استطاع "حزب الله" في 22 أيلول الماضي أن ينظّم مهرجاناً يعتدّ به تحت مسمّى "النصر الإلهي". لكن الجنرال ميشال عون لم ينجح في 15 تشرين الأول في تنظيم مهرجان يعتدّ به فاستعان بـ"مخرج إلهي" لإلغائه.
قال الجنرال كلاماً تقنياً لتبرير إلغاء المهرجان، فتحدث عن انقطاع الكهرباء وعن تعطل آليات الصوت. ومع ذلك ليس هذا هو الأساس في "تقويم" ما قاله الجنرال.
بيان رئاسي محشو بعموميات
فبالنسبة إلى البيان الذي تلاه أمام الاحتفال "المنتقل" إلى الرابية، يمكن بداية تسجيل عدد من الملاحظات الرئيسية.
يمكن القول بادئ ذي بدء ان عون قدّم بيان ترشيحه إلى الرئاسة الأولى، من دون أن يعلن ذلك صراحة، متضمناً افكاراً عامة يستطيع "أي" مرشح رئاسي أن يتقدم بها.. أي لا جديد استثنائياً فيها. بيد ان السؤال الذي يُطرح هو الآتي: هل لم يكن عون مرشحاً رئاسياً قبل 15 تشرين الأول ليسارع إلى إعلان ترشيحه في هذا التاريخ؟. والسؤال الثاني الذي يليه هو ماذا كان الجنرال "يفعل" إذاً طيلة العام المنصرم ولماذا كل الاستعراضات و"الشقلبات" والعنتريات خلال هذه الفترة؟
غياب الطائف.. والمحكمة الدولية
على ان اللافت في البيان المحشوّ بأفكار عامة ليس فيها أي جديد، كان الحديث عن الدور السوري في لبنان بوصفه من الماضي في وقت لا يزال اللبنانيون يصارعون من أجل تثبيت استقلالهم "من" سوريا، وكان كذلك غياب الإشارة إلى أمرين رئيسيين. الأول هو اتفاق الطائف الذي كان ولا يزال يمثّل مرجعية العيش المشترك بين اللبنانيين، مما يدل على ان عون لا يزال على موقفه الرافض لهذا الاتفاق ـ التسوية ولا يزال يتحيّن الفرص للانقضاض على الطائف لا بل يعدّ للانقلاب عليه متى قدّر ان ميزان القوى يساعده على ذلك. أما الأمر الثاني الذي غابت الإشارة إليه فهو المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وسائر جرائم الاغتيال الاخرى. واللافت هنا ان عون استذكر واستحضر كل النقاط التي تبنّاها مؤتمر الحوار الوطني "السابق" ما عدا هذه النقطة. وهو تحدّث عن العلاقات الديبلوماسية مع سوريا وعن تثبيت لبنانية مزارع شبعا وترسيم كل الحدود اللبنانية ـ السورية وعن السلاح الفلسطيني.. لكنه اكتفى في هذه النقطة بالحديث عن "كشف الحقيقة" بالنسبة إلى كل الجرائم.
ان كثيرين ممن تابعوا خطاب عون أمس، علّقوا عليه بسؤال: ما هي الفروق بين هذا الخطاب وبرنامج الحكومة التي يدعو إلى إسقاطها طالما انه يستعيد مضامين برنامج الحكومة؟ هؤلاء ممن علّقوا موحين بأن لا فرق يذكر في هذا المجال، ليسوا مخطئين في اعتبار ان ليس في ما طرحه الجنرال أي مسوّغ لمطالبته بسقوط الحكومة بما انه يتبنى العناوين نفسها، إضافة إلى تأكيده على قرارات الشرعية الدولية ووحدة الدولة ومرجعية الدولة. لكن غياب الإشارة إلى المحكمة الدولية، إذا اعتُبر غياب الإشارة إلى اتفاق الطائف "طبيعياً" بالنسبة إلى من كان في الأصل ضدّ هذا الاتفاق، يُعتبر إسقاطاً لبند أساسي تحقق حوله إجماع سابقاً.. الأمر الذي يطرح أكثر من علامة استفهام حول الأسباب الكامنة وراء اعتراضاته على قيام محكمة دولية، إذا رُبط إسقاطه الإشارة إلى هذا الموضوع بحديثه التلفزيوني الأخير عندما اعترض على قيامها قبل انتهاء التحقيق، بالرغم من معرفته ان نتائج التحقيق الدولي يجب أن تحال عليها.
