غنيّ عن القول أن لا علاقة بين ذكرى 13 تشرين الأول والمهرجان الذي يقيمه الجنرال ميشال عون الأحد المقبل سوى الموعد نفسه. فقد تكفّل كثيرون بفضح انقلاب الجنرال على تاريخه عبر تحالفه مع جماعات النظام السوري الذي تولّى في 13 تشرين الأول 1990 إخراجه من بعبدا عندما أعلن آنذاك استسلامه للعماد إميل لحود. وتكفّل كثيرون أيضاً بـ"استهجان" دعوته أتباع هذا النظام إلى المشاركة في المناسبة، لا بل "رجاءه" لهم أن يحشدوا لهذا المهرجان.
محاولة إثبات "الطعمة" للحلفاء
هذا وجه من وجوه "تراجيديا" الجنرال. بيدَ أن لهذه "التراجيديا" وجوهاً أخرى.
ثمّة تحالفٌ سياسي بين عون و"حزب الله". ولا يخفى على أحد أن "حزب الله" هو الطرف الأقوى في هذا التحالف. و"المشروع السياسي" الذي يقوده الحزب تحت عنوان ما يُسمّى "حكومة الوحدة الوطنية" يعتمد على قوّته بالدرجة الأولى، أي أنه يستند إلى نتائج حرب تموز التي يرى فيها الحزب انتصاراً يؤسس عليه للمطالبة بتغيير التوازن السياسي في الداخل. بيدَ أن "حزب الله" وعلى الرغم من قوّته الذاتية أعطى "حجّة" لمطالبته بما يسمى "حكومة الوحدة"، هي ضرورة مشاركة عون في الحكومة على أساس أنه "الممثّل الأكبر" للمسيحيين.
عون مُحرج إذاً. هو مضطرّ إلى إثبات أنه متكافئ مع "حزب الله" في إطار التحالف، وهو مضطرّ إلى إثبات "الجدارة" التي تجعل المطالبة بإشراكه في السلطة مطالبةً جديّة. هو مضطرّ إذاً إلى إثبات أنه موجود بالفعل. وهو مضطرّ أخيراً إلى البرهنة على أنه لا تزال له "طعمة".. وإلاّ فإن أشياء كثيرة تتغيّر.
تحدّي مهرجان حريصا
لا شك أن هذه المهمة شديدة الصعوبة بالنسبة إلى رئيس "التيّار الوطني الحرّ" الذي شهدت شعبيّته تراجعاً مروّعاً في الأشهر الماضية على خلفيّة سياساته وتحالفاته.
غير أن هذه المهمة هي اليوم أكثر صعوبةً، خصوصاً في مهرجان يراد له أن يتنكّر لـ"أصل" المناسبة. ومصدرُ الصعوبة المضاعفة إثنان. الأول هو أنه يأتي بعدَ مهرجان حريصا الذي دعت إليه "القوات اللبنانية" ونظّمته قبل نحو أسبوعين وشهد احتشاداً جماهيرياً مسيحياً استثنائياً أتى يظهّر انتقال الرأي العام المسيحي من ضفّة إلى أخرى، ويظهّر حقيقة أن المزاج المسيحي لا يزال مزاجاً استقلالياً وسيادياً و"دولتيّاً".
بكركي المتمسّكة بالحكومة
من أجل المحكمة الدولية
بيدَ أن المصدر الثاني للصعوبة المضاعفة أمام عون، وهو الأهم، هو أن مهرجان الأحد المقبل يأتي بعد البيان الأخير لمجلس المطارنة الموارنة أوائل الشهر الجاري، والذي أتى هو نفسه في سياق تراكمي بعد مقررات المجمع الماروني و"النداء السابع".
