وعد الرئيس نبيه بري اللبنانيين بـ"عيديّة" في عيد الفطر. كاد كلامه يصبح "أحجية". لكنه أسلوب الرجل الساعي إلى إعطاء جرعة من التفاؤل بعد الاحتقان الكبير الذي إن دلّ على شيء فعلى المأزق السياسيّ من هنا وهناك.
الكلمات المتقاطعة وخارطة المعادلات
بيد أن قراءة متمعّنة في الكلمات السياسية المتقاطعة من ناحية وفي الخارطة التي وضعها رئيس المجلس امام الجميع من ناحية ثانية، تسمح باستنتاج ما يمكن أن ينتظره اللبنانيون بحلول نهاية شهر رمضان المبارك.
قال الرئيس بري في الأيام الماضية كلاماً واضحاً. فهو إذ لفت إلى أن أحداً لا يمكنه أن يكون في المبدأ ضدّ قيام "حكومة وحدة وطنية"، فإنه شدد في المقابل على أن هكذا حكومة كي تقوم بالفعل يلزمها توافق، وكي يتحقق التوافق لا بد أن يحصل حوار. وعندما يُفتح الحوار، أي عندما يتم الاتفاق على حصوله، فإن كل العناوين، لا سيما الرئيسيّة منها تكون مطروحة.
كلام بري الواضح شرحه بنفسه بالقول أنه لا يمكن الإقدام على خطوة في المجهول، أي لا تغيير للحكومة القائمة ولا إسقاط لها قبل الاتفاق على التشكيلة الحكوميّة البديلة لئلا يقع الفراغ الدستوري. غير أنّ هذه الخارطة ـ المعادلة التي وضعها بري، تعني بالنسبة إليه "شخصياً" أن لا استعداد لديه لمسايرة أي تصعيد ضد الحكومة، أي أن لا استعداد لديه لسحب الوزراء الذين يمثلونه في الحكومة منها.
ملف رئاسة الجمهورية مفتوح
بالاستنتاج إذاً، يمكن القول أن الخارطة ـ المعادلة أو خارطة المعادلات التي رسمها الرئيس بري ليست فقط ترجمة لما يكرره دائماً من أن كل شيء محكوم بالتوافق، وهذا ما جعله في الأصل يدعو إلى مؤتمر الحوار الوطني في آذار الماضي، بل إنّ أهمية هذه الخارطة تكمن في حقيقة أنها تضع الجميع أمام تحدي استئناف الحوار، وأن هذا الحوار محكوم بأن يكون مفتوحاً. بمعنى آخر، إذا كان المطالبون بما يسمى "حكومة وحدة وطنية" يطرحونها بوصفها مدخلاً إلى إعادة تشكيل السلطة، فإنها ليست المدخل الوحيد، لأن ثمة مدخلاً آخر هو رئاسة الجمهورية التي كانت في الأصل البند الرئيسي على طاولة الحوار "السابق" بعد أن تم تعريف أزمة الرئاسة على أنها عنوان أزمة الحكم.
فإذا كانت "حكومة الوحدة الوطنية" هي الأولوية بالنسبة إلى تحالف "حزب الله" والعماد ميشال عون ومجمل الفريق السوري، وإذا كانت رئاسة الجمهوريّة هي الأولوية بالنسبة إلى حركة 14 آذار في المقابل، فإن المسألتين مترابطتان بالنسبة إلى الرئيس بري على ما يبدو. وبكلام آخر، يبدو أن بري ـ حتى من دون أن يقول ـ يطرح فكرة تسوية متكاملة: رئاسة الجمهورية ـ حكومة وحدة وطنية ـ قانون انتخاب.
أفق التسوية مسدود خارجياً
في ضوء هذا التقدير بـ"الاستنتاج"، ومن خلال تحليل كلمات بري المتقاطعة، ومن متابعة "حركته"، فإن السؤال الذي يطرح بقوة هو الآتي: هل ثمة أفق الآن لتسوية من هذا القبيل؟
في الإجابة عن هذا السؤال، وبعد الإشارة إلى ان هكذا تسوية يمكن ان تكون مقبولة نظرياً في خطوطها العريضة، وبعد التأكيد على أن حلَّ أيِّ صراعٍ سياسيٍ سلمياً يكون بإحدى وسيلتين، إما القاعدة الديموقراطية وإما التسوية.. لا بدّ من القول أن فرصة نجاح هكذا تسوية مرتبطة بالوضع الإقليمي.
