8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

المشروع الإيراني (والسوريّ) في مواجهة "التحدّي اللبناني" وتحت "المجهر الدولي"

على "ضفاف" الهدنة الاعلامية التي أعلنها الرئيس نبيه برّي أمس في ختام اليوم الأول من "اللقاء التشاوري"، وهي "الهدنة" المرتبط مصيرها بما سينتهي اليه "التشاور" المنطلق أصلاً من خطّين "متوازيين" لا يلتقيان "مبدئياً"، ثمّة ما هو ضروريّ قوله مما يتعلّق بشكل أو بآخر بـ"التوازن" على طاولة التشاور.
لم يعد خافياً أي لم يعد سراً انّ "التحالف السوريّ" في لبنان فتح المعركة على السلطة بقرار سياسيّ من النظامين السوريّ والايرانيّ. فرئيس النظام في سوريا أعلن الحرب على النظام السياسي اللبنانيّ في الخامس عشر من آب الماضي غداة توقّف العدوان الاسرائيليّ، فيما سرّب النظام في ايران عبر وسائل الاعلام انّ حركة 14 آذار خسرت بنتيجة انتصار "حزب الله" في حرب تموز، وذلك في امتداد خسارة حليفها الأميركي (والاسرائيلي)، وأعطى بذلك اشارة الانطلاق للانقلاب في لبنان تحت عنوان "التغيير".
الوظيفة الاقليمية لخطة الانقلاب على السلطة
غنيّ عن القول في هذا السياق انّ لـ"التغيير" في لبنان من الزاوية السورية ­ الايرانية وظيفة اقليمية عامة، هي تشكيل محور اقليمي يجري ضم لبنان إليه، ومهمته تأمين امتدادات للتحالف أو المحور السوري ­ الايراني، تحت عنوان "مواجهة" المشروع الأميركي. وبهذا المعنى فإن "التغيير" المقصود في لبنان هو تغيير النظام فيه، كما ان لهذا المحور استهدافاً مماثلاً في فلسطين حيث تشكّل السلطة الوطنية ومنظمة التحرير الفلسطينيتَين هدفاً أساسياً. وبكلام آخر، ان "التغيير" المنشود سورياً وايرانياً في لبنان، يندرج في سياق محاولة ايران وملحقها السوري الامساك بمفاصل أساسية في الشرق الأوسط، لا بل الامساك بـ"المفاصل" الرئيسية، أي ما كان يسمّى في يوم من الأيام في الجغرافيا السياسية الجبهة الشرقية: فلسطين وسوريا ولبنان.. بالاضافة الى التغلغل في العراق. ومن نافل القول ان "تغييراً" من هذا النوع "يستدعي" استحضاراً لقوى من الاسلام السياسيّ المتطرّف وإثارة لمشاكل عدّة في الجوار العربي بـ"عمومه".
استراتيجية إيرانية ببعد توسعي
ولا شك ان هذه "الاستراتيجية" المرسومة في طهران تعكس توق الجمهورية الاسلامية الى تحقيق توسّع في المنطقة العربية، أي ان لهذه الاستراتيجية بعداً توسعياً تسمّيه ايران الموقع الاقليمي والدور الاقليميّ. ولا يخفى أيضاً انّ التطلع الى التوسّع في الشرق العربي بدعوى الموقع والدور الاقليميين، هو صيغة دفاع النظام الايراني عن نفسه وعن وجوده، وانّ السير في الملف النووي هو في الاطار نفسه. أما بالنسبة الى نظام بشار الأسد، فإنّ الدفاع عن بقائه هو الغاية، ولذلك فإن حربه على المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وسائر جرائم الاغتيال الأخرى، تدخل في هذا الاطار. وبمعنى آخر، انّ اسقاط المحكمة الدولية مطلبٌ للنظام السوريّ يغطيه النظام الايراني ويدعمه.
