السوري"، فإن مخاطبة هذا الفريق لـ14 آذار بإما الوصاية السورية ـ الإيرانية وإما انكم مع الوصاية الأميركية، مرفوضة هي أيضاً لا سيما في لحظة استعجال الحزب للانضمام الى المعركة السورية ـ الايرانية ضد اميركا بعد نتائج الانتخابات الاميركية النصفية.
لا شكّ ان على حركة 14 آذار أن تبذل كل جهد لـ"استدراك" الصدام الأهلي، وهي بالفعل تبذل هذا الجهد. لكن لا شيء مجانياً في السياسة وإلا قام كل يوم فريق يهدّد الآخر بالصدام ليستجيب له، فكيف إذا كان المشروع متناقضاً وميثاق العيش المشترك لانه يجسّد غلبةً؟
ثمة طريق وحيد: انه التفاهم على رؤية مشتركة تنفّذها مرجعية لبنانية داخلية تخرج لبنان من الوصاية السورية ولا تُدخله في وصاية أجنبية، رؤية يعطي فيها كل فريق الضمانات للفريق الآخر. وعلى سبيل المثال، هل "يستطيع" حزب الله إعلان موافقته بدون تحفّظ على المحكمة الدولية التي تشكّل ضمانة لفريق ضحايا النظام السوري؟
فعلاً، لو كان ثمة من يخطّط بخبث لأذية "حزب الله" لنَصحَه بالتصرّف كما يتصرّف اليوم ولاستدرجه إلى حيث يقف الآن.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00