في المبدأ، يُفترض أن تؤدي "الملاحظات" الناسفة للمحكمة الدولية التي ساقها رئيس التمديد السوري القسري إميل لحود الى استعادة فريق 14آذار للمبادرة، أي الى الانتقال مجدداً من الدفاع الى الهجوم.
ثمة سؤالان يطرحان هنا. الأول هو هل أن لحود ارتكب فعلاً خطأ "تكتيكياً" في توقيت إعلان ملاحظاته بالتزامن مع تحرك "التحالف السوري" باتجاه إسقاط الحكومة من مدخل الحديث عما يسمى "حكومة الوحدة الوطنية"؟. والسؤال الثاني هو هل تعي الأكثرية ضرورة توظيف هذا الموقف اللحّودي من المحكمة الدولية وفي أي اتجاه؟
ولا يخفى في هذا المجال أن السؤالين ينطلقان من مسلّمة "مفترضة"، وهي أن لحود بملاحظاته فضح الرابط بين مطلب "التحالف السوري" تشكيل "حكومة وحدة وطنية" وبين خطة تخريب المحكمة الدولية، على أساس أن "حكومة الوحدة الوطنية" معرّفة من قبل هذا التحالف تعني امتلاكه الثلث المعطل للقرار في مجلس الوزراء... هذا الثلث الذي صار إسمه في قاموس "حزب الله" الجديد "الثلث الضامن".
"عبوة لحود": قرار من الأسد
في الإجابة عن السؤال الأول حول مغزى توقيت لحود لـ"عبوته الناسفة"، تبرز عدة معطيات يجدر أخذها في الاعتبار.
من المستبعد لا بل من المستحيل أن يقدم لحود على خطوة من هذا القبيل وبهذا الحجم من الخطورة، من دون أن يكون القرار بذلك اتخذ في دمشق ومن جانب رئيس النظام السوري بشار الأسد شخصياً.. لا بل ثمّة من يؤكّد انّ ملاحظات لحّود وردت في دراسة "قانونية" سوريّة في الأصل. وليس هذا التقدير مبنياً فقط على "السيرة الذاتية" للحود التي تفيد أنه يراجع رئيسه بحسب تراتبية النظام الذي اقامته الوصاية السورية في كل صغيرة، بل هو مبني على وقائع سياسية ملموسة. فالأسد هو الذي أعطى في 15 آب الماضي غداة انتهاء العدوان الاسرائيلي وباسم "الانتصار" المتحقق على اسرائيل إشارة الانطلاق للانقلاب على نظام الحكم في لبنان وإسقاط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، ثم أعلن الحرب على المحكمة الدولية بـ"ذريعة" أن لا مبرر لتشكيل المحكمة قبل انتهاء التحقيق وصدور الاتهامات.
التوقيت و"تقسيم العمل" بين حلفاء سوريا
"المايسترو" لا يزال هو نفسه. وليس في ذلك أي "اكتشاف" جديد بل تذكير بقواعد علاقة لحود التبعية بالأسد. وبهذا المعنى، فإن مدير "اللعبة" أبلغ كل مشارك فيها لحسابه بدوره، وقسّم العمل بين المشتركين. وهذا يعني أن توقيت خطوة لحود والذي قرره الأسد بنفسه، قد جرى إعلام فرقاء "التحالف السوري" به، أو على الأقل إذا علموا به "إعلامياً" فإنهم مهيأون للتكيف معه ومع مقتضياته.
في ردود الفعل المباشرة على "عبوة" لحود لم يصدر أي موقف لا عن "حزب الله" ولا عن الجنرال ميشال عون. وعلى الأرجح، أنهما إذا علّقا لن يستنكرا ولن ينتقدا. وعلى الأرجح ضمن تقسيم العمل انّ لحّود يقول ما لا يستطيع الطرفان قوله خصوصاً بشأن المحكمة الدولية و"حساسيتها"، وإنهما "مختصّان" بالحديث في أمور أخرى. وقد مهد "حزب الله" لتأييد الاعتراض على المحكمة الدولية منذ فترة، وقال أحد القياديين البارزين ان الحزب سيدقق في النظام الأساسي للمحكمة وآليات عملها كي لا تكون ثمة ضغوط سياسية على "دول وشعوب" كما قال. ومع ان القيادي لم يلمح الى نقاط التدقيق الممكنة، فان "تدقيق" لحود يقع ضمن "المواصفات" العامة التي أشار اليها، طالما أن حماية النظام الأمني اللبناني ـ السوري المشترك هو الهدف... وهو نظام "خط الممانعة".
