من استمع إلى الخطاب السياسي لحزب الله على ألسنة قادته ومسؤوليه في الآونة الأخيرة، أمكنه أن يستنتج بـ"سهولة" ان الحزب يرفض الحوار ويقطع الطريق عليه.
والسؤال الأول في هذا المجال هو: لماذا؟
الاستراتيجية المطوّقة بوقائع جديدة
في الجواب عن هذا السؤال، يحضر سببان رئيسيان. الأول يتعلق بـ"الواقع" الراهن لمشروع "حزب الله" أي ما آل إليه هذا المشروع بعد حرب تموز. والثاني يتعلق بنوع من الهروب إلى الأمام، الهروب من المحاسبة مع الذات من ناحية والهروب من محاسبة الآخرين له من ناحية أخرى.
بالنسبة إلى الواقع الراهن لمشروع "حزب الله" بداية، بما هو الجانب المقاوم منه، ليس خافياً انه بالرغم من الكلام الكثير والكبير عن "الانتصار" على العدوان الإسرائيلي، فإن حقيقة الأمر ان "حزب الله" خسر بنتيجة الحرب استراتيجيته، لا سيما في مجال المقاومة.
"الانتصار" الذي يتحدث عنه الحزب لا يعدو كونه صورة البطولات التي قدّمها مقاتلوه في الميدان. وفي أحسن الأحوال، فإن هذا "الانتصار" يُقدّم بوصفه "النقيض" مما هي عليه حال إسرائيل التي لم تستطع توجيه إصابة قاتلة إلى الحزب. "الانتصار" من زاوية نظر الحزب يقوم على ان إسرائيل حددت في مرحلة من مراحل عدوانها هدفاً هو تصفية الحزب وسلاحه، وبما ان ذلك لم يحصل فهو يعتبر نفسه "منتصراً".
لكن معيار الانتصار في السياسة مختلف. فأن يكون الحزب قد انتصر سياسياً، يعني انه من جهته نجح في فرض شروط جديدة لصالح استمرار المقاومة، وأن يكون نجح في تعديل موازين قوى الصراع مع إسرائيل وأن يكون استمرار سلاحه اكتسب في السياسة معنى إضافياً. بكلام آخر، ان معيار الانتصار في السياسة، هو أن يكون نجح في فتح آفاق جديدة محلياً وعربياً ودولياً، وليس فقط أن يكون نجح في الاستمرار في الوجود على "قيد الحياة".
وفقاً لهذا المعيار، فإن الأمور تقاس بنتائجها. وتكراراً فإن النتيجة السياسية لحرب تموز تتجسّد في القرار الدولي رقم 1701. وهذا القرار الذي أعطى غطاء دولياً لـ"الدولة" وسلطتها وسيادتها على كامل الأرض اللبنانية حتى الحدود الدولية جنوباً، وكرّس حضوراً أمنياً دولياً لم يسبق له مثيل، وأدى إلى تدويل المسألة اللبنانية في جانبها المتعلق بالصراع مع إسرائيل، لا يفسح في المجال أمام المقاومة.
بقاء السلاح أو زيادته ليسا معياراً سياسياً
ففي ظل انتشار الجيش في الجنوب بقوة، وفي ظل انتشار معزّز للقوات الدولية، "يستحيل" تصوّر إمكان استمرار المقاومة، مثلما "يستحيل" تصوّر إمكان إقدام "حزب الله" على المغامرة بصدام مع الجيش و"اليونيفيل". لذلك، فإن المفارقة هنا هي ان "حزب الله" يحدّثـ"نا" عن "الانتصار" لكنه لا يحدّثـ"نا" عن كيفية استمرار المقاومة في الظروف الجديدة. هو في العلن يكابر. يرفض التسليم بحقيقة ان الظروف تغيّرت، وانها بتغيّرها أطاحت استراتيجيته. وقد أطيحت استراتيجيته، تماماً عندما لم يعد للسلاح معنى سياسي محدّد. لكن "حزب الله" عندما يتحدث عن "الانتصار"، يقول ان من علائمه انه نجح في فترة قياسية في استعادة بنيته العسكرية، الصاروخية على وجه الخصوص. ويغيب عنه هنا ان المسألة ليست عددية، بل هي مسألة تتعلق بـ"الإمكانية". فقد يكون لدى الحزب مئة صاروخ يستطيع استخدامها، وقد يكون لديه عشرون ألفاً ولا يستطيع استخدامها.
