على هامش الزيارة التي قام بها الرئيس نبيه بري إلى المملكة العربية السعودية وبالعلاقة معها، كان نقاش في عدد من الأوساط السياسية في الأيام الماضية حول ما إذا كان ثمة أفق بالفعل لـ"تسوية" سياسية تجنّب لبنان "الانفجار".
بري يفتش عن التسوية في الخارج
انطلق النقاش بداية من اعتبار ان الرئيس بري ساعٍ من دون شك إلى "تسوية"، وانه "يستطلع" فرصها وإمكاناتها في الظروف القائمة عربياً ودولياً كي يستطيع في ضوء هذا "الاستطلاع" تحريك مبادرة داخلية ما أو ليستنتج ان مبادرة نحو "تسوية" معينة غير قابلة للحياة.
ذلك انه، تأسيساً على المعطيات الداخلية القائمة، من الواضح حتى الآن أن لا أفق مفتوحاً أمام تسويات ينتجها حوار لبناني ـ لبناني، طالما ان مجال استئناف الحوار نفسه في المدى المنظور مغلق أصلاً. وبهذا المعنى، يقرأ الوسط السياسي تحرك بري خارجياً، لا سيما باتجاه المملكة على انه محاولة بحث عن إمكان أن تكون المعطيات والمعادلات العربية والإقليمية أفضل بما يتيح التأثير على المعادلات الداخلية.
في هذا الإطار الذي من ضمنه يُقرأ تحرك بري، وهو التحرك الذي من المنطقي أن يقوده إلى دمشق في نهاية المطاف، يمكن تسجيل عددٍ من الملاحظات والمعطيات الرئيسية.
الوضع العربي والنظام السوري.. لا يلتقيان
لا شك أولاً ان العلاقات السورية ـ العربية في ذروة تأزمها. والنظام السوري هو من دفع هذه العلاقات إلى ذروة التأزم تدريجاً خلال العامين المنصرمين، وصولاً إلى إخراج نفسه عملياً من المنظومة العربية الرسمية في الآونة الأخيرة بالمواقف التي أعلنها قبل حرب تموز وبعدها من الدول العربية وأنظمتها. فقد أُعطي نظام بشار الأسد منذ العام 2004، لكن منذ العام 2005 تحديداً مجموعة من الفرص العربية لـ"تسوية" علاقته مع الوضع العربي، ولتصحيح علاقته بالمجتمع الدولي، ولتصويب مسار علاقته بلبنان. وكان الموقف العربي ، في محصّلته الرسمية واضحاً في رفض أي ذهاب غربي نحو إسقاط نظام الأسد، على أساس أن يعود فينخرط ضمن المنظومة العربية وفي الأسرة الدولية محترماً قراراتهما. لكنه رفض وتمادى في الرفض مستقوياً بعلاقته بطهران من جهة وبإمكانات "التخريب" عراقياً وفلسطينياً ولبنانياً من جهة أخرى.
وإذا كان صحيحاً ان الرئيس المصري حسني مبارك، بالرغم من تعرضه لهجمات الأسد، جدّد قبل أيام حرص مصر على سوريا واستقرارها، وأعلن ان مصالح سوريا يجب ألا تمسّ، فإن الأصح هو ان كلام مبارك كان بمثابة "النُصح الأخير" لنظام الأسد بأن يعود إلى "رشده" وبأن ينتبه إلى حقيقة ان الفرص لم تعد مفتوحة أمامه.
والحال ان المملكة العربية السعودية ومصر، هما الدولتان العربيتان اللتان دخلتا على خط الأزمة اللبنانية ـ السورية في محاولة لـ"معالجتها" والوصول بها إلى تسوية تحفظ للبنان استقلاله وسيادته وحرية قراره، وتؤسس لمرحلة جديدة من العلاقة اللبنانية ـ السورية. والحال أيضاً ان هاتين الدولتين ارتكزتا في مساعيهما على ما توصل إليه مؤتمر الحوار اللبناني من إجماع حول بنود العلاقة بين لبنان وسوريا، لكنهما جُبهتا بتعنّت سوري.
المحكمة الدولية.. لحظة "وجودية" للأسد
هذه المعطيات ليست من الماضي البعيد. هي معطيات لا تزال قائمة اليوم، في مرحلة يدافع فيها الأسد عن نظامه، عن وجود هذا النظام.