"التحالف السوري" وضغط الوقت
إذاً، لا يبدو مما تقدم ان خطوة لحود أحرجت "التحالف السوري" أو دهمته. وعلى أي حال، أن قراءة استرجاعية لمعطيات الأيام الماضية والمواقف خلالها، تظهر أنها أتت تماماً في سياق محدد. رفض "التحالف السوري" وعلى رأسه "حزب الله" الذهاب الى حوار "متكامل". أصر على الرئيس نبيه بري بعد أن ضيّق أمامه هامش الحركة، أن يكون وقت "التشاور" محدوداً. وقبل على مضض الأسبوعين. وبدلاً من أن يمهد لـ"التشاور" بتهدئة في وقت كان أقصى ما قالت به حركة 14 آذار مطالبتها بـ"توسيع" جدول الأعمال، لجأ الى التصعيد والضغط. وعندما ارتأى الرئيس بري تأجيل "التشاور" أسبوعاً لتأمين مشاركة قيادات الصف الأول، بدا "التحالف" منزعجاً وراح يضغط تحت عنوان ان الوقت المتاح لن يتجاوز أسبوعاً. وجال "حزب الله" على الحلفاء لتأكيد "الاستنفار" وربما تحديد "ساعة الصفر"، وأكد أن المهلة المعطاة للأكثرية لقبول قيام "حكومة الوحدة الوطنية" قصيرة جداً، وان التحرك سيبدأ مباشرة بعد ذلك.
كان واضحاً إذاً ان الوقت يَدهَم "التحالف السوري" وانه على عجلة من أمره. وكان واضحاً ـ ولو بنسبة أقل بالنسبة الى سائر اللبنانيين ـ ان هدف "التحالف السوري" ليس ما يسمى "حكومة وحدة وطنية" في الواقع بل إسقاط السلطة القائمة ودفع البلاد الى الفراغ والفوضى ما لم يكن ممكناً أن يحقق "الانقلاب" حدّه الأقصى أي استلام السلطة.
قربُ الاتفاق على المحكمة وزيارة متكي الى دمشق
ويلفتُ في هذا المجال أن خطوة لحود التفجيرية والتي أتت في سياق تعجيل الوقت و"ساعة الصفر"، حصلت بعد حدثين بارزين على المستوى الدولي من ناحية وعلى المستوى الاقليمي من ناحية أخرى. فعلى الصعيد الدولي كان التحرك الذي قام به الرئيس الفرنسي جاك شيراك باتجاه الصين وروسيا وكان الوضع اللبناني في صلبه، ومن ثماره إعلان موسكو عن اتصال بين وزيري الخارجية الفرنسي والروسي تناول موضوع المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وكان اتفاق على التعاون في هذا الشأن، وسط معلومات ديبلوماسية عن قرب التوصل الى توافق دولي في مجلس الأمن على نظام المحكمة الدولية، يحفظ لهذه المحكمة "فعاليتها". أما على الصعيد الاقليمي، فكانت زيارة وزير الخارجية الايراني منوشهر متكي الى دمشق، في لحظة "تجدد" التصعيد بين ايران والمجتمع الدولي، وفي لحظة دفاع نظام الأسد "المستميت" والشرس عن بقائه. وهذه الزيارة شبهها غير مصدر ديبلوماسي وسياسي بزيارة مسؤول الملف النووي الايراني علي لاريجاني الى العاصمة السورية بعد فشل اجتماعه بمنسق السياسة الخارجية الأوروبية خافيير سولانا، والتي سبقت بساعات اندلاع حرب تموز.. وإن كان ثمّة من لفت الى أنّ متّكي أعلن رفض إيران الصدامات "داخل" دول المنطقة بما في ذلك لبنان.
