أيّام قليلة فقط تفصل اللبنانيين عن العيديّة التي وعدهم بها الرئيس نبيه برّي. وبالرغم من ارادة التفاؤل بالمستقبل، فإن المعطيات "الفعلية" القائمة لا تدعو الى التفاؤل. مبدئياً، أطلق الرئيس برّي وعده بالعيديّة عندما لاحظ انحساراً نسبياً في التشنج السياسي، فبدا ان العيدية تتويج لتهدئة او هدنة. لكن الامر ليس كذلك بالفعل، اي ان العيديّة الموعودة لا تزال متعاكسة مع مناخ من التصعيد السياسي الذي يمارسه "حزب الله" تحديداً، باعتباره القوّة السياسية التي يعتدّ بها لتنفيذ مشروع تغيير السلطة.
عيديّة برّي: وعدٌ مبني على تهدئة الحريري وجنبلاط
في الأيام الماضية، قلّل رئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط من اطلاق التصريحات والمواقف، ومن جملة أسباب هذا "التقنين" انّ جنبلاط يريد اعطاء تحرّك برّي فرصة ويريد تسليحه بـ"ورقة". وفي الأيام الماضية أيضاً، سارع رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري الى إبداء الاستعداد لإبقاء يده في يد الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله وللحوار معه، وإذ أكد وجود خلاف سياسي جوهريّ بينه وبين السيّد، فإن الحريري أعطى دفعة لإمكانية استئناف الحوار، وشاء هو أيضاً أن يمنح تحرّك برّي فرصة حقيقية.
على الأرجح اذاً، ان رئيس المجلس اللبناني بنى وعده بالعيدية على التهدئة من جانب الحريري وجنبلاط، وليس على تهدئة من جانب "حزب الله". كيف ذلك؟.
"حزب الله" متعالياً ومصعِّداً
استقبل "حزب الله" استعداد سعد الحريري للحوار بنوع من "التعالي" اعلامياً. نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم أدلى بحديث صحفيّ وجّه من خلاله رسالة مفادها انّ الحوار ليس تحصيل حاصل، وانّه لا بدّ من الاتفاق المسبق على "مضمون" هذا الحوار كي يقوم بالفعل. وفي هذه الأثناء، تابع الحزب حملتَه على الرئيس فؤاد السنيورة وفريق 14 آذار، وكالَ لهما اتهامات من "العيار الثقيل". قال النائب محمد رعد انّ رئيس مجلس الوزراء لا يتحرّك إلا بأوامر خارجية، وقال انّ فريق الأكثرية يشترك مع العدوان الاسرائيلي في هدفَي انهاء المقاومة ونزع سلاحها، وأشار الى ان الانسحاب من الحكومة هو خيارٌ مطروح. لكنّه قال أيضاً "نحن معارضة ووجودنا الآن في الحكومة موقّت". وكانَ مسؤول آخر في الحزب قال في اليوم نفسه انّ الحكومة أميركية الولاء وتحظى بثقة الادارة الأميركية.
اذاً، بالتزامن مع استعدادات الأكثرية لتسهيل تحرّك برّي، مارس "حزب الله" التعبئة والتصعيد. ولا شكّ انّ ثمّة ارتباكاً فكرياً وسياسياً في خطاب التعبئة والتصعيد هذا. ففي هذا الخطاب تختلط المصطلحات والمفاهيم. "حزب الله" هو مقاومة خارج الدولة لكنّه في الوقت نفسه داخل الدولة يجادلُ في ما يعنيه منها. و"حزب الله" فريق مشارك في الحكومة أي في السلطة لكنّه يعتبر نفسه معارضة. يعلن نفسه معارضة لكنّه يعتبر ان الانسحاب من الحكومة مجرّد احتمال وارد. أمّا المشروع الذي يتبنّاه تحت مسمّى "حكومة الوحدة الوطنية" فهو مشروع لإقامة سلطة أخرى تكون له السيطرة عليها.
بيدَ انّ ذلك ليسَ الأهمّ على اعتبار انّ هذا الارتباك الفكري السياسيّ مشكلة "خاصة" بالحزب، على الرغم من انّ كثيرين يعتبرون انّ الحزب ما كانَ ليكون على هذا القدر من الارتباك لولا انه "متورّط" في مشروع سياسي هو نفسه مرتبك لارتباطه بمصالح "الغير". انّ الأهمّ هو ما يحمله خطاب "حزب الله" من مضامين تعبويّة خطيرة.
الحكومة والأكثرية: عدوّ مشترك مع أميركا واسرائيل!
