أول من أمس، قالت الكنيسة المارونية كلمتها عبر البيان الشهري لمجلس المطارنة برئاسة البطريرك نصرالله بطرس صفير: ان في المطالبة بـ"حكومة وحدة وطنية" نيّة لتعطيل المحكمة الدولية في جريمة إغتيال الرئيس رفيق الحريري وسائر الاغتيالات الأخرى.
البيان الأخير.. في سياق "تراكميّ"
اعتبارات عدة تجعل هذا الموقف شديد الأهمية سياسياً ووطنياً.
لا شك أولاً ان هذا الموقف يأتي في "سياق تراكمي" أي انه يشكّل تتويجاً لمحطات في خطاب بكركي حيال الوضع اللبناني.. منذ أن خرجت البطريركية من انكفائها الطوعي قبل بضعة أشهر. المحطة الأولى جسّدتها مقرّرات المجمع الماروني في الربيع الماضي، وهي المقرّرات التي رسمت في حينه ما يمكن وصفه بـ"استراتيجية" الدور المسيحي في لبنان، حيث أكدت ليس فقط على أن ليس ثمة مسألة مسيحية "خاصة" بل مسألة لبنانية "عامة" ودعت إلى مجتمع العيش المشترك والدولة المدنية تحت مرجعية اتفاق الطائف. والمحطة الثانية تجلّت في "النداء السابع" الشهر الماضي، والذي تناول الموقع الراهن للمسيحيين ضمن الشراكة الوطنية، محدداً الخلل في رئاسة الجمهورية التي يؤدي وضعها الراهن إلى تهميش دور المسيحيين ضمن هذه الشراكة. وها هي المحطة الثالثة أول من أمس تعلن بوضوح ان الطائف هو قاعدة تشكيل الحكومات بما يحفظ الشراكة الوطنية.
الضربة المؤلمة لمشروع الانقلاب
وفي هذا السياق "التراكمي"، لا شكّ ثانياً في ان بيان أمس الأول هو الأكثر "قوة" بالمعنى السياسي المباشر. صحيح ان المعترضين على نهج بكركي حملوا كل على طريقته على وثيقة المجمع الماروني التي تنقض سياساتهم، فتحايل الجنرال ميشال عون ولم يصدر موقفاً مباشراً من هذه الوثيقة فيما هجم سليمان فرنجية على أمين سرّ المجمع المطران يوسف بشارة، لكن في المقابل حاولوا "استيعاب" الصدمة تحت عنوان ان النصّ هذا "نظري" ولا يدخل في السياسة المباشرة. وصحيح أيضاً ان المعترضين على نهج بكركي من حلفاء النظام السوري أي من "مسيحيي النظام السوري" فهموا جيداً "النداء السابع" ودعوته شبه المباشرة إلى معالجة الخلل في رئاسة الجمهورية، لكنهم أخذوا من نصّ النداء ما يشير إلى التهميش لينطلقوا في حملة على الشريك المسلم. أما الآن في البيان الأخير، فإن المسألة حاسمة: بكركي تسدّد ضربة مباشرة مؤلمة إلى "المشروع السياسي" الذي يتحرك حلفاء سوريا وأتباعها لتنفيذه، أي مشروع الانقلاب على السلطة واتفاق الطائف بواسطة ما يسمّى "حكومة الوحدة الوطنية".
ان أهمية البيان الأخير إذاً تكمن في انه يسدّد مباشرة على "الرأس".. على "المشروع السياسي". ثم لا شك ثالثاً ان أهميته، إلى ذلك كله، انّه إذ يعلن رفض الكنيسة "اختطاف" المسيحيين إلى حيث يغطّون النظام السوري وينقلبون على الشراكة الوطنية، انما يعلن بشكل أو بآخر ان لبنان يدخل في "الشوط الأخير" من معركتَي السيادة والاستقلال من ناحية والحقيقة من ناحية ثانية.
الموالون للنظام السوري: صاعقة سقطت على رؤوسهم
هذه الاعتبارات جميعاً تجعل البيان الأخير لمجلس المطارنة الموارنة ذا أهمية سياسية استثنائية بالفعل. وإذا اعتمدت قاعدة "الضدّ يظهر حسنه الضدّ"، فإن متابعة للتعليقات السياسية والإعلامية تظهرُ بما لا يدع مجالاً للشك ان صدمة موالي النظام السوري كبيرة جداً. أحدهم، النائب السابق فرنجية علّق بالقول على قدر ما فهمنا يجب أن نؤيد النائب سعد الحريري رئيساً مقبلاً للجمهورية". هو يحاول اللعب على الغرائز. لكن مع من؟ مع البطريرك؟ فما يثير السخرية بالفعل أن يُتهم البطريرك بـ"الأسلمة"، أي أن يصبح فرنجية وأشباهه أكثرَ مسيحيةً من البطريرك.
