8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مسؤولية "الأمن" حمايةُ النظام السياسي وقواعد الصراع السلمي

ليست عمليات التخريب الأمني المتنقلة بين ثكنات قوى الأمن الداخلي والوسط التجاري، والمنفّذة بـ"الإينرغا"، سوى رأس "جبل النار" الذي يعدّه النظام السوري وأدواته وشبكاته للبنان في مرحلة الشهور المقبلة.
حتى الآن، لم تحصد العمليات التخريبية هذه ضحايا ـ أي قتلى ـ بين المواطنين. لكن معلومات توافرت تفيد ان استهداف المدنيين سيتم في سياق الخط البياني التصاعدي للتفجيرات الأمنية، أي ان المخططين والمنفّذين لن يكتفوا ـ في مرحلة لاحقة ـ بالترهيب النفسي الذي أدت إليه العمليات السابقة. ومن الواضح ان التكليف السوري صدر في هذا المجال للشبكات الاستخباراتية سواء تلك التابعة للمخابرات السورية أو تلك التي تؤطرها "أحزاب" أو "جمعيات" تمثل أجراماً تدور في فلك النظام في دمشق.
معلومات عن تحضيرات ضدّ السرايا
إلا ان ذلك ليس وحده ما يعدّ أمنياً من جانب النظام المخابراتي. ليس إقلاق الراحة ولا استهداف لبنانيين عشوائياً هما الغاية الوحيدة. فثمة معلومات جرى تداولها على نطاق محدود بين عدد من القيادات تفيد ان هناك خطة قيد التحضير لاقتحام السرايا الحكومية. وتقول هذه المعلومات ان إحدى الجهات الحزبية تعدّ مجموعات "متخصصة" بأعمال الشغب لتنفيذ هذا الهدف في لحظة معينة قد تكون مناسبة تحرّك "جماهيري" ما تحت أي عنوان من العناوين في إطار "المواجهة" التي يعدّها التحالف الموالي للنظام السوري مع الحكومة.
وإلى ذلك كلّه، تضاف معلومة ثابتة مفادها ان رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة مستهدف بالاغتيال في وقت ما من الأوقات.
المحكمة الدولية: أي مستوى من النظام السوري سيُتّهم؟
والسؤال: لماذا كلّ هذه التحضيرات الأمنية من جانب النظام السوري وحلفائه وأدواته وشبكاته؟
ليس سرّاً ان ثمة استحقاقاً داهماً خلال الشهرين المقبلين، يتعلق بتشكيل المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وفي سائر جرائم الاغتيال الأخرى. وليس سرّاً انه من المفترض إقرار النظام الأساسي للمحكمة الدولية في وقت ليس بعيداً، بحيث تصبّ نتائج التحقيق الدولي في المحكمة الدولية مباشرة. وليس سرّاً أخيراً ان تقرير المحقق الدولي سيرج براميرتس في منتصف كانون الأول المقبل، هو تقريره الأخير، ومن المفترض أن يتم الذهاب منه بعد ذلك إلى المحكمة الدولية.
و"ظاهر" الأمر حتى الآن ان النظام السوري يشنّ حملة "سياسية" على المحكمة الدولية، وآخر ما قاله رئيس النظام بشار الأسد أن لا مبرّر لمحكمة دولية قبل توصل التحقيق إلى تحديد متّهمين. كرّر أتباع الأسد في لبنان كلامه.
بيد ان النظام في سوريا الذي يعرف جيّداً علاقته بجريمة اغتيال الرئيس الحريري وسائر الجرائم الأخرى، ويعرف تالياً ان "القرار الظنيّ" للمحقق براميرتس سيتضمن اتهاماً لمسؤولين سوريين، انما "يفاوض" حول المستوى من النظام، الذي سيتمّ اتهامه. وفي إطار هذا "التفاوض" يسعى نظام الأسد إلى أن يأتي نظام المحكمة الدولية خالياً من أي تهديد له. لا يريد تصنيف اغتيال الرئيس الحريري جريمة ضد الانسانية. لا يريد أن يهتك نظام المحكمة ما يسمّى "الحصانات" وفي مقدمها الحصانات الرئاسية. ولا يريد أن تكون لإجراءات المحكمة قوة تنفيذية بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. باختصار انه يريد الحدّ من فاعلية المحكمة.