إن "تسهيل" تسوية من هذا النوع يتوقف على دمشق من جهة وعلى طهران من جهة أخرى، باعتبار علاقات التحالف بينهما وبين قوى محلية لا سيما "حزب الله".
دمشق وطهران وبينهما التجربة الكورية
يستحيل ضمن المعطيات الراهنة إقليمياً ودولياً الظن بأن النظام السوريّ سيسهّل. فعين هذا النظام على المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، إذ يعتبر المحكمة هذه استحقاقاً وجودياً له، وثمة من المراقبين مَنْ يلفت إلى انه ينتظر لمعرفة "المستوى" من النظام الذي سيتم اتهامه بالجريمة، انطلاقاً من تسليمه بأن التحقيق الدولي إذ يتركز في الدائرة السورية سوف يتهم النظام في نهاية المطاف.
ويستحيل أيضاً ضمن المعطيات الراهنة إقليمياً ودولياً الظن بأن علاقة الجمهورية الإسلامية بالمجتمع الدولي، في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني وغيره من الملفات سوف تسلك دروب التسوية، والعلاقة الآن هي أصلاً في ذروة التأزم.
ومن نافل القول إن النظامَين في دمشق وطهران يحسبان الحدث النووي الكوري الشمالي في رصيدهما، ويضيفانه إلى ما يسميانه "المأزق الأميركي" في غير مكان من العالم، ويستقويان به.
إذاً، وسط المعطيات الاقليمية والدولية القائمة الآن ـ أو حتى الآن ـ يستحيل تقدير أن ثمة فرصة لتسوية متكاملة "مضمونة" في لبنان، أي "محمية" بظروف مؤاتية إقليمياً ودولياً. فبين النظام السوري المتوتر من المحكمة الدولية والمراهن على "مأزق أميركي" وبين النظام الإيراني الذي أتته التجربة النووية الكورية من "غائب علمه" لتشرع المسألة النووية على مصراعيها وبين الولايات المتحدة التي "آلمتها" هذه التجربة جداً.. من الواضح ان الظرف الخارجي لا يلائم الوضع اللبناني الداخلي في المباشر.
وإلى ذلك كله تضاف حقيقة أن علاقة النظام السوري بالوضع العربي دولاً وأنظمة في أوجّ تأزّمها بسبب النظام وسياساته. ومن شأن أي تحرك عربي أن يصطدم بهذه المشكلة الجوهرية.
المملكة السعودية ضمانة
إذاً، يعرف الرئيس بري هذه المعطيات كافة ولعله يعرف ما هو أكثر منها. وهو عندما توجه إلى المملكة العربية السعودية للقاء خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز وقادة المملكة الآخرين، كانت هذه المعطيات جميعها في خلفية تحركه. ومع ذلك ذهب وحاور، في محاولة تأمين "حل عربي" أو رعاية عربية ـ سعودية انطلاقاً ـ للحل في لبنان. لكن "الحل العربي" يقف عند ا لعقدة السورية. ومن الواضح أن المملكة بادلت بري ثقته بها وبدورها ليس فقط عبر الاستقبال "الملوكي" الذي خصّته به، لكن عبر تأييدها مساعيه الحوارية والوفاقية في لبنان، وعبر إبداء كل الاستعداد للمساعدة "في" لبنان. ذلك ان للمملكة علاقات بجميع الأطراف في لبنان وإن كانت "متفاوتة" من طرف إلى آخر، وسفيرها في بيروت يقيم علاقات لم تنقطع مع الجميع.. وإلى كل هذا يضاف أن معظم الفرقاء يعتبرون المملكة ضمانة عربية، لا بل يعتبرون أنه إذا كان لا بد من ضمانة لأي حوار فإن الضمانة السعودية هي الأساس.