و"يسقط" البيان كالصاعقة على رؤوس الانقلابيين.. قبل ساعة الصفر التي حدّدوها بأنفسهم بعد انتهاء شهر رمضان المبارك. وهنا يعود البيان ليكتسب أهمية فوق كل أهمية سابقة: انه يحصّن السلم الأهلي من جهة ويُسقط من يد الانقلابيين الادعاء بأن مشروعهم القاضي بإسقاط الحكومة هو مشروع "فوق طائفي" من جهة أخرى.. وانه ـ أي البيان ـ يضع المسافة المطلوبة بين المسيحيين وأولئك الذين يريدون التستّر على مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس الحريري والجرائم الأخرى.. ويعلن في السياق ان معركتَي الحقيقة والاستقلال متلازمتان.
قرار المواجهة المتخذ في دمشق
إذاً قبل البيان "شيء" وبعده "شيء آخر".
في هذا "المناخ"، وبالرغم من قساوة "الضربة البطريركية" على أصحاب مشروع إطاحة الحكومة، فمن المستبعد أن يوقفوا هذا المشروع. ثمّة قرارٌ مأخوذ في دمشق أعلنه رئيس النظام السوريّ بشار الأسد باكراً في 14 آب الماضي، ومنذ ذلك التاريخ أعلن تحالف "حزب الله" وميشال عون وإميل لحود وأتباع سوريا قرار "المواجهة" في الداخل اللبناني. وهم يعدّون العدة لهذه "المواجهة" بعدَ شهر رمضان.
سياسة حركة 14 آذار حيال مواجهة تبدو "محتّمة"
حيال قرار هؤلاء بالمواجهة، اعتمدَ أركان حركة 14 آذار سياسة هادفة الى تعطيل حصول المواجهة أو تعطيل حتميّتها. اتفق أركان الحركة الاستقلالية على عدم السكوت عن حملة التخوين والتهويل وعلى الرد عليها وتفنيدها وتبيان مخاطرها. واتفقوا في الوقت نفسه على أن يُبدوا الاستعداد للحوار الجدّي و"الحقيقي". ردّ سعد الحريري ووليد جنبلاط وسمير جعجع وغيرهم على الحملة.. ثمّ قلّل جنبلاط من تصريحاته التي تتناول المسائل الداخلية المباشرة.
اتفق أركان 14 آذار على الردّ والتحذير من السير في المواجهة، وجالت قوى 14 آذار على الجميع من أجل التأكيد على ضرورة الحوار. ارتسم في الوضع السياسي مشهدان: مشهد 14 آذار الساعي الى "التسوية"، ومشهد 8 آذار (أو 5 شباط أو 10 أيار) السائر في المواجهة. كان الظن ان إبراز مخاطر المواجهة يمكن أن يردع "الرؤوس الحامية"، لكن أصحاب هذه "الرؤوس الحامية" لا يزالون حتى الآن مصمّمين.
سيناريو 1988
حتّى الآن اذاً، تبدو المواجهة "محتّمة". وبدلاً من إبداء الاستعداد لـ"تسوية" شاملة متكاملة، راح "الفريق السوري" يسرّب أخباراً عن سيناريو انقلابيّ كامل الأوصاف يقضي بالآتي: يستقيل إميل لحود ويكلّف ميشال عون بتشكيل حكومة انتقالية تعدّ لانتخابات رئاسية.. فتقوم في البلد حكومتان. واذا كان من نافل القول انّ هذا السيناريو يحاول استعادة ما جرى في العام 1988 مع فارق انّ ما جرى في العام 1988 كان من ضمن الدستور في حين انّ استعادته اليوم خارج الدستور، فإنّ هذا السيناريو يُظهر مأزق جبهة حلفاء النظام السوريّ وأدواته، ويُظهر البُعد التقسيميّ لمشروع الانقلاب على السلطة ويظهر نوايا الفوضى أيضاً.
"الصورة" الثلاثية مطلوبة
حتّى الآن، تبدو المواجهة "محتّمة". بيد انّ لدى فريق 14 آذار أسلحة سياسية كثيرة.
