8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

في التحضيرات الممتدة زمنياً للانقلاب على السلطة، يحتل التحالف الذي نسجه "حزب الله" مع الجنرال ميشال عون موقعاً مهماً. وفي إطار هذا التحالف الشيعي ـ الماروني، "وعد" الفريق الأول الثاني بدعم ما يسمّى "استعادة" المزيد من الصلاحيات إلى رئاسة الجمهورية أو إعادة قسم من الصلاحيات التي كانت للرئاسة قبل الطائف، بحيث يبدو الفريق الماروني ـ العوني ـ في هذا التحالف الثنائي قوياً في بيئته، إذ يطالب بموقع متميّز لطائفته في الشراكة اللبنانية العامة. وفي المقابل "وعد" الفريق الثاني الأول بتغطية كل خياراته الاستراتيجية محلياً وإقليمياً، أي بإعطائه تغطية في المدى اللبناني العام.
قسمة العمل بين عون و"حزب الله"
نتجت عن هذا التحالف قسمة عمل واضحة. قام الجنرال عون بوصفه "الزعيم المسيحي" بحملة على السلطة، سلطة ما بعد الوصاية السورية، اختار لها عنواناً محدّداً هو ما سمّاه "التهميش" اللاحق بالمسيحيين بسبب ما زعم انه استتباع فرقاء 14 آذار من المسلمين لحلفائهم المسيحيين، فراح يفتش عن كل غبن لحق بموقع للمسيحيين هنا أو هناك. وليس خافياً أن اختياره هذا العنوان هو من أجل تعبئة "الشارع المسيحي" باسم الغبن والحرمان، ومن أجل تقديم نفسه رمزاً لـ"حقوق الموارنة"، لكن الأهم والأخطر، هو انّ اختيار هذا العنوان كان من أجل تشتيت انتباه الرأي العام المسيحي عن التحوّل المتسارع في موقعه على الصعيد الوطنيّ.
الجنرال مزّق برنامجه الانتخابي وأخفاه
فتح عون معركة "حقوق الموارنة" في وقت كان يعلن على الصعيد السياسي ـ الوطني أن المعركة مع التدخل السوري المباشر في الشؤون اللبنانية انتهت، وأن الاستقلال من سوريا وعنها بات معطىً ناجزاً بمجرد حصول الانسحاب السوري الرسمي من لبنان، وأن "المسألة السورية" باتت وراءنا كما كرّر غير مرّة. على ان عون فتح معركته هذه، بالتزامن مع قيامه بـ"تمزيق" البرنامج الذي أعدّه تيّاره للانتخابات الماضية وخاضها على أساسه والمتضمّن موقفاً عدائياً أو شبه عدائي من سلاح "حزب الله" الذي وصفه البرنامج بأنه متناقض مع شرعيّة الدولة اللبنانية من ناحية ومع موجبات التزام لبنان بالشرعية الدولية من ناحية أخرى. وقد مزّق عون هذا البرنامج لمصلحة "ورقة التفاهم" مع "حزب الله"، بدليل أن أي محاولة لمراجعة هذا البرنامج تصطدم بحقيقة أن "التيار" قام بسحبه عن جميع مواقعه الإلكترونية وبات الحصول عليه أشبه بالاستحالة.
وفيما كان الجنرال يفتح المعركة هذه محرّضاً على سلطة ما بعد الوصاية السورية، كان "حزب الله" سعيداً جداً. ذلك أن الجنرال يؤلّب الرأي العام المسيحي ضدّ فريق 14 آذار بينما هو يقوم بـ"شغله" الهادف إلى إحكام علاقة لبنان بالمحور السوري ـ الإيراني وإلى الاحتفاظ بالوظيفة الإقليمية للسلاح، وقد "أقنع" عون بأن هذا السلاح تنتهي وظيفته عندما تنتهي مسألتا مزارع شبعا والأسرى.. وعندما تقوم الدولة القوية القادرة.."فقط" لا غير!
حرب تموز كشفت اللعبة
"مرّت" لعبة الجنرال وحليفه في الدائرة المسيحية لبضعة شهور فقط بالرغم من مواقف 14 آذار التحذيرية.. إلى أن كانت حرب تموز.
ابتداءً من 12 تموز انكشفت اللعبة. غطّى عون "حرب حزب الله" ودافع عن سياقها وبرّر نتائجها في كل مناطق لبنان بما فيها المسيحية منها، وقال كلاماً "قومياً" لم يقله "حزب الله" نفسه: بالحجر ولا بالبشر يا شباب!. تكشّف الأمر عن مجموعة من الحقائق وبـ"مفعول رجعي".