وغنيٌّ عن القول أن استعانة الرئيس بري بالمملكة في محلها تماماً، لا سيما أن لها دوراً مميزاً على صعيد تهدئة الأجواء المتشنجة، في الساحة الإسلامية خصوصاً. لكن السؤال بعد ذلك هو: ما الذي يمكن توقّعه من حركة بري.. بعد عيد الفطر؟
توقعات العيدية بين الحدّين الأقصى والأدنى
في ظروف كالتي تم استعراضها، وبعد أن بلغ الاحتقان الداخلي حداً أقصى، من الخطأ المبالغة في التوقعات، أي المبالغة في رفع سقف التوقعات، ففي ذلك وضعٌ لتحرك بري في "عين العاصفة".
"الحد الأقصى" هو التسوية المتكاملة التي تمت الإشارة إليها سابقاً. بيد أن الرئيس بري العاقل والمحنّك، يستحيل أن يكون، في كلامه عن عيدية الفطر، في صدد الوعد بـ"هذه" التسوية، تماماً لأنه يعرف ما يحيط بإمكان إنتاجها من ظروف.
يبقى الحد الأدنى، أدنى من التسوية لكنه مهم. وهذا الحد الأدنى في وقت لا يستطيع بري أن يضمن أحداً محلياً وخارجياً ولا أن يأخذ "في صدره" مهمة تبدو أشبه بالاستحالة، هي تعزيز التهدئة الداخلية، لأنه هنا يستطيع أن يخاطب فريقَي الصراع بالقول لكل واحد منهما أنك بدون التفاهم مع الآخر أمام حائط مسدود. وتعزيز التهدئة مهم لأنه يسحب الفتيل من الشارع. وبما أن تعزيز التهدئة يتطلب حواراً، ففي متناول بري تنظيم حوارات، ثنائية أو ثلاثية.
لذلك، فعلى الأرجح أن "العيدية" هي احتمال حوار أو أكثر تعزيزاً لمسار فك التشنجات الداخلية. هذا ما يبدو محتملاً وإن كان كثيرون يريدون لتحرك رئيس المجلس أن يبلغ ذرىً أكثر ارتفاعاً.
ليست "برازق"
ومع ذلك، أي بالرغم من أن الحد الأدنى المشار إليه يبدو حداً أقصى، فإن العديد من المتابعين يلفتون إلى انه إذا تحقق بالفعل، أي إذا تكرس، فإن من نتائجه "الطيبة" أن يجعل لبنان يواكب مرحلة الترقّب والانتظار الإقليمية بهدوء... وبلا توترات قصوى. وهؤلاء يستبعدون أن تكون العيدية "برازق"، أي ذلك التلويح بزيارة مشتركة للرئيسين بري وفؤاد السنيورة إلى دمشق، لأن ظروف وجود رئيس الحكومة في العاصمة السورية غير ناضجة بالعلاقة مع المعطيات التي سبق تقديمها.
عيديات بري: التشكيلات الديبلوماسية
والمجلس الدستوري
على أي حال، وفي انتظار "العيدية"، وفي مجال التأكيد على أهمية الدور الذي يضطلع به الرئيس بري، لا بد من الإشارة إلى "عيديات" أخرى أعطاها للبلد أو أنّه في صدد إعطائها له.
فالتزاماً منه بالخارطة ـ المعادلة أو بخارطة المعادلات، حيث يؤكد بري على رفض الفراغ الحكومي وعلى عدم توقف الدولة عن أداء وظائفها، لا مبالغة في القول أن التشكيلات الديبلوماسية التي أقرها مجلس الوزراء أول من أمس هي بالفعل عيدية من بري الذي يُجمع العارفون على أنه لولا دوره لما أبصرت هذه التشكيلات النور، حيث إن موافقته عليها ودفعه بها أسقطا من يد رئيس الجمهورية إمكان التعطيل.
ويبدو أن ثمة "عيدية" أخرى على الأبواب، تتعلق بالمجلس الدستوري في ظل التقدم على طريق الانتهاء من الاستماع إلى المرشحين لعضويته، بحيث يصير للبنان مجلس دستوري قريباً.
هاتان "العيديتان" تضافان إلى الإسهام الكبير لبري في الدفع باتجاه حضور "الدولة" في كل المجالات، في إعادة إعمار الجنوب وكل المناطق وبالنسبة إلى مؤتمر دعم لبنان اقتصادياً.
إن بعد رمضان لناظره قريب ولا يسع "المؤمنين" ـ بالحياة و"ثقافتها" ـ إلا الصبر القليل والجميل.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.