في قراءة استراتيجية لأبعاد "التغيير" عبر اسقاط السلطة في لبنان، لا بدّ من القول انّ "المشروع" هذا ايرانيّ بامتياز، وإسقاط المحكمة الدولية مطلب سوريّ في اطار هذا المشروع. اذاً، ان الأصح هو الحديث عن مشروع ايراني فيه النظام السوريّ. وفي القراءة الاستراتيجية نفسها، ينبغي القول ان "المشروع المعادي" لـ14 آذار، يستهدف "تغيير" السلطة بإسقاط السلطة القائمة في سياق هدف أشمل هو التوسّع في المنطقة العربية. وعليه، فإنّ على قوى 14 آذار أن تأخذ هذه "الحقيقة" في خلفية تعاطيها في أمور "التشاور"، ومما لا شكّ فيه انّ قوى 14 آذار تأخذ ذلك في الاعتبار. وهذا ما اكد عليه رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري في مقابلته التلفزيونية الاخيرة، اول من امس، بعد ان كان اركان اخرون في الحركة أكدوا عليه أيضاً. لكن ما لا بدّ من ملاحظته ان قوى 14 آذار ركّزت أكثر في الآونة الأخيرة على النظام السوريّ في حين انّ النظام الايراني هو "الأصل" في هذا المشروع. ومن أسباب عدم التركيز على ايران، ربّما، انّ ثمّة اعتقاداً انّ في السياسة الايرانية قدراً من الواقعية أو انّ فيها نسبةً من الاستعداد للتعاطي بـ"تسويات" سواء مع جوارها العربي أو مع المجتمع الدولي. والحال انّ "المشروع الايرانيّ" هو الآن في لحظة "اندفاعه"، ينطلقُ من حسابات سياسية لأوضاع المنطقة العربية، ومن اعتبارات ايديولوجية عقائدية.
في امتداد ما تقدّم، تغدو "الصورة" الاستراتيجية أوضح.
الحاضنة العربية لمعركة الاستقلال والديموقراطية
ان المعركة التي تخوضها حركة 14 آذار ضدّ "تغيير" السلطة أو إسقاطها أو الانقلاب عليها، هي بهذا المعنى معركة لبنانية من ناحية لكنها معركة عربية أيضاً من ناحية ثانية. ذلك ان نجاح المشروع الإيراني ـ السوري في لبنان هو خَسارة استراتيجية للعرب عموماً، ولعرب الاعتدال خصوصاً، وللقضية الفلسطينية أيضاً. فهذا المشروع الذي يجري "اختباره" في لبنان الآن، خطير ليس لكونه "يقود" إلى إدخال لبنان مرغماً في محور إقليمي ذي بعد توسعي إيراني، وليس فقط لكونه يتصل بـ"هوية" لبنان والمنطقة، ولا فقط لكونه يعيد إدخال النفوذ السوري من "النافذة" إلى المعادلة السياسية اللبنانية بعد أن تم إخراجه من "الباب".. بل لانه "يقود " إلى "الفوضى" والصراعات العنفية على أنواعها ويشكّل تعطيلاً للمسار الاستقلالي والديموقراطي في لبنان. وإذا كانت التداعيات المحتملة لهذا المشروع تستنسخ نماذج أخرى في المنطقة كالعراق مثلاً، فإن من تداعياته أن يؤسس لـ"نموذج" خطير في العديد من المدارات العربية.
إذاً، على طاولة "التشاور"، لا بدّ أن تحضر باستمرار حقيقة ان معركة 14 آذار هي معركة العرب بدون استثناء، دولاً وأنظمة من جهة وشعوباً متطلّعة إلى الديموقراطية وإلى تطوير شروط الصراع مع إسرائيل بالديموقراطية من جهة أخرى، وان حلفاء 14 آذار من العرب هم أكثرية وفق كل المقاييس، ما يرتّب على حركة 14 آذار اليوم وأكثر من أي يوم مضى مسؤولية مخاطبة العرب لوضعهم أمام أبعاد المشروع الإيراني التوسعي التمدّدي، وأمام "بهتان" كلام "الممانعة".. كما يرتّب على حركة 14 آذار مسؤولية تأكيد التحالف مع القضية الفلسطينية.
الموقف الدولي: لا عودة لنظام الأسد
والمحكمة الدولية عاجلاً
بيد ان ذلك كلّه، لا يختصر "الصورة" الاستراتيجية للوضع. وفي هذه "الصورة" ان المجتمع الدولي متمسّك بقوة بموقفه المعبَّر عنه بقرارات في مجلس الأمن، المؤيّد للبنان الديموقراطي السيّد الحرّ المستقلّ. وثمّة تأكيد دولي على ان الوضع في لبنان "تحت المجهر" وان محاولات إعادة النظام السوري إلى المعادلة اللبنانية في إطار المشروع الإيراني (والسوري) الأعمّ سوف تُردع.
في هذا الإطار، تلفت مصادر ديبلوماسية غربيّة إلى عدد من النقاط. في الآونة الأخيرة قدّم نظام الأسد عروضاً. وفي واحد من العروض أبدى استعداده لتسهيل قيام حكومة وحدة وطنية في فلسطين في مقابل إنهاء التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس الحريري. وفي عرض ثانٍ إلى الحكومة البريطانية، وافق نظام الأسد على "بيع" كل من "حماس" في فلسطين و"حزب الله" في لبنان في مقابل استعادة الجولان المحتل... وإعادة "تأهيل" نظامه على الساحة الدولية.. أي عملياً إنهاء التحقيق الدولي وإلغاء المحكمة الدولية.