تبيّن لـ"الشارع المسيحي" بما لا يدع مجالاً للشك أن قسمة العمل بين فريقي التحالف الشيعي ـ الماروني، جعلت من الجنرال قائداً لحركة مطلبيّة مسيحية في خدمة المشروع السياسي لحزب الله بأبعاده الداخلية والإقليمية. وتبيّن لـ"الشارع المسيحي" أن "الزعيم" مكلّف بشدّ أنظاره إلى حيث يعمى عن رؤية المشروع السياسي لحزب الله. وتبيّن له أن الجنرال مكلّف بالمسائل "الصغرى" فيما يتصرّف حليفه بـ"الكبرى" منها. وتبيّن له أن في هذا التحالف الثنائي "مركزاً" هو "حزب الله" و"طرفاً" هو الجنرال. والنتيجة هي أن عون يقدّم البيئة المسيحية هدية مجانية لفريق ذي مشروع آخر.
"زعيم ماروني".. ويضع المسيحيين
في وجه الغرب وعرب الاعتدال!
وليس ثمة ما هو أشدّ إيلاماً للمسيحيين من رؤية مَن يدّعي الزعامة عليهم "موظفاً" في مشروع ليس مشروعهم. والمفارقة الكبرى في نظر المسيحيين تتمثل في أن "الزعيم" يخرجهم، كما لم يحصل مع أي زعامة مارونية في تاريخ الكيان، مِن تاريخهم وتراثهم السياسي والثقافي. فهكذا، صار المسيحيون "على يد" عون رأس الحربة في مواجهة أميركا والغرب، وفي مواجهة دول الاعتدال العربي. وهكذا صار حتى الناشطون من تياره في أميركا عرضة للتضييق عليهم وعلى مصالحهم بسببه. وهكذا، وبدلاً من أن يستفيد لبنان كما استفاد تاريخياً من "اللون" و"النكهة" المسيحيّين، صار "الزعيم الماروني" أحمدي نجاد آخرَ في المنطقة.
والحديث هنا عن "اللون" و"النكهة" المسيحيّين هو في واقع الأمر حديث عن "خصوصية" مسيحية من ضمن مجموعة من الخصائص لـ"الكيان اللبناني". وكي لا يصطاد أحد في المياه العكرة، ثمة ضرورة للقول أن التشديد على هذه "الخصوصية" المسيحية ليس لتزكية خيارات انغلاقية دفع اللبنانيون عموماً والمسيحيون خصوصاً أثمانها ماضياً، بل لتأكيد المشاركة الفاعلة للمسيحيين اللبنانيين في إعطاء معنى للكيان ودور له في المنطقة.
على أي حال وبدون كثير من الاستطرادات، يجب القول أن انكشاف "مضمون" التحالف بين عون و"حزب الله" واتضاح طبيعة قسمة العمل في إطار هذا التحالف، حيث يمثّل الجنرال حركة مطلبيّة مسيحية لحساب "حزب الله"، أنتجا تراجعاً في نسبة الحضور الشعبي لعون بين المسيحيين، وهذا ما تظهره استطلاعات يطلبها الجنرال لحسابه.
الفرز.. لمصلحة مسيحيي 14 آذار
بيد ان هذه النتيجة السياسية، أي أزمة علاقة عون بالبيئة المسيحية، على أهميتها، ليست الأهم.
النتيجة السياسية الأهم تتمثل في الفرز الحاصل على المستوى المسيحي سياسياً، لمصلحة القوى المسيحية التي ترى أن المشكلة الأساسية اليوم تتعلق بوجود الكيان والدولة وليس في كيفيّة إدارة الدولة. وبكلام آخر، تميل الكفّة بوضوح إلى جانب القوى والتيارات والشخصيات المسيحية التي إذ تعترف بأن ثمة خللاً على مستوى إدارة الدولة يلحق غبناً بالمسيحيين، تعتبر في المقابل أن الأولوية كانت ولا تزال لخوض معركة إنقاذ وجود الدولة عبر استكمال معركة الاستقلال والسيادة.