إتمام مشهد المواجهة واطلاق النار على مبادرة بري
في ضوء هذه المقدمات جميعاً، يبدو أن النظام السوري أعطى تعليماته باتمام مشهد المواجهة ومسرحها في لبنان. ولذلك، وبالعودة الى بداية النقاش، يجب القول ان "عبوة لحود الناسفة تأتي في سياق تحرك "التحالف السوري" بل هي واحدة من خطواته.. بل خطوته الرئيسية والأولى.
ماذا يعني إتمام مشهد المواجهة ومسرحها في لبنان؟
في تقدير العديد من المتابعين انه يخطئ كثيراً من يظن ان مبادرة بري التشاورية بمنأى عن الاستهداف، وفي تقديرهم ان خطوة لحود التفجيرية تصيب مبادرة بري مباشرة.
الكل يعرف ان مبادرة بري ليست منحازة الى فريق 14 آذار "طبعاً". بيد ان التسديد عليها يتعلق بالوقت والاستعجال. وخطوة لحود التي من شأنها أن تضاعف الاحتقان هدفها خلق مناخ متوتر يفشل المبادرة. كذلك لا وقت لدى "التحالف السوري" حتى لمناقشة فكرة توسيع الحكومة الحالية التي يتبناها بري، لأن المناقشة لن تكون "سهلة" بطبيعة الحال. يتصرف "التحالف السوري" على أساس انه يريد أن "يأخذ" فقط.. ولا يريد "الهدوء".
الدينامية المطلوبة في 14 آذار
وفي الانتقال الى السؤال الثاني المتعلق بمدى وعي 14 آذار لضرورة توظيف الموقف اللحّودي، يمكن القول هنا إن المواقف الصادرة عن فريق الأكثرية تعكس ليس فقط إدراكاً للخطر بل وعياً بالأولويات الوطنية. بيد أن ما ينقص الأكثرية هو الدينامية السياسية بحيث يبقى زمام المبادرة في يدها، أي انها يجب الا تكون بحاجة في كل مرة الى "شيء" يأتيها من خارجها.
"يجب" أن تتعامل الأكثرية بايجابية مع مبادرة الرئيس بري. وإذا كان ثمة من يطلق النار عليها أو "يذبحها بالقطنة"، فان الأكثرية يجب أن تكشف استهدافها من جانب "التحالف السوري". لكن التعامل الايجابي مع مبادرة بري لا يعني الخضوع لابتزاز فريق 8 آذار وتهويله. وبقدر ما ينبغي أن تكون الأكثرية صارمة في وجه "الفجور السياسي"، ينبغي أن يكون واضحاً ان ما تطرحه هو تسوية متكاملة بدونها لا أفق مفتوحاً، أي رفض "الهرطقات" والعناوين الجزئية التي تشكل محطة في الأزمة المتمادية وليس معالجة لها.
التخلص من "هاجس" المحكمة الدولية
و"يجب" أن تكون الأكثرية واثقة من نفسها، ومن أن المحكمة الدولية لن تسقط. ذلك أن بقاء "هاجس" المحكمة الدولية قد يقود الى تنازلات في غير محلها. والتحرك الذي يقوم به رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط بالنسبة الى هذا الموضوع مهم جداً، إذ لا بد من الاطمئنان الى أن المحكمة الدولية ستنشأ سواء بصيغة محكمة ذات طابع دولي تصدق الحكومة اللبنانية على نظامها أو بصيغة محكمة خاصة بقرار من مجلس الأمن. لا بد أن تتحرر حركة 14 آذار من "هاجس" المحكمة ومن الابتزاز في هذا الشأن، وأن تعمل لمحكمة خاصة بقرار محض دولي.
و"يجب" أن تكون الأكثرية حريصة في هذه الفترة أكثر من أي وقت مضى على تفعيل "شرعيتها" الدستورية والشعبية. فلا يجوز تغييب المسرح النيابي ولا يجوز الاكتفاء بتحرك شعبي واحد كل عام.
أعطى النظام السوري الأمر باتمام مشهد المواجهة. وفي هكذا "موسم" لا يمكن توقع "طقس صاف".. وفي وجود القرار في يد الأسد لا يجوز "النوم على حرير".








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.