في البيان الأخير، سدّدت الكنيسة المارونية ضربة مباشرة إلى المشروع السياسي المتمثّل بالمطالبة بقيام "حكومة وحدة وطنية". وإذ اشتبهت بوجود نوايا لتعطيل المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وفي سائر جرائم الاغتيال الأخرى، رفضت المطالبة بتغيير الحكومة القائمة. وكانت الكنيسة في "النداء السابع" حدّدت مصدر الخلل في الدور المسيحي ضمن الشراكة الوطنية، على أنه الواقع الراهن لرئاسة الجمهورية، كما كانت عبر مقرّرات المجمع الماروني رسمت الاستراتيجية المسيحية في الإطار اللبناني العام، بما هي استراتيجية الشراكة في إطار اتفاق الطائف والدولة المدنية.
المسافة بين الكنيسة
ومتهمين مسيحيين محتملين
على أن المعنى "الأعمق" للبيان الأخير لمجلس المطارنة، إذ يتمسّك بالحكومة الحالية وبالمحكمة الدولية، هو أن الكنيسة المارونية وعلى رأسها البطريرك نصرالله بطرس صفير، إنما تعلن أخذ مسافة عمّن يمكن أن يكون متهماً بشكل أو بآخر من "مسيحيّي سوريا" بنتيجة التحقيق الدولي.. وتعلن مسبقاً رفض تغطية مرتكبين إذا كانوا مسيحيين، لأنهم في هذه الحالة ليسوا مسيحيين بل سوريين سياسياً.
إن "وقوع" مهرجان الجنرال بعدَ تحدّيين، جماهيري في حريصا، وسياسي ـ وطني في بيان مجلس المطارنة، يجعل مهمّته معقّدة إن لم تكن مستحيلة.
لماذا غضب عون من بيان المطارنة؟
إثبات الوجود و"الطعمة" هدف أول من المهرجان. فهل يتجرأ عون في الرد على الكنيسة ورأسها البطريرك كهدف آخر؟
المؤكد في هذا المجال، هو أن "سياسة" الجنرال تمثل النقيض من "سياسة" الكنيسة. وقد أبدى عون انزعاجه الكبير من مواقف بكركي على مدى الشهور المنصرمة. و"ثار" حيال البيان الأخير متهماً بكركي بما سماه "الانزلاق" إلى مواقف مؤسسة على "شائعات كاذبة".
لماذا غضب عون؟
ليس خافياً أن "مسيحيّي النظام السوري" استظلّوا بالجنرال بعد عودته من باريس قبل عام ونصف العام وبعد الانسحاب السوري من لبنان. وهو غطّاهم وتحالف معهم وأعطاهم حكم البراءة. صار "مسيحيّو النظام السوري" كلهم عوينيين. ومن الواضح أن الموقف المرتبك والذي يقارب السلبية حيال المحكمة الدولية، له علاقة بمحاولته "إنقاذ" هؤلاء الحلفاء.
هو ـ أي عون ـ محشور بين عدم قدرته على التراجع عن السياسة التي اعتمدها وتورط فيها واضطراره إلى عدم إغضابهم من جهة، وبين ما هو مطلوب منه تغطية وإنقاذاً لهم من جهة أخرى. وهكذا بدلاً من أن يكون دائناً لهم أصبح مديناً. كان دائناً لهم عندما كان في أوجه في مرحلة "التسونامي" وصار مديناً عندما بات بحاجة إلى تجميعهم لـ"يعوض" ما خسره من جمهوره "الحقيقي".
غضب عون من بيان المطارنة إذاً، بالضبط لأن البيان كشف الصلة بين المطالبة بإطاحة الحكومة ونوايا تعويق المحكمة الدولية، في لحظة استعداده للقيام بـ"المحاولة الأخيرة" لإنقاذ "مسيحيّي سوريا".
حليفه "حزب الله" لا يواجه هذه المشكلة المباشرة. صحيح أن الحزب هو رأس حربة مشروع تغيير الحكومة، لكنه بالنسبة إلى المحكمة الدولية حتى لو كانت لديه تحفظات أو اعتراضات، "قد" يراعي الحساسية الشيعية ـ السنية. أما هو فـ"محكوم" بحمل أوزار هذه المسألة، وهو في الأصل في صدد معركة طائفية من أساسها. وبالإضافة إلى ذلك، لا شك ان عون يخشى في حال أظهرت نتائج التحقيق الدولي أن من بين حلفائه متهمين، أن تصيبه "الشظايا".
