8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الصورة قاتمة عند الرئيس نبيه برّي. يصفُ الاحتقان الموجود داخل الطوائف اللبنانيّة بأنّه "مخيف". يُسأل ما اذا كانت الاحتقانات المتبادلة ستقود الى انفجار حتميّ، فيجيب انّ ثمّة "مواجهة" سياسيّة قائمة ومرشّحة للاستمرار وربّما للتصاعد. ويؤكّد انّه ما لم يُعمل "شيء" فإنّ الوضع سيزداد سوءاً.
الاحتقان.. ولقاءان لـ"الاطفاء"
مع نصرالله والحريري
هذا المدخل ضروريّ لفهم "المناخ" الذي يعيش الرئيس برّي فيه وهو المقتنع بأن دوره كأطفائي مهمّ أكثر من أيّ يوم مضى. يتحدّث عن لقاءَين له في مجال سعيه الى اطفاء النار تحت الرماد. اللقاء الأوّل جمعه بالأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصر الله عشيّة "مهرجان الانتصار" الذي دعا اليه الحزب. وخلال اللقاء هذا تمنّى برّي على نصر الله الا يتناول الوضع الداخليّ في خطابه وأن يركّز على عناوين عربيّة واسلامية باعتبار الرمزية التي يتمتّع بها نصر الله في الشارعين العربي والاسلاميّ. يقولُ برّي إنّه تلقّى تعهداً من نصر الله بتجنّب العناوين الداخلية، لكن أموراً كان اتفق عليها مع الرئيس فؤاد السنيورة قبيل لقائه نصر الله وأبلغها الى الأمين العام لـ"يقنعه"، تمّ التحلّل من الالتزام بها ما دفع نصر الله الى سحب تعهّده وجاء خطابه على النحو المعروف. والأمور التي يشير برّي اليها هنا تتعلّق بإعادة الاعمار وآليات التعويضات كما بموضوع المدير العام للأمن العام.
أما اللقاء الثاني فالسحور الرمضاني في دارته بينه وبينَ رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري، وذلك بعدَ الخطاب الذي ردّ فيه الحريري على خطاب نصر الله من دون ان يسمّيه وتضمّن مواقف وجدَ برّي انّ سقفها عالٍ. يقولُ رئيس المجلس انه "عاتب" الحريري على نبرة خطابه، وانّ زعيم "المستقبل" ردّ بأنّ النبرة كان يمكن أن تكون أقوى وأنّ "الناس" ربّما توقعوا منه خطاباً أقوى نظراً الى ما ساقه نصر الله من اتهامات.
بالنسبة الى اللقاء الأوّل أي مع السيّد نصر الله، صحيحٌ أنّ برّي يربط تراجع الأمين العام لحزب الله عن تعهّده بتجنّب قضايا الوضع الداخلي بتأزّم المفاوضات مع الرئيس السنيورة حول ملفّي الاعمار والتعويضات من ناحية والأمن العام من ناحية ثانية، الا انّ من الواضح ان الرئيس برّي يسلّط الضوء على مسعى للتهدئة بذله مع أحد أطراف الصراع السياسي المباشر في البلد. أما بالنسبة الى اللقاء الثاني أي مع سعد الحريري، فإن برّي الذي يتفهّم دواعي "الشارع"، يقول في استنتاج عام قولاً حاسماً: انّ القائد يسير مع شارعه وما يطلبه هذا الشارع في معظم الأحيان لكن هناك لحظات تاريخية في حياة الدول والشعوب، من واجب القائد أن يرفع وعي الشارع الى مستوى وعيه، ونحن في لبنان الآن في لحظة تاريخية.
لا يرى بعين واحدة: احتقانان ومحاولتان
اذاً، عندما يتحدّث برّي عن الاحتقان في البلد، فإنه يتحدّث عن "احتقانين"، وعندما يشير الى محاولة إطفاء الاحتقان فإنّه يشير الى "محاولتين" لدى مرجعيّتين متقابلَتين سياسياً. وهنا، فإنّ المغزى ممّا يقوله برّي عميق جداً ولا "يستوعبه" أولئك الذين يحاولون اخراج رئيس المجلس النيابي من موقعه "بين" الجميع.