فعندما تصبح الحكومة "اللبنانية" جزءاً من تحالف معاد أميركي اسرائيلي بحسب الحزب، وعندما لا تعود الأكثرية مجرّد خصم سياسيّ بل تصبح عدواً، فذلك لا يُسقط فقط الكلام عن "حكومة وحدة وطنية" لأنّ "حكومة الوحدة" لا تقوم بين فريق وعدوّه، بل يهدّد بنقل البلد الى مناخات تصادمية. وعندما يتّهم "حزب الله" الحكومة والأكثرية بأنّهما حليفتان للعدو، لا يعود ثمّة مجال للحوار معهما ولا للتآلف. وحتّى مع العدو "الحقيقيّ" يكون ثمّة مهادنات، لكنّ مع الحكومة والأكثرية لا مهادنة من جانب "حزب الله".
القياديون "حربجيّون"
فهل تُشحّم القواعد السلاح؟
على انّ الأشدّ خطورةً هو الآتي: اذا كان القياديّون في الحزب يستعملون هذا الخطاب فما هي حال القواعد؟. وهذا السؤال مطروح لاستباق ما قد يقوله قائل من انّ الخطاب موجّه الى القواعد لإبقائها في حال من الاستنفار السياسيّ. والحال انّه اذا كان الخطابُ القيادي "حربجياً" الى هذا الحدّ، فليس من ضمانة ألا تكون القواعد مكلّفة بـ"تشحيم" السلاح.
طبعاً انّ ذلك استنتاج، فكيفَ اذا كانت المعلومات المتقاطعة تفيد انّ "حزب الله" يستعدّ لـ"الأسوأ" في سياق الاستعداد لتنفيذ مشروع اسقاط الحكومة؟
غير ان هذه المقدمات جميعها وبالرغم مما تتضمنه من معطيات على درجة عالية من الخطورة، لا تقدم وحدها المشهد "الكامل".
برّي المتميّز
ثمّة هنا سؤالٌ جوهري هو: هل "حزب الله" مع إعطاء الرئيس برّي فرصة ومع نجاح مسعى حواريّ جديد يقوده؟.
ليس هذا السؤال افتراضياً. ولا هو ينطلقُ فقط من معلومات تؤكّد انّ ثمّة انزعاجاً في دمشق من حركة برّي، وانّ هذا الانزعاج عكسَه أتباع النظام السوريّ في ما أدلوا به من مواقف. انّ السؤال "موضوعيّ" بالاستناد الى معطيات رئيسية عدّة.
كانت للرئيس برّي في الفترة السابقة مواقف غاية في الوضوح. كان تعاونُه الوثيق مع الرئيس السنيورة خلال مرحلة حرب تموز أساسياً لتمكين لبنان من اجتياز الكارثة. أعلن ان الحكومة حكومة مقاومة سياسية، وكرّر هذا التوصيف اكثر من مرّة. أكدّ رفضه اسقاط الحكومة او استقالتها قبل الاتفاق علي الحكومة البديلة برنامجاً وتشكيلة. قال انّه مع قيام "حكومة وحدة وطنية" لكنّه اشترط التوافق على قيامها. شدّد على الالتزام باتفاق الطائف في وقت يتقاطع حلفاء النظام السوريّ وأدواته وأتباعه حول الطعن بالطائف. دعم القرار الدولي 1701 وانتشار الجيش في الجنوب، ودعا الى معالجة أي اشكالات بمنطق الصداقة مع "اليونيفيل". وقبلَ كل ذلك، فإن الرئيس برّي المؤيد للمقاومة والقائل انّ المقاومة مستمرة ما بقي جنديّ اسرائيلي واحد على أرض لبنان، كان ولا يزال في طليعة "المتحرّقين" على ما أصاب لبنان بالرغم من "الانتصار".
ليس عضواً سرياً في 14 آذار
لكنه موقع للتسوية
هذه المواقف التي يلتزم الرئيس برّي بها لا تجعله عضواً سرياً في حركة 14 آذار. فلا هو يطلب الانضمام الى هذا الفريق ولا يجد مكانه ضمنه ولا حركة 14 آذار تسعى الى هذه الغاية. واذا كان مما لا شكّ فيه انّ ثمّة تقاطعات بين مواقفه ومواقف 14 آذار، الأمر الذي سمح بانقاذ لبنان الكيان ولبنان الدولة في مواجهة العدوان الاسرائيلي، فإنه كانَ ولا يزالُ حليفاً لحزب الله وإن متميّزاً عنه.
