8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

حركة 14 آذار ترفض مذكّرات الجلب ولن تسلّم السلطة خارج المواعيد الطبيعية

ترقّب اللبنانيون، كل اللبنانيين على اختلاف مللهم وانتماءاتهم، مقابلة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله على شاشة "المنار" مساء الثلاثاء الماضي. وعندما حانت ساعتها تابعوها بأدق تفاصيلها من الشكل إلى المضمون. والسببُ في ذلك أن السيّد زعيم فريق سياسي "معتبر" في البلاد، وأنه على مسافة أيام قليلة من استحقاق الاجتماع التشاوري الذي دعا الرئيس نبيه بري إليه، لا بدّ أن يقول كلاماً يخفّف التشنّج أو كلاماً مقنعاً.
"عبوس" السيّد ولزوميّات التجييش
بدا للبنانيين، من غير جمهور الحزب ومناصريه ومن غير المنتمين إلى ملحقات "التحالف السوري"، أن السيّد "عابس" منذ بداية الحلقة وإلى آخرها. بدا إذاً أن الخطب جلل. ذلك أن اللبنانيين، عموم اللبنانيين، اعتادوا في معظم الحالات على نصرالله القائد ذي "الكاريزما" التي لم تفارقه إلا في فترة حرب تموز، طبعاً بسبب ظروف هذه الحرب وظروفه هو فيها. وهل ينسى زعيم "حزب الله" أن صوره جابت المناطق اللبنانية كلها، ذات الغلبة المسيحية قبل الإسلامية، يوم انتزعت مقاومة "حزب الله" إنجاز تحرير الجنوب في العام 2000؟
"عبوس" السيّد بدا أنه من لزوميّات الحلقة التلفزيونية هذه بالتحديد، لا بل رأى كثيرون أن نصرالله كان أكثر من "عابس" وأنه كان "شاخراً" و"متحدياً". ذكّرهم بإطلالات عذروه عليها في وقتها: الإطلالة في إحدى مناسبات عاشوراء قبل بضعة أعوام بعد العام 2000 عندما وظّف في خطابه السياسي آنذاك الاحتشاد العاشورائي لـ"التلويح" أو "التهديد" بالعدد في وجه الاعتراضات المتنامية في ذلك الوقت على "الوجود" السوري ونظام الوصاية.. والإطلالة الأخرى عندما دعا إلى مسيرة "الوفاء" لسوريا في 8 آذار 2005 وراح يهزأ من الاحتشاد الشعبي للفريق الآخر في ساحة الشهداء وتحدث عن "الزوم إن" و"الزوم أوت". والاطلالة الأخيرة عندما وجّه سؤاله الشهير الى من يخاصمه "انت مين". عذره اللبنانيون حينئذٍ على قاعدة أن ما قام به كان بحكم "الاضطرار" إلى هذا الحدّ أو ذاك.
"نسي" أن بري شاهد
كان واضحاً أن نصرالله اختار لمقابلته الثلاثاء الفائت أن تكون "تعبوية"، أي أن يرصّ من خلالها الصفوف وأن يعدّ لـ"المنازلة"، ولذلك كان واضحاً أن لا همّ لديه اسمه إقناع الآخر، وإقناع لو بضع عشرات من الجمهور الآخر. كان أداؤه أقرب ما يكون إلى "منطق الفسطاطين" البن لادنيّ. وكان هدفه في موازاة الاستنفار في بيئته وصفوفها، التخويف في البيئات الاخرى.
ولذلك سمعه اللبنانيون ـ من غير جمهوره خصوصاً ـ "يجور" على الوقائع والحقائق. أراد، للزوميّات التجييش، أن يلبس الحكومة وفريق 14 آذار تهمة التواطؤ مع "العدوان الإسرائيلي الأميركي" وتبنيّ أهدافه ومطالبه. فـ"نسي" في لحظة الغرضيّة هذه ليس فقط ان هذه الحكومة مثّلت الصمود السياسي، بل نسي ان على الوقائع شاهداً كبيراً هو الرئيس نبيه بري، حليفه الذي كان شريكاً سياسياً للرئيس فؤاد السنيورة وشكّلا معاً "ثنائي الدولة".
الغرضية ومفارقاتها
وفي لحظة الغرضيّة نفسها، وفيما يكيل الاتهامات بـ"العمالة" لم يقُل نصرالله أي كلام سلبيّ في القرار 1701 الذي هو النتيجة السياسية للحرب، أي لـ"التواطؤ" مع العدوان كما ذكر، لا بل انه في لحظة من لحظات المقابلة نسب قرار انتشار الجيش في الجنوب إلى جانب قوات معزّزة لـ"اليونيفيل" إلى اقتراح منه، علماً ان هذا القرار هو التطبيق العملي للقرار الدولي. و"ألّف" لفريق الأكثرية أفلاماً كثيرة لكنه انتهى إلى القول أن الوقت ليس للحساب والمحاسبة بل لـ"حكومة وحدة وطنية"... مع الخائنين والطاعنين في الظهر (!).
