منذ فترة غير وجيزة، يسمع اللبنانيون العديد من الهرطقات التي ينسبها الجاهلون باتفاق الطائف الى اتفاق الطائف نفسه. فبعد هرطقة "حكومة الوحدة الوطنية"، هرطقة "الثلث المعطّل" في مجلس الوزراء. لكن كما لا نصّ في اتفاق الطائف على "حكومة الوحدة الوطنية" إذ يتحدث عن الحكومة الأولى بعد الاتفاق بوصفها "حكومة الوفاق الوطني"، فلا نصّ أيضاً على ما يسمى "الثلث المعطّل".
النص على أكثرية ثلثي القرار في الطائف
يتحدث الطائف عن صيغة اتخاذ القرار في مجلس الوزراء. ففي البند الثاني تحت عنوان "الإصلاحات السياسية"، وفي الفقرة "د" المتعلقة بمجلس الوزراء، تقول وثيقة الوفاق الوطني إن "النصاب القانوني لانعقاد مجلس الوزراء هو أكثرية ثلثي أعضائه". وتضيف أنه "يتخّذ قراراته توافقياً فإذا تعذّر ذلك فبالتصويت". وتوضح أن "القرارات تتّخذ بأكثرية الحضور، أما المواضيع الأساسية فإنها تحتاج الى موافقة ثلثي أعضاء مجلس الوزراء". وتحدّد المواضيع الأساسية على أنها "حالة الطوارئ وإلغاؤها، الحرب والسلم، التعبئة العامة، الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، الموازنة العامة للدولة، الخطط الإنمائية الشاملة والطويلة المدى، تعيين موظفي الفئة الأولى وما يعادلها، إعادة النظر بالتقسيم الإداري، حلّ مجلس النواب، قانون الانتخابات، قانون الجنسية، قوانين الأحوال الشخصية، وإقالة الوزراء".
النص واضح جداً. يتناول كيفية اتخاذ القرار في مجلس الوزراء: إما بالتوافق أو بالأكثرية المطلقة أو بأكثرية الثلثين في حالات موصوفة. وبكلام آخر لا يأتي هذا النص ولا النصوص الأخرى في اتفاق الطائف على ذكر "أكثرية الثلثين" في السلطة التنفيذية خارج السياق المشار اليه.
أكثرية الثلثين بمنظار العيش المشترك
لا يقول الطائف مثلاً إن الحكومة عند تشكيلها يجب أن يكون فيها ثلثان للقرار وثلث للتعطيل. ولا يقول إنه يعطى للمعارضة ثلث الحكومة كي توازن ثلثي القرار. يتحدث الاتفاق عن حكومة "طبيعية"، بمعنى أنه على افتراض أن الحكومة هي حكومة تحالف منسجم سياسياً، فإن القرار في المواضيع الأساسية يُتّخذ بالثلثين، أي أن الحكومة الحالية لو كانت حكومة فريق 14 آذار لوحده فإنها تتخذ القرار بالثلثين في المواضيع الموصوفة "أساسية".
ومسألة الثلثين هنا تدخل في باب "حِكمة" اتفاق الطائف. فهو إذ يؤكد على أن مجلس الوزراء ـ كما مجلس النواب ـ مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، يخشى أن يتم اتخاذ قرار ما في موضوع أساسي بأكثرية عادية، لأنه يخشى أن يكون القرار قرار مجموعة من المجموعتين اللبنانيتين. لكنه عندما يتحدث عن الثلثين، فإنه يضمن "الاختلاط" في اتخاذ القرار ويضمن أن يبقى القرار في إطار العيش المشترك. لذلك، فإن أكثرية الثلثين في الحالات التي يحدّدها الطائف، تنطوي هنا على "مفهوم" إسلامي ـ مسيحي وليس على مفهوم سياسي مباشر.. تنطوي على مفهوم العيش المشترك الذي أتى الطائف لإرسائه وتعزيزه.
أما "نظرية" ثلثي القرار وثلث التعطيل التي يسمعُها اللبنانيون هذه الأيام، فمنشأها الوصاية السورية على لبنان التي لم تطبّق اتفاق الطائف. فعلى زمن تلك الوصاية، ابتدع نظام هذه المرحلة النظريّة المذكورة من أجل أن يتحكّم بتشكيل الحكومات من جهة وأن يدير "اللعبة" كما تشتهي سفنه عبر التحكّم بأكثرية الثلثين وأقليّة الثلث معاً من جهة أخرى.