الواقع الراهن يفيد إذاً ان "حزب الله" بالرغم من الكلام الكثير والكبير عن "الانتصار" خسر استراتيجيته، أي فقد في السياسة إمكان الاستمرار في مشروعه المقاوم. وإذا كان البعض انتقد فريق 14 آذار لتسليطه الضوء مع نهاية العدوان الإسرائيلي على مسألة سلاح "حزب الله"، فإنه قد يكون محقاً على اعتبار ان السلاح "نتيجة" فضلاً عن أن لا شيء اسمه "نزع" السلاح. بيد ان الموضوع في "جوهره" يتعلق بالجدوى السياسية لهذا السلاح في ظل المتغيّرات السياسية الجوهرية والاستراتيجية.
محاولة الهروب من المحاسبة
السبب الأول لرفض "حزب الله" الحوار وقطعه الطريق عليه هو مكابرته حيال خسارته استراتيجيته في ضوء النتائج السياسية "الفعلية" لحرب تموز. أما السبب الثاني، وهو التتمة المنطقية للأول، فيتعلّق بمحاولة الهروب من المحاسبة.
يفترض ان "حزب الله" يعرف ان أي حوار قد يتم، لا بدّ له منطقياً أن يكون حواراً متكافئاً. ليس من حق الحزب أن يفرض على الآخرين ما يريد. وليس من حقه أن يجري تقويماً لمواقف الآخرين وأدائهم وأن يكيل لهم الاتهامات، وأن يمنع الآخرين من تقويم مواقفه وأدائه.. حتى لو كان كثيرون "يتفهمون" انه يهرب من محاسبة نفسه إلى مهاجمة الآخرين، أي حتى لو كان كثيرون "يتفهمون" مشكلته.
ويفترض ان "حزب الله" يعرف أيضاً ان "أصل" التوتر السياسي في البلاد هو ما أدى إلى حرب تموز، وما أدت حرب تموز إليه. ويفترض انه يعرف كذلك ان مطالبته بما يسمّى "حكومة وحدة وطنية" مبنية على حيثيات لديه ليست مسلّمات عند أحد.. لا بل هي "الصيغة السياسية" لهروبه من الاعتراف بالوقائع الجديدة بالرغم من انه ساهم هو نفسه في ايجادها، ولهروبه من التوصل إلى مشتركات مع الآخرين. وليس أسهل، للهروب، من رمي الاتهامات على الآخرين وتصديقها.
المكابرة و"التحايل" على الوقائع
هذا على صعيد قراءة الأسباب التي تضع "حزب الله" في موقع رفض الحوار وقطع الطريق عليه، حيث تم تسجيل سببين رئيسيين. وهنا يحضر السؤال الثاني: لأي هدف سياسي يطرح "حزب الله" ما يسمّى "حكومة الوحدة الوطنية" التي يرفض الحوار بشأنها ويقطع الطريق على أي تسوية متكاملة بخصوص الوضع السياسي برمته؟
من نافل القول ان وراء هذه المطالبة موقفاً للنظام السوري من ناحية وان ثمة مسايرة من جانب الحزب لحسابات هذا النظام ومصالحه في ما يتصل بالمحكمة الدولية وغيرها من ناحية ثانية. بيد ان لحزب الله حساباً خاصاً في هذا المجال، وإن كان لا يجوز إغفال التعطيل الذي تلحقه أولويات الحزب بالمحكمة الدولية.
فالحزب المكابر في الاعتراف بالوقائع الجديدة بعد حرب تموز والتي جعلته يخسر استراتيجيته، وبدلاً من أن يجري مراجعة لـ"الموقف" ويفتتح مساراً من التكيّف مع المعطيات ويخطو باتجاه علاقة سليمة بالعمل السياسي، يحاول "التحايل" أو "الالتفاف" على الوقائع والمعطيات.
حقيقة الأمر ان الحكومة الحالية لم تخطئ حيال "حزب الله". وحقيقة الأمر ان كل مواقفها وقراراتها كانت بالتشاور معه. وحقيقة الأمر أيضاً ان المعركة التي خاضتها من أجل وقف العدوان الإسرائيلي بشروط "متوازنة" و"ملائمة"، هي ـ أي هذه المعركة ـ التي جعلت الرئيس نبيه بري يصفها بأنها حكومة "مقاومة سياسية".
الهدف "الفعلي": السيطرة على قرار الدولة
لا أساس للمطالبة بتغييرها أو بإسقاطها بمقياس أدائها خلال الحرب. ولذلك فإن الاتهامات التي يطلقها "حزب الله" في هذا المجال بالتحديد ليست "حقيقية". فالهدف "الفعلي" من وراء المطالبة بإسقاط الحكومة، لا يستطيع "حزب الله" شرحه علناً، ولذا فإنه يطلق سهامه باتجاه موضوع آخر.