حكومة فانتخابات فرئاسة
لكن الأهم في ما قاله عون أمس، يتعلق بـ"خارطة الطريق" التي رسمها للوضع السياسي الداخلي.
في هذا المجال، طالب عون بقيام "حكومة اتحاد وطني" تقرّ قانون انتخاب جديداً، ثم بانتخابات نيابية مبكّرة تنتج مجلساً نيابياً يقوم بانتخاب رئيس جديد للجمهورية.
لا شك ان "خارطة الطريق" هذه تكشف الهدف من وراء المطالبة بما يسمّى "حكومة وحدة وطنية". ليست "حكومة الوحدة" المطروحة، بهدف تحقيق "المشاركة"، ولا بهدف الاشتراك في "القرارات الكبرى" كما كان تحالف "حزب الله" وعون يكرّر منذ فترة. ان الحكومة المقترحة، هي إذاً حكومة انتقالية تشرف على انتخابات مبكّرة بقانون جديد لينتخب المجلس المنبثق عنها رئيس الجمهورية. ولا مجال للشكّ في ان الحكومة الانتقالية المطروحة تحت مسمّى "الوحدة الوطنية"، هي الخطوة الأولى في مسار تغيير السلطة قبل الأوان الدستوري الديموقراطي، إغراقاً للبنان في استحقاق داهم "يلهيه" عن استحقاقات كبرى. ولا مجال للشكّ تالياً في ان الحكومة الانتقالية المطروحة هي بأفق تعطيل ليس المسار الديموقراطي الدستوري وحسب، بل تعطيل إمكانية تسوية متكاملة بين الفرقاء في أفق منظور.
ماذا يقول "حزب الله" بخارطة حليفه؟
هل ثمة "اختلاف" بين عون و"حزب الله" في هذا الموضوع؟
في الظاهر "المباشر"، يبدو بالفعل ان ثمة إختلافاً، لان "حزب الله" يتناول ما يسمّيه "حكومة الوحدة" في سياق سياسي آخر. حتى في الفترة التي تبنّى "حزب الله" فيها شعار الانتخابات النيابية المبكرة، كان يطرح الانتخابات المبكرة بديلاً من "حكومة الوحدة الوطنية"، إذا تعذّر التوافق على قيامها. وكثيرون يتذكرون ان الأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله، في كانون الأول من العام الماضي، أثناء الاعتكاف الشهير لوزراء الحزب و"أمل" على خلفية الموقف من المحكمة الدولية وتوسيع صلاحياتها بعد جريمة اغتيال النائب الشهيد جبران تويني، "خيّر" الأكثرية آنذاك بين القبول بحكومة "وحدة" والقبول بانتخابات مبكرة.. وذلك قبل الحوار الذي دعا إليه الرئيس نبيه بري في الثاني من آذار الماضي. وآنذاك أيضاً يتذكر كثيرون ان السيد نصرالله عندما لم يتوصل المتحاورون إلى اتفاق بشأن رئاسة الجمهورية، طرح بقاء الحال على ما هي عليه، أي الحكومة والرئيس معاً إلى حين موعد الانتخابات الرئاسية. وخلال كل المرحلة المنصرمة، تجنّب "حزب الله" الحديث عن "إسقاط" الحكومة حتى في لحظات اقتراب خطابه من التعبئة حول إسقاط الحكومة.