الطائف لا ينشئ الحكومة و"يعطّلها" في الوقت نفسه
ثم هناك "منطق" وراء ما ورد في الطائف. وهذا المنطق إذ يقول إن الحكومات بعد العام 1989 هي حكومات عيش مشترك، فإنه ييسّر أمور الحكم ولا يعطّلها. ولا يعقل لا بموجب الطائف ولا بموجب أي دستور في العالم أن تنشأ الحكومة وكتلة تعطيلها في داخلها في آن معاً! ولا يعقل أن يسوّغ أي دستور سبل تعطيل ممارسة الحكم. فالأكثرية السياسية من كل الطوائف تستلم الحكم ديموقراطياً بعد الانتخابات، وإن تعذّر تشكيل أكثرية سياسية من كل الطوائف يتشكّل ائتلاف معيّن.. لكن يستحيل أن تكون صيغة ممارسة الحكم عبارة عن فيتوات متبادلة. والأهم أن لا عقل سياسياً ودستورياً يمكنه أن يحوّل أكثرية سياسية حاكمة أي سلطة الى معارضة للمعارضة. فأن يُملّك فريق سياسي الثلث المعطّل يعني أن السلطة لم تعد تملك الثلثين بل صارت مثلها مثل الفريق الآخر تملك ثلثها المعطّل أيضاً، والحال أن الحكم لا يمكن أن يقوم على ثلث معطّل هنا وثلث معطّل هناك.
ويُستدل على صحة استنتاجات هذه المقدمة من اتفاق الطائف نفسه. ففي النص على النصاب والقرار في مجلس النواب، يختلف الأمر. وكذلك في النص على آليات العمل البرلماني والعلاقة بين السلطات. والفارق واضح تماماً: مجلس الوزراء هو سلطة الحكم ولا يجوز تعطيل الحكم ومسيرته أو تعطيل ممارسة السلطة، بينما مجلس النواب هو سلطة الرقابة والتشريع.
إذاً في الجانب الميثاقي ـ الدستوري، ليس هناك في اتفاق الطائف نص على ما يسمى "حكومة الوحدة الوطنية" وليس ثمة نص على ما يسمى "الثلث المعطل". والمضحك المبكي في آن هو أن الجاهلين بالطائف راحوا يدعون الى "حكومة وحدة وطنية" ويعرّفونها على أنها الحكومة التي يملكون فيها "الثلث المعطل"!.
تعطيل قرار الأكثرية كالإمساك بالقرار نفسه
إن الدعوة السافرة الى قيام حكومة فيها ثلث يعطل الأكثرية السياسية لا يخفى هدفها. فهؤلاء الذين يتمثلون اليوم بشكل رئيسي بتحالف "حزب الله" والعماد ميشال عون واميل لحود، يقدّمون توجههم هذا على أنه ليس مشروعاً للإمساك بالسلطة وقرارها، بل على أنه عنوان لـ"مشاركة" أكثر توازناً (!). والحال ـ في السياسة والعمل السياسي ـ إن تعطيل قرار غيرك يعني كأنك استلمت أنت القرار.
وهكذا تصبح سلطة الأكثرية مطوّقة بين ما يسمى "الثلث المعطل" في مجلس الوزراء من جهة وبين رئيس الجمهورية الموروث عن مرحلة الوصاية والمعطّل هو أيضاً من جهة ثانية. وعندئذٍ تغدو الأكثرية وسلطتها مشلولتين في "أحسن الأحوال".
ما الذي يطلبون تعطيله؟
بيد أن الموضوع لا يتوقف هنا. والسؤال هو: ما الذي يريدون تعطيله؟
في المدى المباشر، من الواضح أن أمام الحكومة جدول استحقاقات رئيسية. هناك استحقاق مواصلة تطبيق القرار 1701. وهناك استحقاق الموافقة على تشكيل المحكمة الدولية أو المحكمة ذات الطابع الدولي. وهناك استحقاق عقد مؤتمر بيروت ـ1 لإنهاض الوضع الاقتصادي. وبهذا المعنى، يبدو أن ثمة ما يريدُ تحالف "حزب الله" وعون ولحود تعطيله على مستوى هذه الاستحقاقات.
ليس خافياً على أحد أن رئيس النظام السوري بشّار الأسد أعلن الحرب على القرار 1701 وعلى المحكمة الدولية. الحرب على القرار 1701 من مدخل أن قوات "اليونفيل" المعززة هي قوات أطلسية وقوات احتلال. والحرب على المحكمة الدولية تحت عنوان "عدم جواز" إنشائها قبل انتهاء التحقيق.
القرار 1701
الحربُ من قِبل النظام السوري على الـ1701 تعني أشياء كثيرة وتعني احتمالات كثيرة خطيرة. "قد" تعني حرباً بصيغ شتى على قوات "اليونفيل" و"قد" تعني استدراجاً لحرب جديدة. والأسبابُ هنا عديدة، لكن أهمها أن القرار الدولي الذي صادقت الحكومة عليه يعني عملياً وسياسياً أن "المسار اللبناني" بات مستقلاً عن المسار السوري، ويعني عملياً وسياسياً أيضاً أن البُعد الاقليمي للمقاومة أي لسلاح "حزب الله" انتهى وأنّ "معنى" استمرار هذا السلاح مستقلاً عن الدولة يتناقص تماماً.
ومع ذلك، فإن الحرب على القرار 1701 مِن جانب النظام السوري والتي "تخاطب" حساسية معينة لدى "حزب الله" وموافقة ما من جانب إيران، إنما هي حرب على المدى الطويل أي متدرّجة وذات حلقات مركّبة.