من المؤسف أن "يبدو" حزب الله وكأنّه يريد من برّي أن يكون حليفاً متماهياً معه. وهذه المقاربة للتحالفات لا تذكّر فقط بمقاربة نظام الوصاية السورية الذي لم يعترف يوماً بـ"خصوصيات"، بل هي مقاربة خطيرة لأنها إن تأكدت تعني اسقاط موقع مهم في الوضع اللبناني، يستطيع التحدّث مع الجميع متميزاً عن الجميع، فكيف اذا كان هذا الموقع اضافة الى كل ما سبق، موقعاً دستورياً مميزاً هو رئاسة المجلس النيابي؟.
ليس الذين يستطيعون التحدّث الى الجميع كثراً. فإذا استُثنيت حقيقة انّ زعيم "تيار المستقبل" سعد الحريري هو الوحيد في فريق 14 آذار الذي يمكنه التحدث الى السيد نصرالله، فالرئيس برّي هو الوحيد في البلد الآن الذي يمكنه أن يكون في "النُصّ". ولو وجدت مواقع وازنة في "الوسط" في العام 1975 لما قامت الحرب اللبنانية أصلاً.
أسباب محتملة للانزعاج من برّي
ومع ذلك، أي بالرغم مما يفترض أن يعنيه موقع برّي كضرورة لـ"التسوية"، فإنّ "حزب الله" يبدو منزعجاً من دور رئيس مجلس النواب، أو غير متحمّس له على الأقلّ.
انّ تحرّك برّي يؤدي الى فرملة أيّ اندفاعة نحو المواجهة الداخلية. ومواقفه تقطع الطريق أمام أيّ تصعيد نحو الفراغ. ومقاربته للمسألة الحكومية تجعل "حزب الله" لا يستطيع الاعتماد عليه لانسحاب مشترك من الحكومة. وتصوّره لـ"الحل" القائم على تسوية متكاملة كما ألمح في مقابلته التلفزيونية الأخيرة يقطع الأفق أمام سيناريوهات يُخطط لها في دمشق. انّه "مزعج" اذاً لمن لا يريدون إلا واحداً من أمرين: إمّا الهيمنة وإما الخراب.
سيناريوهات من دمشق: استقالة لحّود؟
و"يصدف" انّ هذا التقدير للأسباب المحتملة وراء الانزعاج السوريّ والموالي للنظام في سوريا من التحرك الحواريّ والتسوويّ لبرّي، يتزامن مع معلومات عن مجموعة من الخطط المتداولة في دمشق حيالَ لبنان.
فبالاضافة الى خطط التخريب الأمني الضاغطة من أجل تغيير السلطة، وتحت العنوان العريض المسمّى "حكومة وحدة وطنية"، ثمة بحثٌ في بدائل. استقالةُ وزيرَي "حزب الله" من الحكومة واحدٌ من البدائل. لكن استقالة الوزيرَين من دون وزراء حركة "أمل" لا تعطي المفعول نفسه. لذا فثمة بديلٌ يجري التفكير به هو إستقالة إميل لحود. وفي هذا الاطار تمّ التداول في أن يستقيل لحود وأن يقوم بتكليف عمر كرامي برئاسة الحكومة "الانتقالية". اكتشف "الباحثون" انّ هذا غير ممكن في ظلّ اتفاق الطائف حيث لم يعد رئيس الجمهوريّة يستطيع التكليف من دون استشارات ملزمة. قيل انّ لحود يستقيل فتصبح الحكومة القائمة معنية فقط بتأمين انتخاب رئيس جديد فلا تعود قادرة على اتخاذ قرارات رئيسية كما بالنسبة الى المحكمة الدولية مثلاً. تصبح البلاد في حال من الشلل الى أجل غير منظور، والشلل الدستوري مرادف للفراغ، والفراغُ فوضى.
اذاً، ثمّة سيناريوهات بديلة لـ"حكومة الوحدة الوطنية" من ضمنها إستقالة وزيرَي "حزب الله"، ومنها إستقالة لحود، ومنها الأمران معاً.
فإذا أضيفت هذه المعلومات الى الحيثيات السياسية، أي الى المضامين التسووية العميقة لتحرّك الرئيس برّي، يصبح من المنطقي القول ان هذا التحرك في دائرة الخطر، وان صاحبه أي الرئيس برّي في دائرة الخطر أيضاً.. أي انّ مشروع التسوية المتكاملة يُصبح غير ذي معنى، وانّ البلاد تُدفع سورياً الى محطات عسيرة. فهل هذا ما يريدُه "حزب الله"؟
حمى الله "أبو مصطفى". لكن حمى الله لبنان مِن قبلُ ومِن بعدُ.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.