لذلك، فإن السؤال موجه إلى "حزب الله" بعد خطاب الجنرال عون: هل هو "اجتهاده" الشخصي أم انه مكلّف بكشف القطبة المخفيّة أم ماذا؟
14 آذار: رئاسة فحكومة فانتخابات
يُطرح هذا السؤال بالعلاقة مع أمرين اثنين رئيسيين:
الأول هو ان لفريق 14 آذار "خارطة طريق" مختلفة تبدأ برئاسة الجمهورية ولا تنتهي بها كخارطة عون. فحركة 14 آذار تعتبر ان البداية هي انتخاب رئيس للجمهورية الآن ومن دون إبطاء، تماماً لأن الرئيس الحالي إميل لحود هو المعلَم الوحيد في السلطة المتبقيّ من مرحلة الوصاية السورية، ولأن الويلات على لبنان جرّها التمديد السوري القسري له، ولأن بقاءه يعطّل الدور المسيحي في الشراكة الوطنية، ولأن الالتزام بالشرعيتين الدستورية اللبنانية، والدولية، يفترض تنحيته عن الموقع الأول في السلطة. وعليه، فإن "خارطة طريق" الرابع عشر من آذار هي: رئيس جديد فحكومة فانتخابات.
برّي وفكرة التسوية
أما الثاني فهو ان الرئيس برّي في صدد مبادرة أبدى تفاؤلاً نسبياً بشأنها. ولمّا كان "الحد الأقصى" المنطقي لهذه المبادرة هو تسوية حول رئاسة الجمهورية والحكومة معاً، وحدّها "الأدنى" تفكيك التشنّج السياسي، فإن "خارطة الطريق" العونية، خاصة إذا كانت مدعومة من "حزب الله"، انما تقطع الطريق على مبادرة برّي.
ان "خارطة طريق" حركة 14 آذار يمكن أن تلتقي في لحظة مناسبة مع مشروع تسوية "قد" يكون برّي في صدد تحضيره. صحيح ان رئاسة الجمهورية هي أولوية الحركة الاستقلالية اللبنانية، لكنها في لحظة معينة "قد" توافق على سلة متكاملة إذا كانت لهذه "السلّة" ضمانات على غير صعيد. في المقابل، فإن "خارطة الطريق" الأخرى ليس فقط تتناقض في الأولويات، لكنها على النقيض مباشرة من فكرة التسوية وتحمل معنى انقلابياً مباشراً.
هكذا إذاً، يقفل شهر رمضان المبارك ـ الذي لم ينتهِ بعد ـ على مشروعين سياسيين متناقضين في العديد من المضامين، تعبّر عن تناقضهما خارطتا طريق مختلفتان.
لا اكتشاف في القول ان مهمة الرئيس برّي الحوارية بعد رمضان ستكون "شاقة"، بالضبط لان التقريب بين أولويات متعارضة عملية شاقة في حدّ ذاتها، لكن لا أمل غيرها في "الميدان".
نصيحة أسديت للجنرال
وتبقى مسألة أخيرة. فقد توقّف المراقبون أمس عند "الهدوء الشكلي" في خطاب الجنرال. وتبيّن للمراقبين ان وراء هذا الهدوء نصيحة أسديت إلى عون من مقرّبين جداً، مفادها ان اطلالاتك الإعلامية الأخيرة كانت "كارثية" ولا بدّ من تغيير "أسلوب" الخطاب. لكن ثمة من رأى ان الناصحين لفتوه إلى ان كافة القوى المتخاصمة في صدد تهدئة فلماذا تكون يا جنرال التصادميّ الوحيد؟ وبهذا المعنى، يُسجل للرئيس بري "فضل" غير مباشر هنا، لجهة تعميمه مناخ تهدئة.. وتفاؤل بعيديّة "ما" في الفطر السعيد.
لكن.. ورد في خطاب عون تحميله الحكومة مسؤولية ما "قد يحصل" من أحداث. هل هذا صدفة في يوم التفجير الامني بواسطة قذائف "الانيرغا" في وسط بيروت؟ وهل انخفاض "اللهجة" يتزامن مع توتير امنيّ سوريّ يريد الجنرال تحميله للحكومة؟!.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.