ليس خافياً على أحد في هذا المجال ان النظام السوري يعيش حالياً أياماً قلقة. وهو يتعامل مع موضوع المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري باعتبار هذه المحكمة المدخل إلى طرح مصيره على بساط البحث. المسألة مسألة شهور قليلة، ويقول التحقيق الدولي كلمته في الجريمة ويسمّي متهمين فيها. وإذا كان ثمة من ينتظر "اليقين" القضائي، فإن النظام السوري يعرف ان له علاقة كبيرة باغتيال الرئيس الحريري، ويعرف ان تسمية متهمين سوريين ستقود إلى طرح مصيره.
وعلاوة على كل ذلك، يعرف نظام الأسد أن لا تسوية في التحقيق الدولي وأن لا تسوية على حساب التحقيق. ويعرف أكثر من ذلك كلّه أن لا أفق مفتوحاً أمام تسوية بينه وبين المجتمع الدولي. ذلك ان المجتمع الدولي، بمواقفه وقراراته، أكد غير مرة انه لن يفاوض النظام في دمشق "على" القرارات الدولية، وأكد انّ على النظام في سوريا أن ينفّذ القرارات الدولية كافة.
في مثل هذه الظروف، يقول "المنطق" ان نظاماً يعيش لحظة "وجودية" ويرى نفسه معزولاً، لا يكون منفتحاً عادة، خاصة عندما يكون "متهماً". هو مستعد للتفاوض وللتسوية إذا زال "التهديد" الذي يمثّله اتهامه أمام المحكمة الدولية، لكن الحال ليس كذلك.
الردّ على المأزق: فتح جبهة الجولان؟
ولذا، فإن نظام الأسد الذي يجد نفسه في مأزق، يبدو باحثاً الآن عن "قلب الطاولة". هو يقلب الطاولة في فلسطين في وجه رئاسة السلطة الفلسطينية وبمشروع يهدّد السلم الأهلي الفلسطيني. وهو يواصل السياسة التخريبية نفسها في العراق. ويسعى إلى قلب الطاولة في لبنان عبر مشروع للانقلاب على السلطة الاستقلالية بواسطة حلفائه وأدواته، وحدّه الأدنى اللبناني إغراق البلد في الفوضى طالما ان تغيير السلطة متعذّر.
أكثر من ذلك، حيث يلاحظ المتابعون ان النظام السوري عمد خلال الأسابيع الماضية إلى التسويق لخطاب من شقّين. الأول تمثّل في "الترويج" لحرب إسرائيلية أخرى على لبنان. والثاني تمثّل بالتلويح مجدداً بفتح جبهة الجولان.
الشقّان من الخطاب يعكسان الانزعاج الشديد لديه من القرار الدولي 1701. الشق الأول هو للضغط داخل لبنان على مجريات تطبيق هذا القرار. اما الشقّ الثاني، أي التلويح بفتح جبهة الجولان، فهو إعلان عن ان انغلاق أبواب الصراع بـ"لحم الآخرين" سيؤدي إلى الصراع بـ"اللحم الحيّ".
عددٌ كبير من المراقبين لا يأخذ هذا التلويح على محمل الجدّ، ويعتبر أن في فتح الجولان مجازفة من قبل النظام السوري بنفسه. بيد ان عدداً آخر لا يستبعد انتقال الأسد من التلويح إلى التنفيذ، وفي ظنّ هذا الجزء من المراقبين ان فتح الجبهة هو الخيار الوحيد، إذ ان الأسد يحسب انه بفتح حرب إقليمية تجعل منه "بطلاً" كما يظنّ، يستطيع أن يطغى على موضوع المحكمة الدولية من ناحية وأن يفتح الطريق مجدداً أمام التفاوض مع المجتمع الدولي من ناحية اخرى. وغنيّ عن القول ان الأسد بهذا الخيار، يراهن على "المدد الإيراني".. وعلى "إسقاط" القرار 1701، ليضع المنطقة أمام واقع جديد.
الاستنتاج: "المواجهة" السياسية في لبنان مستمرة
إلام تقود هذه المقدّمات جميعاً؟
إن الاستنتاج المنطقي أي "الفعلي" هو ان معطيات "التسوية" بشأن لبنان غير موجودة خارج لبنان طالما ان النظام السوري لا يمكن تحقيق تسوية معه لكل الاعتبارات المذكورة آنفاً. يريد إلغاء التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري وما من أحد مستعد لإعطائه هذه "المنحة".. ولا أحد مستعد للمساومة معه على قرارات الشرعية الدولية التي تدعم استقلال لبنان.. وهو في المقابل، غير مهيأ لتسوية وَضعَ مؤتمر الحوار الوطني عناوينها.