وعندما عرض حيثيات قيام "حكومة الوحدة الوطنية" قدّم سبباً رئيسياً، فقال إن الحكومة التي يطالب بها هي لحماية لبنان من تداعيات الغليان في المنطقة. وهنا تحدّث عن أفغانستان والعراق وفلسطين.. والملف النووي الإيراني. لم يكلّف السيد نفسه عناء شرح كيفية حماية لبنان، وذلك لأن ما يعنيه بالفعل هو انضمام لبنان إلى محور بعينه، محور "المواجهة" مع الولايات المتحدة من العراق إلى فلسطين إلى إيران وسوريا.
لكن السيّد "اليقظ" حيال تطوّرات الأوضاع الإقليمية في ظلّ "الفشل الأميركي" يُخرج من جيبه في لحظة، مقولة أن ثمة احتمالاً في أي وقت لـ"صفقة" أميركية ـ سورية وأخرى أميركية ـ إيرانية. وهو إذ قال إن فريق الأكثرية "مذعور" لأن لجنة جيمس بيكر في الولايات المتحدة نصحت الإدارة في تقريرها بـ"الفتح" على دمشق وطهران، مما سيفقد الأكثرية في لبنان مواقعها، لوّح لـ14 آذار بـ"الصفقتين". أفلا يكون هو نفسه مراهناً على تطورات معينة؟ لكنه في الوقت نفسه لم يشرح عناصر "الصفقة" في الجانب السوري، وما علاقة الضغط على "حماس" لعدم إبرام اتفاق حكومة وحدة وطنية في فلسطين وانهاء وضع الأسير الإسرائيلي لدى الحركة بالصفقة.
الرأفة حيال حكومات المنطقة واللعنة لحكومة السنيورة!
ما تقدم هو غيض من فيض المفارقات التي حفل بها حديث نصر الله. غير أن إحدى أبرز المفارقات تمثلت في كلامه عن عدد من الحكومات في المنطقة. قال إن الحكومة الباكستانية، وهي شريك أميركا في الحرب في افغانستان، تُظهر قدراً معيناً من المعاندة حيال واشنطن، ولمّح إلى أنها "مغلوبة على أمرها". وبعد أن أكد أن في كل دائرة رسمية في العراق مسؤولاً أو مستشاراً أميركياً، وأن العراق بلد محتل، قال إن الحكومة العراقية "تحاول" أن تنقذ الحد الأدنى من القرار العراقي. وجاء كلامه هذا في سياق ملاحظة أن الاعتراض على "المشروع الأميركي" يتّسع "حكومات ومقاومات وقوى سياسية" كما قال. فلماذا هذه "الرأفة" يا سماحة السيد عندما يتعلق الأمر بالعراق؟ لماذا فجأة تضيع المعايير؟ لماذا القسوة على حكومة لبنان عندما تكون لديك هذه القدرة على التمييز بين الاحتلال وحكومة في ظل الاحتلال كما في العراق؟ وهل لـ"المصالح" الإيرانية هذا الحساب كله عندك؟
هل فعلاً يريد الحوار؟
الجواب هو: إنها الغرضية. الغرضية هي التي تجعل السيد "عابساً"، وغير متماسك على نحو غير مسبوق وكما لم يكن مرة من قبل. والغرضية هي التي تجعله غير معني بـ"الإقناع" ولا بتقديم "صورة" أخرى. وعندما يكون الأمر كذلك، من المؤسف القول ان المرجع الأول لحزب الله لا يبدو مهتماً بأمر البلد. وبلغت درجة عدم الاهتمام حدّ أن نصر الله قال اتهامات و"مشى"، لكنه لم يقل للحظة ما هو برنامجه.. في صيغته "الايجابيّة" البديلة من الاعتراض "السلبي" عدا تكرار بعض الشعارات.
هكذا ظهر السيد أمام اللبنانيين.. من غير جمهوره. سألوا: هل هو فعلاً يريد الحوار حتى في صيغة تشاورية؟ وأجابوا: طبعاً لا، بل هو يحاول تطييره.
هل من يريد الحوار يحدد من جانب واحد موعد البدء وموعد النهاية. وهل من يريد الحوار يخاطب "شركاء" الحوار بأن أمامكم فقط اختيار طريقة ذبحكم؟ وهل من يريد الحوار يقول هذا مطلبي واضربوا رؤوسكم بالحائط؟
إنه انقلابٌ ولا وجهَ شبهٍ مع حركة 14 آذار
ينبغي أن يكون واضحاً بالنسبة إلى فريق 14 آذار أن مهمته الأولى هي إقناع جمهوره أولاً طالما ان "الحرام" وقع، أي طالما أن الاصطفاف حاصل، وطالما أن منطق "الفسطاطين" يسود الموقف.