وتشير المصادر نفسها إلى ان نظام الأسد "يحور ويدور" حول موضوع المحكمة الدولية. لكنه "أُفهم" ان هذا الموضوع غير قابل للمساومة. وتعتبر المصادر ان نظام الأسد "ينافق" في كل ما يطرحه، وهو يريدُ "ما له" وليس جدّياً في تعامله مع قضايا المنطقة ولا يزال لبنان "حصرماً" في عينه. وتعتبر ان التشدّد الأميركي حيال نظام الأسد سيزيد بعد الانتخابات الفرعية في الكونغرس الأميركي حيث أقرّت القوانين "ضدّه" بمشاركة جمهورية ـ ديموقراطية.
الموقف الروسيّ: لا انقسام دولياً
وهنا توضح المصادر الديبلوماسية الغربيّة ان الموقف الروسي من المحكمة الدولية تقدّم بشكل حاسم في الأيام الماضية باتجاه التوافق مع سائر أعضاء مجلس الأمن على صيغة تؤكد فاعليّة المحكمة. وتقول ان لروسيا حسابات "مفهومة" على المسرح الإقليمي الشرق أوسطي. فهي تحاول في "مناطق الفراغ" الأميركية والأوروبية أن "تلعب" من أجل تعزيز "أوراقها" كدولة كبرى ومن أجل تحسين شراكتها في "النظام الدولي"، وهي في ذلك ـ أي روسيا ـ ليست فريدة في هذا الأداء، حيث إن دولاً أوروبية عدّة تحاول من جهتها هي أيضاً تحسين شروط شراكتها في النظام الدولي فتبرز بين الحين والآخر "تلاوين" واختلافات. بيد ان ما بدا انه محور روسيّ ـ إيراني ـ سوري ليس هكذا حقيقة وفي الواقع، لان روسيا بسعيها إلى لعب دور "الوسيط" في بعض الأحيان تتجنّب "التصادم" مع باقي المجتمع الدوليّ. وفي هذا المجال تلفتُ الى الموقف الروسي من القرار 1559، حيث امتنعت عن التصويت عليه لدى طرحه في مجلس الأمن لكنها التزمت به بعد ان صار قراراً دولياً. وروسيّا كانت جزءاً من الاجماع الدولي على القرارات المتعلقة بالحقيقة من القرار 1595 الى مشتقاته الأخرى.
لذلك، ليس ثمة انقسام دوليّ بشأن لبنان، لا بشأن استقلاله وسيادته وحريته ولا حول الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.
ستنشأ المحكمة الدولية عاجلاً بقرار في مجلس الأمن. ولن تنجح المحاولات "اللبنانية" والسورية في تعطيلها.
وعلى طاولة "التشاور"، لا بدّ أن تحضر حقيقة أنّ الموقف الدوليّ حاضنٌ لمعركة 14 آذار "الدفاعية" عن استقلال البلد وعن شرعيته الدستورية، وحقيقة ان أحداً لا يستطيع ابتزازها في موضوع المحكمة الدولية فهي "ماشية ماشية" في كل الأحوال.
ان معركة 14 آذار هي معركة لبنانية بامتياز وعربية بامتياز وذات حضن دولي بامتياز أيضاً. وليست في حاجة الى تأكيد انّ موقعها اللبناني العربي الدولي ليس تمحوراً، لأن التمحور هو ميزة الفريق الآخر. فهو الذي لا يقدّم حماية للبنان، فيما حركة 14 آذار تشكّل الضامن الفعليّ.
"التسوية".. و"الاستنفار"
ولذلك، وعلى "ضفاف" الهدنة الاعلامية، لا مفرّ من الاشارة الى أمرين رئيسيين، الأول هو ان "التشاور" لا بدّ أن يتمّ تحت سقف محدّد، فلا بديل من التسوية المتكاملة التي تخرج لبنان من المشروع الايراني (والسوريّ) وتتضمن رؤية لبنانية الى مستقبل البلد تقيه من أي تداعيات، ولا امكانية لقبول لا أخذ قرار السلطة ولا قضم هذه السلطة بالتدريج. والأمر الثاني هو أنّ "الفريق الآخر" ربما يكون في هجومه المتصاعد منذ ثلاثة أشهر، بعد العدوان الاسرائيلي، أخاف البلد لكنّه مع مرور الوقت ولّد استنفاراً حول "مصلحة البلد"، هو "استنفار" لا ممانعة في إطاره لأيّ "مخرج" منطقيّ لكن مع التشديد على التسوية المتكاملة كمخرج حقيقي وجدّي.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00