السلاحُ السياسي الأول هو سلاحُ عدم المهادنة مع المشروع السياسي الانقلابي والمضيّ في كشف أبعاده الخطيرة. والثاني هو في موازاة التمسك بالحكومة "تصعيد" حضورها ودورها. والثالث هو المضيّ في إبداء الاستعداد للتوصل الى تسوية متكاملة ووضع "الفريق السوريّ" أمام مسؤولياته. والرابع والأخير هو الاستعداد لـ"الأسوأ" تحت راية الشرعية والمؤسسات الشرعية.
بيدَ أن ثمّة "صورة" يفتقدها المشهد السياسي ـ الوطني من شأن حدوثها أن يستنهض إمكانات الحركة الاستقلالية وقوى مشروع الدولة وأن يحصّن الواقع الداخلي في وجه مشروع الفوضى والتقسيم واللاإستقرار.
وهذه "الصورة" هي بالضبط اللقاء الثلاثي بين البطريرك صفير وسعد الحريري ووليد جنبلاط. وليس في هكذا "صورة" أي افتعال. ذلك ان حركة 14 آذار كانت في الأصل محصّلة تلاقي هذه الروافد الاستقلالية الثلاثة، وكانت في الأصل محصّلة "تواطؤ" على الاستقلال، من النداء الأول لمجلس المطارنة الموارنة في العام 2000، إلى مصالحة الجبل في العام 2001 إلى رفض التمديد لإميل لحود في العام 2004 إلى اغتيال الرئيس رفيق الحريري شهيد الاستقلال اللبناني الثاني في العام 2005.
لقد أعطت بكركي للحركة الاستقلالية الكثير الكثير. وأعطت في الشهور المنصرمة أكثر بكثير من الفترة السابقة. وهي تستحق والحالة هذه أن "تعود" مركزاً للاستقلال اللبناني، فيما هي "تُجهز" في اللحظة المناسبة على مشروع اختطاف المسيحيين من الاستقلال وخطف الاستقلال من المسيحيين.
برّي والدور الحواريّ
غنيّ عن القول ان البيان الأخير لمجلس المطارنة الموارنة أول من أمس يعبّر عن الوعي الحاد لدى البطريرك بخطورة "الشوط الأخير" من المعركة. غير ان ما يستدعي تسليط الضوء عليه أخيراً يتعلّق بالرئيس نبيه برّي.
لو كان الرئيس برّي لمس ظروفاً جدية لاستئناف الحوار لما تردّد في الدعوة إلى تجديده بصيغ شتّى. والواقع يؤكد ان من لا يسهّل ظروف الحوار هو "الفريق السوري" على ايقاع مواقف الأسد. والواقع ان فريق 14 آذار، ليس فقط يسعى إلى الحوار، بل هو لا يوفّر مناسبة للتشديد على دور برّي، ولا يوفّر فرصة للتأكيد على ضرورة "رسملة" برّي بما يتيح له "اقتحام" الوضع بمبادرة حوارية. والجميع يعرف ان "مسألة" المدير العام للأمن العام جاءت في سياق معيّن وأدخلها البعض في سياقٍ هادف إلى إعاقة دور رئيس المجلس النيابي.
وبالرغم من ذلك، فإن ما نقل عنه عبر بعض الأقلام، لا يشير إلى توتر عنده مع ان هذه الأقلام حاولت الايحاء بذلك. فليس في ما نقل عنه حول تأييده قيام "حكومة وحدة وطنية" بشرط الاتفاق عليها لئلا يحصل فراغ، أي سلبية. وليس في ما نقل عنه بشأن ضرورة الاتفاق على حلّ متكامل لـ"أزمة الحكم" أي سلبية أيضاً. قد يحصل اختلاف معه حول بعض المضامين، لكن الرئيس برّي لا يزال في موقع القدرة على "الشغل".
يُعطي البيان الأخير لمجلس المطارنة برّي "ورقة" مهمة لاستئناف دوره الحواري. وفي التمهيد لأي حوار ليس مطلوباً من أي فريق أن يسكت خاصة إذا كان مُهاجَماً، لكن المهم هو قراءة المواقع وحركة المواقع، وبرّي في هذه القراءة عليم.
بيان بكركي قاسٍ بدون شكّ. لكنه ليس قاسياً على بريّ الذي يستطيع أن يبني عليه لإعادة "عقل الرحمن" إلى من فقدوه.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.