وهذه القوى والتيارات والشخصيات المسيحية التي تشكّل "مسيحيي 14 آذار"، ترى والحالة هذه أن معركة إنقاذ وجود الدولة تتطلب الانطلاق من أمرين رئيسيين: الأول هو اتفاق الطائف كمرجعية للعيش المشترك ولمشروع بناء الدولة، والثاني يتجسّد في مقررات المجمع البطريركي الماروني الذي أكد أن ليس ثمة مسألة مسيحية "خاصة" بل مسألة لبنانية "عامة". وهذا ما لخّصه أحد المساهمين في المجمع بالقول أن الكنيسة قالت في وثائقها أن لبنان ليس للموارنة بل الموارنة هم للبنان. وعلى هذا الأساس، يرى "مسيحيو 14 آذار" أن إنقاذ وجود الدولة ـ والكيان ـ يستدعي تحالفاً وطنياً وليس تحالفاً ثنائياً أو ثلاثياً. ويذهب بعضهم إلى القول أنه إذا كانت "انتفاضة" شباط في العام 1984 ضدّ "الحكم المسيحي" آنذاك شكّلت محطة إضافية من محطّات الحرب الأهلية، فليس مسموحاً أن تحصل "انتفاضة" طائفية اليوم ضدّ حكم استقلالي، من شأنها أن تقود البلاد إلى التوتّر والعنف.
أهمية دور الكنيسة
بعد كل التطوّرات التي أدت إلى انكشاف الجنرال، تميل الكفّة بوضوح لمصلحة مسيحيي 14 آذار في البيئة المسيحية. والفضل في ذلك للكنيسة المارونية وعلى رأسها البطريرك نصرالله بطرس صفير. ولا يعود الفضل إلى الكنيسة والبطريرك فقط لأنهما افتتحا في "النداء الأول" في أيلول من العام 2000 معركة السيادة والاستقلال، ولا لأنهما اعتبرا منذ البداية أن هذه المعركة لن تُكسَب إلا بتصدّر الشريكِ المسلمِ لها، ولا لأنهما كرّسا في وثائق المجمع محورية دور الرئيس رفيق الحريري حيّاً وشهيداً في معركة الاستقلال.. بل لأنهما عادا في الآونة الأخيرة إلى تأكيد موقعهما "ضدّ" مشروع إسقاط السلطة وضدّ محاولات إسقاط المحكمة الدولية.
اشتبهت الكنيسة بنيّة تخريب المحكمة الدولية، وبنيّة إعادة الوصاية السورية إلى لبنان، من خلال مطالبة تحالف "حزب الله" ـ عون ومجمل "التحالف السوري" بما يسمّى "حكومة الوحدة الوطنية". أسقط هذان الموقفان القناع المسيحي عن وجه عون، وكشفا المشروع السياسي ذا الأبعاد الإقليمية.
وأعطى موقف الكنيسة قوة دفع إضافيةً إلى مسيحيي 14 آذار وإلى حركة 14 آذار ككل. وهكذا، تأكدت الشراكة المسيحية ـ الإسلامية، وعلى أساسها يُفترض أن تواجِه حركة 14 آذار ما سمّاه رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري ورئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط "المؤامرة على لبنان".
البيان الأخير لمجلس المطارنة...
والعنوان المتعلّق بإدارة الدولة فيه
وهنا لا بدّ من "جملة إعتراضية".
في البيان الأخير لمجلس المطارنة الموارنة الأربعاء الماضي، تأكيد وإشارة. التأكيد على أولوية رفض إعادة لبنان إلى عهد الوصاية. والإشارة إلى سلوكيات على مستوى إدارة الدولة أدت إلى إلحاق الضرر بمواقع مسيحية في الإدارة.
ليس مقبولاً ولا مسموحاً بأيّ حجّة من الحجج أن يُجبر البطريرك على تكرار الشكوى العلنية من "الخلل الوظيفي". وليس مفهوماً ان يقوم مسؤولون حكوميّون بطمأنته من غير أن يحلّوا المشكلة أو المشكلات.
صحيح ان البيان ضمّ عنوانَين: وجود الدولة وذلك بالحديث عن رفض إعادة الوصاية، والإدارة على مستوى الدولة، لكن بُنية البيان تشير إلى أولوية العنوان الأول. أما العنوان الثاني فقد ورد لأنه صحيح أي لأنه حقيقي.. ولأن البطريرك يحمل أسئلة الناس ومطالبهم ويتحمّل "ضغطهم". فالمستغرب ألاّ تكون مسارعةٌ حكومية إلى معالجة الشكوى البطريركية المتكرّرة.
إذاً، وبصرف النظر عن مجريات اللقاء بين البطريرك والجنرال عون في بكركي أول من أمس، فمن الواضح انه جرى في ظل مقدّمات تؤكد أن خطّ الكنيسة متناقض مع خطّ عون وخطابه وأدائه. ومن المؤكد أن تحرّكه المتفق عليه مع "حزب الله" لم يحظَ بالبركة البطريركية.
نعم، إن المزاج المسيحي، وطنيٌّ عام، وفي مكان آخر.. ولم يعد لدى عون ما يستُر به عوراته السياسية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00