نظام المحكمة سيقرّ في لبنان
في المقابل، يعرف نظام الأسد ان "التسويات" التي يمكن أن تنعقد في مجلس الأمن الدولي لن تغير جوهرياً من طبيعة المحكمة أو من قوتها. جريمة إرهابية بدلاً من جريمة ضدّ الانسانية مثلاً.. لا بأس. مسألة "الحصانات" لن تمنع من الوصول إلى مستوى متقدّم هو بالنسبة إلى الأسد أمر خطير. ويعرف نظام الأسد ان الحكومة اللبنانية ستقرّ إن لم يكن بالإجماع ـ تأسيساً على قرار مؤتمر الحوار السابق في هذا المجال ـ فبأكثرية كبيرة نظام المحكمة عندما يأتيها من مجلس الأمن. ويعرف انه بالنسبة الى نظام المحكمة بما هو اتفاقية تعاون بين لبنان والأمم المتحدة، سيصدّق مجلس النواب على القانون الذي يجيز للحكومة التوقيع عليه، وذلك بأكثرية المجلس النيابي. ويعرف أخيراً ان "وكيله" في بعبدا، رئيس التمديد إميل لحود لن يستطيع شيئاً، لانه حتى لو رفض توقيع القانون الذي يصدره مجلس النواب، فإن المجلس سيعاود إقراره بعد ذلك. وأكثر من هذا، فإن إنشاء المحكمة الدولية، في حال جرت "خربطة" اتخاذ القرار لبنانياً فإنه يحصل بقرار دولي.
الخطة السورية: "تكفير" اللبنانيين
من المحكمة و"حكومة الاتحاد"
المأزق يُطبق إذاً على نظام الأسد.
ومع ذلك، فإن له خطة مضادة. الشق الأول من الخطة، أمني ـ مخابراتي بامتياز. ويقضي بتصعيد التفجير الأمني واستهدافاته في لبنان، أي تفجيرات واغتيالات. والهدف "السياسي" هو "إفهام" اللبنانيين أن كلفة قيام محكمة دولية ستكون باهظة جداً، أي جعل اللبنانيين "يكفرون" من المحكمة الدولية و"يفضّلون" عدم قيامها، بما يشكّل ضغطاً على "المستوى السياسي" اللبناني. وعليه، كلما اقترب موعد إقرار نظام المحكمة وموعد إنشائها، سيزيد منسوب التفجير الأمني. أما الشقّ الثاني من الخطة، أي السياسي المباشر منها، فيلخّصه شعار "حكومة الوحدة الوطنية". ولا يخفى على أحد أن "مشروع حكومة الوحدة الوطنية" إذ يهدف الى تغيير توازن السلطة، فإنه يهدف الى منع إقرار نظام المحكمة الدولية بحُجّة المناقشة في بنوده تارةً واستبعاد بنود منه تارة أخرى ورفع شعارات كبيرة من مثل تدويل القضاء تارة ثالثة.
وإذا كان مما لا شك فيه أن لحكومة "الوحدة الوطنية" أبعاداً وأهدافاً سياسية عدة، فإن الهدف المركزي منها هو إبعاد كأس المحكمة الدولية عن نظام الأسد وأتباعه في لبنان.
"تدبير رقم3"
ثمة عجلة في أداء النظام السوري وأتباعه. إنه في سباق مع الوقت. وثمة سباق بين العمليات الأمنية ـ المخابراتية الترهيبية وبين "المشروع السياسي" أي "حكومة الوحدة الوطنية". ولذلك فإن الوقت المتروك لـ"الحوار" حول تشكيل هكذا حكومة لن يكون طويلاً، وهو على أي حال الآن حوار بضغط التفجيرات.
إذاً، ثمة شقّان من الخطة السورية. غير أن ثمة خطة بديلة أو "التدبير رقم ثلاثة". ففي حال لم تفلح التفجيرات الأمنية في "تكفير" اللبنانيين من المحكمة الدولية، وفي حال لم تذهب الأمور باتجاه الحكومة المنشودة، فإن اغتيال الرئيس السنيورة على "اللائحة" في موازاة أعمال فوضى وشغب.
الأجهزة الأمنية: الحزم والرهبة والهيبة
إن كل ما تقدّم يفيد أن الأشهر القليلة المقبلة على درجة عالية من الخطورة. وإذا كان هذا الاستنتاج مبنياً على معلومات وصلت الى مسامع قيادات سياسية، فإن الوضع الأمني من مسؤولية الأجهزة الأمنية.