والهدف "الفعلي" هو السيطرة على القرار السياسي للدولة. والسيطرة على القرار السياسي للدولة تعني السيطرة على القرار السياسي للمؤسستين العسكرية والأمنية. فالقرار السياسي المعطى للجيش في الجنوب واضح ويقضي بحماية الجنوب من الاعتداءات الإسرائيلية، ويقضي بالتصرّف على أساس ان الجيش هو القوة اللبنانية الشرعية الوحيدة في الجنوب، وذلك بالاستناد إلى اتفاق الطائف والدستور. وإلى ذلك، فإن الجيش ينتشر في الجنوب بمؤازرة من "اليونيفيل" المعزّزة بموجب القرار 1701، أي ان الجيش اللبناني مكلّف بتطبيق هذا القرار الدولي. ولا يستطيع الحزب الاعتراض على ذلك علناً. ذلك ان الـ1701 هو المحصّلة السياسية لحرب تموز، أي انه محصّلة موازين قوى سياسية داخلية وإقليمية ودولية. ولا يستطيع مهما تحدّث عن تحويل "اليونيفيل" عن مهامها أن يضيّع حقيقة ان ما يجري تنفيذه اليوم هو لمصلحة لبنان ولمصلحة حمايته من إسرائيل. وعلى هذه الخلفية فإن ما "يضمره" الحزب هو السيطرة على القرار السياسي.. على أمل التصرّف بقرار المؤسسة العسكرية و"الانقلاب" على الـ1701 "يوماً ما".
والثلث المعطّل في الحكومة هو سيطرة على القرار السياسي ولو سلباً. ووضع البلاد أمام فراغ دستوري هو كذلك أيضاً. وإلا فما معنى تهديد "حزب الله" بالاستقالة من الحكومة ومن المجلس النيابي؟ وما معنى أن يهدّد بالمضيّ في كل محاولات إسقاط الحكومة حتى لو حصلت أزمة حكم؟
ان الهدف السياسي "الفعلي" هو السيطرة على القرار السياسي للدولة. وهذا ما لا يمكن إعلانه على المكشوف. و"المؤسف" ان "حزب الله" يبني هدفه "الفعلي" هذا على "الانتصار". فحتى لو كان ثمة انتصار، فإن الانتصار على العدو لا ترجمة له في الداخل الذي يخضع لقواعد "لعبة" مختلفة.
الانقضاض على الطائف
لا حاجة بعد ذلك إلى الاسترسال كثيراً في البحث بين ما يعلنه "حزب الله" من مواقف وأهداف وبين ما يضمره منها. بيد ان الكثيرين إضافة إلى ما سبق ذكره يشتبهون بأن ثمة هدفاً أبعد هو الانقضاض على اتفاق الطائف ونظام الطائف من خلال ايجاد حال من الفوضى واللاإستقرار. فليس صدفة أن يكون "حزب الله" على رأس تحالف يشكّل الاعتراض على الطائف القاسم المشترك الرئيسي فيه.
وربما لا حاجة إلى نصح "حزب الله" بأي شيء. لقد نُصح سابقاً، ولفت نظره إلى طبيعة الاجتماع اللبناني، ما يحتمله وما لا يطيقه. قيل له احتسب هنا واحتسب هناك. وذُكّر بتجارب أخرى انتهت بأصحابها بالرغم من نواياهم الطيّبة إلى أن يكونوا عابرين في مرحلة من تاريخ بلدهم. لكن "حزب الله" لم يُعِر أي اهتمام.. وهذا شأنه.
على ان "حزب الله" يجب أن يشعر وأن يلمس ان طلب 14 اذار الحوار معه ليس استجداء ولا ضعفاً. ان الحوار مصلحة لبنانية، وفيه مصلحة له هو مثل سواه وربّما قبل سواه. ولهذا الحوار، كل حوار، أصول. ولا يكون طرفٌ ما قوياً حتى لو كان مدججاً بالسلاح حتى الأسنان، ما لم يكن في استطاعته الحوار لا الشتم والاتهام. وهذا النوع من القوة لا يخيف أحداً حتى لو كان يُحبط شعباً وشبابه. وحدهما قوة الحجة وقوة "الحق" تضعان الجميع أمام مسؤولياتهم. وأخيراً، لا يفعل قول قياديي الحزب انهم لا يريدون حواراً لتضييع الوقت سوى انه يزيد الاشتباه بالاستعجال الذي يطبع سلوك "حزب الله" الذي يبدو وكأنه يريد استباق "شيء ما" في الأفق القريب.
هي دعوة إلى "كلمة سواء" و"دفعٌ بالتي هي أحسن".. وليست إنذاراً ولا استرضاءً ولا ضعفاً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.