للرجل مواقف يعلنها. وفي الكثير منها لا يلتقى مع ما تطرحه حركة 14 آذار. وهو في مجلسه، ينتقد على سبيل المثال مسارعة قوى 14 آذار الى اثارة مسألة سلاح حزب الله حتّى قبل توقّف "الأعمال العدائية" وفقاً للقرار 1701. بيدَ انّ للرجل موقعاً متميزاً يحرص عليه ويحرص منه على ادارة العلاقة بفريق 14 آذار. وفي التعاطي مع القرار 1701 على سبيل المثال، لم تبرز تعارضات بينَه وبينَ الفريق الاستقلاليّ، وموقفه الايجابيّ والودّي من "اليونفيل" أوّل من أمس خير دليل على التقاطع بين الجانبين.
علاقته بسعد الحريري وطيدة من جهة ومتواصلة من جهة ثانية وبينها تشاور دائم. وعلاقته برئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط منتظمة أيضاً عبرَ وزير الاعلام غازي العريضي، وكانا يعدّان للقاء مباشر بينهما.
"لن أرتاح ولن أريّح"
ويقول الرئيس بري أنه لن يترك الوضع على ما هو عليه الآن. ويضيف أنه ينتظر أن ينتهي جميع الفرقاء من إفراغ ما في جعبتهم حتى آخر شهر رمضان المبارك وعندها "يبدأ شغلي". ويشير هنا بشكل غير مباشر الى الاحتفال العوني في الخامس عشر من الشهر الجاري، والى احتفال "حزب الله" بـ"يوم القدس" نهاية رمضان. ويؤكد أنه بعد ذلك "لن أرتاح ولن أدع غيري يرتاح".. من المطالبة بالتعقل والعودة الى الحوار.
المملكة في نظر برّي
ولا يُخفي رئيس "مؤتمر الحوار" المعلّق أن زيارته الى المملكة تندرج في إطار التمهيد لاستعادة التهدئة. يرى ان للمملكة وقيادتها دوراً مهماً على صعيد العلاقات اللبنانية ـ اللبنانية لا سيما لجهة تهدئة "التوترات" السنية ـ الشيعية. ويرى انها من موقعها العربي "الكبير" تستطيع إدارة العلاقات العربية ـ العربية بما يمنع عن لبنان كأس التمحورات الخطيرة. ولا يزال بالرغم من أزمة العلاقة السورية ـ السعودية بعد هجمات بشار الأسد على القادة العرب، يأمل بعودة الأمور الى "شيء" من طبيعيتها ليرتاح لبنان.
لكنه، وإذ يزور المملكة من ضمن هذه الرؤية، ولعله يعرف "أشياء" لا يبوح بها، انما يشدد في المقابل على المعادلة التي يؤكد عليها ويكررها باستمرار: لا شيء في لبنان بغير التوافق. هكذا خاطب فريق 14 آذار في شباط الماضي عندما دعا الى مؤتمر الحوار يوم كانت حركة 14 آذار تطلب إسقاط إميل لحود. وهكذا يخاطب اليوم الفريق المطالب بإسقاط الحكومة تحت مسمى "حكومة وحدة وطنية".
لا إسقاط للحكومة
موقف بري واضح هنا: أرفض إسقاط الحكومة. ويضيف انه لا يمكن في المبدأ رفض تشكيل "حكومة وحدة وطنية". لكن هكذا حكومة تقتضي موافقة الفريقين وإلا فهي لا تقوم. ولذلك لا بد من التوافق. والتوافق يجب أن يحصل على برنامج هذه الحكومة من ناحية وعلى تشكلها العملي من ناحية ثانية وإلا يتم الوقوع في الفراغ. بكلام آخر،إذا كان لا بد من الوصول الى هكذا حكومة فلا بد من الحوار. ولذلك فان الرئيس بري يعتبر أن الاستنفار "مع" حكومة "وحدة وطنية" والاستنفار المقابل "ضدها" لا يقدّمان بل لعلّهما يؤخّران.
التآخي في الليرة
وعند هذا الحد، يلفت رئيس المجلس النيابي الى أن أمام لبنان تسعة أشهر "حبلى" بالاستحقاقات. وإذ يقرأ في عيون السامع سؤالاً عن المحكمة الدولية، يؤكد أن لا معرفة لديه بتراجع أي جهة سياسية فاعلة عن تشكيل المحكمة ذات الطابع الدولي، وأنه لا يريد الخوض في أي توقع في هذا المجال. لكنه يسلط الضوء على استحقاقين مهمين.
الأول من طبيعة اقتصادية، حيث يشير الى مؤتمر بيروت ـ 1 للنهوض بالاقتصاد اللبناني والمنتظر مبدئياً في تشرين الثاني المقبل. ويعتبر ان الوضع اللبناني الداخلي إذا بقي على ما هو عليه اليوم، فإنه ينذر بتبديد فرصة يحتاجها البلد، خاصة اذا ما اقترنت هذه الفرصة "الموضوعية" بـ"إرادة ذاتية" لمعالجة ملف الإعمار والملف الاجتماعي. ويقول بري: لنفترض ان الكل مختلف مع الكل حول كل شيء، فان "تآخينا" في الليرة اللبنانية يفترض منا الانتباه الى مصالح الشعب.