حربُ الأسد على المحكمة الدولية
أما الحربُ على المحكمة الدولية فداهمة، وبدايتُها لن تتأخّر في الأيام القليلة المقبلة. فمن المفترض أن يتسلّم لبنان قريباً جداً مشروع النظام الأساسي للمحكمة من المستشار القانوني للأمم المتحدة نيكولا ميشيل، وقد أدخل الجانب اللبناني تعديلات عليه في فترة سابقة وقام الجانب الدولي بالمثل. ومن المفترض أن يناقش مجلس الوزراء هذا المشروع وأن يقرّه ويرسله الى الأمم المتحدة مجدداً ليوضع في صيغته النهائية قبل أن يُعاد الى مجلس الوزراء اللبناني الذي يقرّه ويحيله على مجلس النواب بمشروع قانون.. ثمّ يجتمع مجلس النواب للتصديق عليه. ويفترض ألا يتجاوز الموضوع مهلة الشهر إذا سارت الأمور بشكل طبيعي.
غير أن المسألة ليست كذلك. فبالرغم من قرار سابق لمجلس الوزراء بطلب إنشاء محكمة ذات طابع دولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وعلى الرغم من موافقة مؤتمر الحوار الوطني بالإجماع على قيام المحكمة ذات الطابع الدولي، فإن ثمة مؤشرات سلبية جداً في هذا المجال.
فبالإضافة الى هجوم الأسد على هذه المحكمة، لوحظ أن أدوات النظام السوري في لبنان بما فيها أدوات مستجدة منذ عام ونيف، لم تتوانَ خلال الشهور الماضية عن مهاجمة المحكمة تارة تحت عنوان ما يسمى "تدويل القضاء اللبناني" وتارة أخرى تحت عنوان الكلفة.. وفي جميع الأحوال تحت يافطة التطاول على الرئيس الشهيد.
لحود والحملة على التحقيق
واللافت في هذا السياق أن إميل لحود الذي "استأنف" بطرق مواربة الحملة على الرئيس الحريري لا سيما في معرض هجومه على الرئيس الفرنسي جاك شيراك، يتصرف في الآونة الأخيرة "كأنه" غير معني بالتحقيق الدولي في هذه الجريمة بالرغم من اعتبار التحقيق اللبناني والدولي لأركان نظامه الأمني مشتبهين في الجريمة، وهم موقوفون على أساس هذه الشبهة. ولا يوفر لحود فرصة ليدافع عن ضباطه ويتدخل في التحقيق. بيدَ أن ذلك ليس الأهم في ما يحضّره لحود.
.. ويصنف النظام الأساسي
معاهدة دولية ويؤكد أنه لن يوقعها
فقد علم من خلال "زوّار" أن لحود يعتبر النظام الأساسي للمحكمة ذات الطابع الدولي بمثابة "معاهدة دولية". وهو يقول لـ"زوّاره" إن "المعاهدات الدولية" من صلاحياته الدستورية حيث يذكر الدستور أن رئيس الجمهورية يتولى "المفاوضة" في عقد المعاهدات الدولية و"إبرامها" بالإتفاق مع رئيس الحكومة". ويقول لحود أيضاً إنه والحالة هذه لن يوقع هذه "المعاهدة". والحال أن لحود يعلن نيته افتعال مشكلة حول المحكمة الدولية، لأن الموضوع هنا هو تنفيذ للقرارات الدولية التي بدأت مع القرار 1595 في هذا الخصوص، والصيغة التنفيذية تحتاج الى قانون وليست "معاهدة دولية".
كيف سيتعاطى "حزب الله"؟
ضمن هذه الصورة، ليس مسلّماً به أن "حزب الله" سوف يسير "آلياً" في مسألة إنشاء المحكمة ذات الطابع الدولي. فمع أنه وافق على هذا الموضوع على طاولة الحوار الوطني، فإن مصادره تقول "شيئين" معاً: تقول أن لا تراجع عن هذه المحكمة من ناحية لكنها تقول أيضاً أن لا بد من التدقيق في نظام المحكمة من ناحية ثانية. وإذا كان التدقيق حقاً لا غبار عليه، فإن معرفة "حدود" هذا التدقيق وما إذا كان سينسف الفكرة أو سيفرغها من مضمونها، تصبح مسألة مهمة. وكذلك، فإن معرفة كيفية تعاطيه مع مقاربة لحود للموضوع، مهمة هي أيضاً.
كل ذلك يحصل في وقت اعتاد اللبنانيون على أن مواقف الأسد تفرض "ايقاعها" على حلفائه.
من هنا، وتأسيساً على ما تقدم، يتضح أن لا سبيل أمام أكثرية 14 آذار للموافقة على ما يسمى "الثلث المعطل"، لأسباب دستورية وميثاقية، ولأسباب سياسية. والحوار هو "البديل" إذا كان من سبيل أمام تسوية "شاملة" و"متكاملة"، لكن لا يظنّن أحد أن في استطاعته أن يجبر هذه الأكثرية على القبول بـ"تعطيل" السلطة تحت أي مسمى كان أو بـ"تسليم" السلطة "حبّياً". فلن يكون مقبولاً تعريض ما تحقق من إنجازات بالتوافق كما بالنسبة الى الـ1701 والمحكمة الدولية لأي خطر تحت أي ظرف من الظروف.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.