تأسيساً على كل ما تقدم، فإن السياق الذي يقام مهرجان الأحد من ضمنه يجعل منه مهرجاناً موجهاً ضد بكركي بامتياز. فبكركي قصمت ظهر "الخط العوني"، وأعادت مواقفها التوازن إلى الحركة الاستقلالية اللبنانية.
المعركة مع الكنيسة .. مزيد من المآزق
لكن أن يكون المهرجان موجهاً ضد بكركي لا يحل مشكلة الجنرال.
فهو لا شك يعرف، أو ربما ينوجد من يقول له إن المعركة مع بكركي مكلفة جداً، وإن هذه المعركة ستضاعف مأزقه. فالمعركة مع البطريرك اليوم غيرها في العام 1989 عندما كان الجنرال "ملهِماً" للتطرّف ضد التسويات الوطنية، فيما كان البطريرك بحكمته وعقله يدرك ان تعطيل التسويات سيؤدي إلى فتح أبواب الوصاية السورية على لبنان وهذا ما حصل بالفعل. ربما لم يكن عون مدركاً آنذاك لخطورة الموقف الذي اتخذه من اتفاق الطائف وقد تكون شهوة السلطة أعمت البصيرة.. وكان لا يزال في بداية تجربته في العمل السياسي. لكنه اليوم، يُفترض أنه مجرب وإن كانت شهوة السلطة لا تزال هي هي. وإضافة إلى ذلك، فإن البطريرك أعطاه في العام 2005 فرصة إثبات جدارته في القيادة بشكل مجرد عن "الأنانية"، لكنه فشل في الاختبار وأعاق تحقيق الاستقلال اللبناني التام، وأدت سياسته إلى إطالة أمد المرحلة الانتقالية وإلى إعادة إدخال النظام السوري إلى المعادلة الداخلية شريكاً مضارباً.
يعرف الجنرال إذاً أو ربما ينوجد من يقول له ان المعركة مع بكركي ستكون إسقاطاً له في مأزق محكم الإغلاق.
المأزق "المغلق"
ما "المأزق" بالتعريف؟
عندما لا يستطيع السياسي التقدم ولا يستطيع التراجع فـ"يتآكل" في مكانه.
هذه هي حال الجنرال في هذه الأيام. فهوَ إن تقدّم في السياسة التي يعتمدها، ليس فقط تزداد خسائره في البيئة المسيحية، بل يغدو بلا "طعمة" بالنسبة إلى "حلفائه الجدد" الذين كلّما سعوا إلى "مساعدته" ازدادت خسائره. وإن هو تراجع، أي إن هو أعاد الحسابات لا يعود له الموقع الذي كان يريده لنفسه دائماً. هذا إن كان يستطيع إعادة الحساب أصلاً، بعدَ أن "ارتبط" باتفاقات تحت الطاولة مع أكثر من جهة، وقد بدأ "الارتباط" بـ"الاضطرار" ربّما لكن ارتباطه غدا خياراً.
"التراجيديا"
وهنا، عودٌ على بدء.. إلى "تراجيديا" الجنرال.
لا مكسب سياسياً يجنيه في موقعه الحالي، في الموقع السياسي السوري. فهو ليس أصيلاً فيه وهو يعمل لحساب غيره ويستفيد غيره. وتراجعه إن كان يستطيع أفضل بطبيعة الحال لكنه خسر الكثير. قرارُه صعب جداً.
وعلى الأرجح، فإن الجنرال طالما أنه لا تزال لديه "خرطوشة" في "بيت النار"، سيحاول إطلاقها. ومهرجان الأحد هو هذه "الخرطوشة"، وهو المحاولة الأخيرة لإنقاذ حلفائه، خصوصاً "مسيحيّي النظام السوري" من موضوع المحكمة الدولية. ذلك هو "تكليفه" على ما يبدو.. أما "حكومة الوحدة" فعلى عاتق غيره. محاولة "تبييض" صفحة الحلفاء عليه.. والباقي على الأقدر منه إن استطاع إلى ذلك سبيلاً.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.