يفترض أن تكون لدى الأجهزة الأمنية ذات الطبيعة "الاستعلامية" المعلومات الكافية كي تستطيع التصدّي للتخريب والفتن. وإذا كان صحيحاً أن تقدماً تحقّق على صعيد ما سمّي الربط المعلوماتي بين الأجهزة، فإن الصحيح في الوقت نفسه أن المطلوب ليس فقط تأمين "حضور أمني" سواء بالدوريات أو بالنقاط الثابتة، بل المطلوب "المبادرة". والمقصود بالمبادرة هنا، أنه لا يعقل أن أموراً كثيرة تحصل على الأرض اللبنانية، وإن "انتشاراً" متزايداً للمخابرات السورية يتمّ، وإن تحرّكات لجهات مرتبطة بدمشق تجري، ولا تحصل مداهمات على سبيل المثال.
لا شك أن لفريق 14 آذار ثقةً بالأجهزة الأمنية. ولا شك أن هذا الفريق يقدّر عالياً التزام الأجهزة الأمنية بـ"أسلوب" غير بوليسي في ظل رفض المسؤولين عن هذه الأجهزة اللجوء الى الممارسات التي كانت سائدة في زمن الوصاية السورية. لكن "شيئاً" من الحزم والرهبة والهيبة يجب أن يفرض.
إن لبنان اليوم يواجه حرباً مخابراتية ـ سياسية ضدّ استقراره وضدّ أمنه وضدّ عيش مواطنيه. لكن الحرب المخابراتية ـ السياسية هذه هي حرب على النظام السياسي في لبنان، لا بل على قواعد العمل السياسي الديموقراطي في البلد.
حماية النظام السياسي وقواعد الصراع
والجيش وسائر الأجهزة الأمنية مسؤولون بحسب الدستور وكل القوانين عن حماية النظام السياسي. وعندما يُقال حماية النظام السياسي، ليس المقصود حماية فئة سياسية في السلطة، مع أن هذه الفئة موجودة في السلطة بنتيجة عملية ديموقراطية ـ دستورية وشرعية، بل المقصود حماية الأساس الذي يقوم عليه النظام السياسي، أي التداول الطبيعي للسلطة، وحماية الوسائل الدستورية والقانونية لقيام السلطة وتغييرها، أي حماية الصراع السياسي السلميّ والديموقراطي.
الدور الوطني للجيش في الداخل وعلى الحدود
لقد أدّى الجيش خلال المرحلة الانتقالية بين نهاية الوصاية السورية وقيام حكومة الاستقلال الأولى بعد الوصاية، دوراً وطنياً كبيراً لا يزال موضع تقدير معظم اللبنانيين واعتزازهم. وسمح دور الجيش بانتقال سلمّي وديموقراطي من مرحلة إلى مرحلة، ورفض الاستجابة لشتّى الضغوط التي مورست على قيادته لإجهاض انتفاضة الاستقلال بالدماء. ويؤدي الجيش في هذه الأيام دوراً وطنياً كبيراً في الجنوب بعد أن "عاد" إلى هذه المنطقة للمرة الأولى منذ نحو أربعة عقود، لحماية الوطن وأهله.
كل ذلك حاضر في الذهن، وتكرار التنويه به مفيد جداً. والمؤسسة التي استطاعت أن تضع يدها على شبكة تخريبية لـ"الموساد" الإسرائيلي يجب أن تكون قادرة على وضع اليد على شبكات التخريب الأخرى. فأمن النظام السياسي هنا هو أمن البلد. ولا شكّ ان ما يشهده لبنان حالياً من أحداث أمنية وما يعدّ له من خطط تفجيرية، سيقود الجيش والأجهزة الأمنية كافة إلى خطوات رادعة للتخريب. ولا شك أيضاً ان المهمة في الداخل هي التتمة الطبيعية للمهمة على الحدود.
من حق اللبنانيين إذاً، ثقةً منهم بـ"سيادية" أجهزتهم الأمنية أن يتوقعوا منها جميعاً هيبةً ورهبةً وحزماً في مواجهة المجرمين، وأن يتوقعوا تعاوناً بينها لا تنافساً.. وهم يثقون بأن ذلك سيحصل. فأمن النظام هو أمن للجميع، وهو أمن ما يسمّى "اللعبة الديموقراطية". وصيغة لبنان هي نقيض الانقلابات.. والانقلابات فتنة أهلية بالتعريف.
شهران على "الأقل" سيكون الهاجس الأمني حاضراً خلالهما بقوة. النظام في سوريا يريد رأس المحكمة الدولية وسوف يقتُل للحصول عليه. لكنه إن حصل عليه لن يتوقف عن القتل بل سيزيده. لذلك فإن المحكمة الدولية هي الضمانة من القتلة والرادع لهم.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00