إن مشروع نصر الله هو انقلاب. ويعرف السيد قبل غيره أن مقارنته "التحرك" الذي يعتزم إطلاقه لا وجهَ شبهٍ بينه وبين حركة 14 آذار 2005. فحركة 14 آذار لم تكن حركة صراع على السلطة. حركة 14 آذار كانت انتفاضة على الجريمة الإرهابية التي أودت بالرئيس الشهيد رفيق الحريري، الجريمة التي ارتكبها النظام السوري وصنيعته النظام الأمني. كانت انتفاضة استقلال من نظام الوصاية الموجود بقوات ومخابرات على أرض البلد. والدليل أن حركة 14 آذار عندما حان أوان البدء بإعادة تشكيل السلطة، سلطة ما بعد الوصاية، توجهت إلى قوى لبنانية أخرى للتشارك معها، بالتزامن مع رفضها الإفساح في المجال أمام قوى تابعة للنظام السوري مخابراتياً كانت مكلفة بأقذر الأدوار.
رفعت حركة 14 آذار في العام 2005 شعارات ومطالب. طالبت بالخروج السوري، وطالبت بالمحكمة الدولية، وبإقالة قادة الأجهزة الأمنية وطالبت بحكومة انتقالية تؤمن الانتقال الطبيعي من مرحلة الوصاية إلى مرحلة الاستقلال.
أعطوني السلطة وإلا...
أما السيد نصر الله، فإن ما يطالب به اليوم هو السلطة. يقول أعطوني السلطة أو ثلثها المعطل في حد أدنى. يريد أخذ السلطة من لبنانيين آخرين. حركة 14 آذار مدّت قنوات الحوار مع "حزب الله" و"أمل" خلال انتفاضتها ولم تشتبك معه أو معهما، لإثبات أن في البلد قدرة على حكمه ذاتياً. أما نصر الله فهو يخوِّن فريقاً كبيراً من اللبنانيين ويهدّده. وما يطرحه لا مثيل له في أي بلد، أي لا معرفة لدى أحد بأن فريقاً سياسياً في أي بلد فيه حدّ أدنى من الديموقراطية ينزل إلى الشارع ليطالب السلطة بأن تسلّم نفسَها له، خارج أي موعد لاستحقاق دستوري ديموقراطي، فحتّى في ايران لم يحصل هذا.
ينبغي أن يكون واضحاً إذاً لجمهور 14 آذار أن المسألة هي مشروع انقلاب "موصوف" من أهدافه إعادة إدخال النظام السوري إلى معادلة القرار اللبناني.
الفوضى سلاح "الهاجم"
و"المضحك ـ المؤسف" أن السيّد الذي اتهم فريق 14 آذار بأنه هو من يخطط للفوضى والفتنة، يتغافل ـ وهو الخبير جداً في العمل العسكري المقاوم ـ ان فريق 14 آذار في موقع تلقّي الهجوم، وفي موقع الدفاع عن الشرعية الدستورية. فإذا كان ثمة مَن في مصلحته الفوضى والتخريب فهو "الهاجم" وليس المدافع. ويتناسى نصر الله أن "الحرب" ـ لا قدّر الله ـ يلزمها عادة فريقٌ يشعلها وفرقاء ينجرّون.
لذا، ينبغي أن يكون واضحاً لجمهور 14 آذار أن قيادته ترفض مذكرات الجلب والإحضار، وترفض الشروط المسبقة. وينبغي أن يكون واضحاً أن لعبة حافة الهاوية لن تخيف قيادة 14 آذار، وأنها في لعبة عضّ الأصابع لن تقول "آخ". فإذا كان نصر الله يريد تسوية متكاملة، لا يكون خطابه "مكفهراً" ولا متعالياً. وإذا كان يريد تسوية متكاملة فإن مجالها لا يزال مفتوحاً. لن تسلّم 14 آذار السلطة خارج أي سياق طبيعي وديموقراطي. لن تسلّمها ليس لـ"هواية" بل لأن أهداف التخلص منها مكشوفة ومفضوحة، وأولها حماية قتلة رفيق الحريري. ولن تسلّم السلطة لأن الأمر يتعلق باستكمال مسيرة تحرّر لبنان من الوصاية السورية. وليتحمل الانقلابيون مسؤولية ما يعملون..وكما لم ترعب حركة 8 آذار 2005 جمهور الحرية والحقيقة فلن ترهبه "الوَهوَلة".
وأخيراً، ثمة كلمة على "رأس اللسان". لقد اكتسب سماحة السيّد سمعة عطرة على المستويين العربي والإسلامي. اكتسب السمعة والهالة من موقعه في الصراع مع إسرائيل. وكما قال هو بنفسه فإذا كان الانتصار على إسرائيل موضع جدل في لبنان فإنه ليس كذلك عربياً وإسلامياً. من هنا، فإن شخصية ذات قامة عربية وإسلامية كبيرة لا "تضحي" بهذه "الموقعية" في صراع على السلطة مفتوح حكماً على أبشع الاحتمالات. وإذا كان السيّد اعتبر ان "الانتصار" على إسرائيل قدم اختراقاً جدياً لمسار الصراع المذهبي في المنطقة، فلماذا فتح الطريق أمام هذا المسار في لبنان؟
نداءٌ أخير إلى "ركاب الطائرة" المتجهة إلى وسط بيروت، ان توجهوا إلى "الباب رقم واحد" أي الحوار الجدّي.. أو يا سماحة السيّد "هل تسمعني أجب".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00