وبهذا المعنى، وبالرغم من التأييد الذي يحظى به تحرك الرئيس نبيه بري، فإن فرصة تسوية للوضع اللبناني منظوراً اليها من الخارج، تبدو منعدمة، وهذا لا يتعلّق باستعدادات الدول العربيّة، لاسيما المملكة، لمساعدة لبنان، بل باستعدادات النظام في دمشق. وأكثر من ذلك، لا مفرّ من القول ان "الانتحارية" السياسية التي يبدو عليها حلفاء النظام السوري في لبنان هي في آن انعكاس لـ"توتر" هذا النظام من جهة وتنفيذ لأجندته من جهة اخرى.
تأسيساً على ما تقدّم، ومع ضرورة دعم بري في أي جهد يقوم به، يجب توقع "الأسوأ".. أي عدم افتراض ولو للحظة واحدة ان قوى "المشروع السوري" القاضي بزعزعة السلطة، سوف تمتنع عن السير في "المواجهة" إلى الآخر. وسيكون من الخطأ الكبير الاعتقاد ان مهادنتها ستؤدي إلى "تعقيلها".. لا بل يمكن القول انه إذا كان من سبيل إلى "تهدئتها" فهو عدم التراجع حتى تكتيكياً أمامها.
المطلوب من 14 آذار عدم المهادنة
ماذا يعني ذلك؟
انه يعني ليس فقط الحفاظ على مستوى النبرة الحالية من الخطاب السياسي، النبرة التي تجمع بين الحزم وبين الاستعداد للحوار في "الوقت المناسب"، بل يعني الاستعداد لمقابلة الشارع بالشارع، إذ لا يجوز ترك هذا "الميدان" للفريق الآخر.
ويعني ان من واجب الدولة في ظل الحكومة التي تتمتع فيها حركة 14 آذار بالأكثرية أن تكون حاضرة في كل المجالات. وفي المعلومات ان ملف المهجرين بات قابلاً للإغلاق بعد أن تأمّنت له الأموال اللازمة، وأن آلية التعويضات عن الحرب الأخيرة جاهزة للتنفيذ والأموال متوافرة.
ويعني أن حضور الدولة يجب أن يُدافع عنه. وعندما يُتّخذ القرار يجب أن يكون من اتخذه محيطاً بكل المعطيات كي لا يكون ثمة "دعسة ناقصة". ويجب فكّ عقال الألسنة وعدم ترك ألسنتهم فالتة. وما حصل في "الرمل العالي" لا يجوز أن يوجّه ضد حكومة تنفّذ القانون ولا تسمح بتجاوزه لئلا يصبح هتك القانون قاعدة في كل مكان. ويجب الردّ على مَن يحاربون الحكومة ضدّ القانون.
ويعني مضاعفة التنسيق بين قوى حركة 14 آذار وتوحيد الرؤية وعدم السير في تقديرات متفاوتة للموقف.
ويعني عدم السماح لأحد بـ"خطف" المضامين العروبية للحركة الاستقلالية اللبنانية، فعروبة هذه الحركة فوق أي تساؤل، وقضية فلسطين قضيّتها واستقلال فلسطين يدعّم استقلال لبنان.
ويعني أن على حركة 14 آذار الاستفادة من كونها الأقوى مسيحياً وعلى غير صعيد إسلامي، والأقوى عربياً ودولياً.
مثال عن تسوية غير مقبولة
إن كل ذلك يعني شيئاً واحداً: تحقيق عوامل "الاستنفار" المقابل كي لا تخطئ قوى "المشروع السوري" الحساب، وحتى إذا ما لاحت إمكانية تسوية، هي مستبعدة الآن، تكون التسوية "مناسبة".. هذا في حال أثمرت الاستعدادات العربيّة ما يمكن الركون إليه بالفعل، في وضع حدّ للتخريب السوريّ.
وعلى ذلك مثال. فبعض المعلومات يقول إن "الفريق السوري" المطالِب بما يسمّى "حكومة وحدة وطنية" لا يمانع في انتخاب رئيس جديد قبل "حكومة الوحدة" أو بعدها أو بالتزامن.. بشرط أن يكون الرئيس "مِن الخط". إن تسوية كهذه يجب أن تكون مرفوضة ليس فقط لأن توازن القوى لا يزكّيها بل لأنها تعني إخراج حركة 14 آذار من السلطة فعلياً.
وعلى أي حال، لن يتأخّر المجتمع السياسي عن معرفة نتيجة ما استطلعه الرئيس نبيه بري في زيارته الى المملكة. ويستطيع المجتمع السياسي أن يطمئن الى أن بري ليس متهوّراً، وهو لا يُقدم على شيء قبل أن يسوّي الأرض تحت أقدامه.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.