النصاب الدستوري لانتخاب الرئيس: الثلثان
أما الاستحقاق الثاني فدستوري ـ سياسي ـ وطني يتعلق برئاسة الجمهورية. وهنا أيضاً يؤكد بري على التوافق. ويقول ان مسألة التوافق ليست فقط مسألة مبدأ عام بل هي مسألة "عملية" أيضاً.
يشدد رئيس المجلس على أن الجانب الدستوري من الموضوع بعد مراجعته والتدقيق فيه يظهر أن النصاب القانوني لجلسة انتخاب رئيس الجمهورية هو ثلثا اعضاء المجلس النيابي. هذا النصاب ثابت، وإن كان الدستور ينصّ على انتخاب الرئيس بالثلثين في دورة أولى ثم بالأكثرية المطلقة في دورة ثانية. وبمعنى آخر كي ينتخب الرئيس حتى بالأكثرية المطلقة، يجب أن تكون الجلسة بنصاب الثلثين أي 86 نائباً.
.. والحل هو التوافق
وعليه، فان تنفيذ الاستحقاق الرئاسي دستورياً يقتضي توافقاً على تأمين النصاب الموصوف. وكي يتم التوافق على تأمين النصاب الموصوف، لا بد من التوافق على أحد أمرين: إما التوافق على إسم الرئيس وإما التوافق على تأمين النصاب وعلى الانتخاب ديموقراطياً في الوقت نفسه. بيد انّ الخيار الثاني هو مجرّد خيار "نظريّ".. ويبقى التوافق على الرئيس.
إذ يحاكي الوقائع السياسية القائمة، يرى برّي الصورة قاتمة. و"يعترف" بأنّ التوافق اللابدّ منه عمليّة معقدة. لكنّه يأمل أن تنجح القاعدة القائلة انّ بعدَ كل صراع تسوية. ولذلك هو يحذّر من الذهاب في الصراع الى حدوده القصوى لئلا يكون الانفجار بدلاً من التسوية.
ويوضح انّ ما حالَ دون توصّل طاولة الحوار الى توافق حول معالجة بند "أزمة الرئاسة" هو بالضبط عدم التوافق على اسم الرئيس المقبل. ويلفتُ الى انّ اقتراح إجراء انتخابات رئاسيّة مبكّرة ليس حلاً "لأننا نكون لا نزال في المشكلة نفسها". ذلك ان إجراء انتخابات رئاسية مبكرّة المقترح لـ"حلّ" موضوع وجود لحوّد في الرئاسة، حلُّه ـ أي الاقتراح ـ أن يتمّ الاتفاق على الرئيس، فمن "يستطيع الأكثر يستطيع الأقلّ"، أي انّ من يستطيع الاتفاق على اسم الرئيس يستطيع ازاحة لحّود الآن وتنفيذ الاستحقاق الرئاسي مباشرة.
برّي "المختلف"
خلاصةُ القول انّ الرئيس برّي حليف "حزب الله"، ويشهر مواقف في عدد من العناوين لا تتقاطع مع 14 آذار. و"التوافق" الذي ينادي به "يصيب" 14 تارة لكنه "يصيب" 8 آذار تارة أخرى. هو لم يختر اللعبة ولم يختر توجيهها تارة ضد هذا الفريق وتارة ضدّ الفريق الآخر. هو اختار "القاعدة"، وهو في الوقت نفسه كثير التساؤل عما اذا كان الاحتقان والاستنفار المتقابلان سيطيحان بهذه القاعدة.
هو حليف "حزب الله"، لكنه ليس حليف إميل لحود ولا الجنرال ميشال عون مثلاً. هو على علاقة جدية بسعد الحريري ولا يبحث في بعض الزواريب السنية. وهو على علاقة متوازنة مع وليد جنبلاط ولا يفتح أمام متفرقات درزية. وهو "حل" العلاقة بالمسيحيين عبرَ العلاقة بالبطريرك نصر الله بطرس صفير.
هو مختلف اذاً، وهو الجسر بين جميع المكونات. الجسر الوحيد الذي لم يُدمّر من بين جسور لبنان. ونصيحته الدائمة: الدولة، حضور الدولة، فاعلية الدولة.. الدولة هي الحلّ.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00