ثمة أزمتان "خاصتان" تبرزان بوضوح هذه الأيام، تنعكسان على مجمل الوضع اللبناني من جهة لكن "تقاطعهما" لا يؤسّس لحل من جهة ثانية. الأزمة الأولى هي أزمة الجنرال ميشال عون في بيئته المسيحية ومعها. والثانية هي أزمة "حزب الله" مع سائر البيئات الأخرى.
لأزمة عون في البيئة المسيحية ومعها، مجسّدة الآن في الانفكاك المتزايد لـ"الرأي العام" المسيحي عنه، أسباب كثيرة صارت معروفة وتتلخّص في "خيانة" الجنرال لتطلّعات المسيحيين الاستقلالية والسيادية من ناحية وفي تعريضه "الأمن الاجتماعي" للمسيحيين لأخطار كثيرة أهمها محاولته تجديد الإحباط لديهم من ناحية أخرى.
جواب عون على أزمته: النتائج العكسية
جواب الجنرال على هذه الأزمة كما تجلّى في خطابه في الأنطونية أول من أمس، ليس فقط لا يعالجها، بل هو يفاقمها. فقد اختار عون اللعب على الوتر الطائفي في محاولة لتجديد "عصبيّته" داخل الإطار المسيحي. تحدث بعناوين طائفية مسيحية وسعى الى استثارة المسيحيين ضد الآخرين. أخبر المسيحيين أن ممثلي الطوائف يريدون تهميشهم والانقضاض على حقوقهم.
ماذا يعني ذلك "علمياً" وعملياً؟ إنه يعني تخويف المسيحيين من الآخرين. ويعني أن مصير المسيحيين في المجهول. ويعني أن على المسيحيين، إذا كان ما يقوله عون صحيحاً، أن يهاجروا وأن يوقفوا أشغالهم في البلد.. أو يعني أن على المسيحيين أن "يواجهوا" وعندئذ يتمّ الدخول في حرب أهلية.
والمضحك المبكي في خطاب عون، أنه إذ يتّهم آخرين بالسير في مشروع الفدرلة التقسيمي، إنما يقود خطابه الى هذه النتيجة. وهذا ما يتجلّى في تحذيره من عدم وضع الخيار المسيحي الوحدويّ أمام طريق مسدود كما قال، أي أنه يقول ضمناً إن ثمة تفكيراً كانتونياً وفديرالياً إذا استمر ما يعتبره الجنرال أفقاً مسدوداً أمام الشراكة المسيحية. والمضحك المبكي الآخر، هو أن عون ينسفُ كل ما تحقّق من إنجازات خلال السنوات الماضية على طريق المصالحة الوطنية وتعزيز الشراكة الوطنية، من منطلق "أناني"، إذ يعتبر أن لا إنجازات متحقّقة طالما أنه ليس صانعها وطالما أنه لم يكن شريكاً فيها. وهنا، يقع عون في "المحظور" الذي تحدث عنه "النداء السابع" لمجلس المطارنة الموارنة عندما تناول مواصفات الرئيس المقبل محذّراً من أن يكون هذا الرئيس "أنانياً".
ما لا يريده المسيحيون وما يريدون
على أي حال، ليس هذا ما يريده المسيحيون. فالمسيحيون لا يريدون "زعيماً" يخيفهم. لا يريدون "زعيماً" يخيّرهم بين المواجهة ـ الحرب الأهلية والهجرة. لا يريدون "زعيماً" يخبرهم أن الخيار الوحدوي اللبناني أمام حائط مسدود. لا يريدون "زعيماً" لا يقول لهم لا تخافوا ولا يمثّل ضمانة لهم. هم يريدون مَن يطمئنهم الى أن ضمانات مشاركتهم موجودة في اتفاق الطائف. ويريدون مَن يستطيع مع الشركاء الآخرين تنفيذ هذا الاتفاق لمصلحة الجميع. ويريدون من يخبرهم أن الدولة هي ملاذ الجميع. يريدون كل ذلك، تأكيداً على أن البديل من الوصاية السورية على لبنان ليس الفوضى، بل شراكة تؤسس الدولة المدنية. ويتطلّعون الى كل ذلك، بعد أن أعادتهم المصالحة التاريخية في الجبل التي رعاها البطريرك الماروني نصرالله صفير مع وليد جنبلاط الى ديارهم وأرزاقهم، وبعد أن منحتهم مقرّرات المجمع البطريركي الماروني الأفق الرحب لمواطنتهم وشراكتهم في الوطن.
لذلك، وتأسيساً على ما تقدّم، من المؤكد أنه كان لخطاب عون في الأنطونية صدى سلبي لدى المسيحيين. فعندما تجتمع "الأنانية" مع التحريض والتجييش بلا أفق، يصبح الأمر تلاعباً بالبلد لا أكثر ولا أقل، فيما حماية المسيحيين في مكان آخر: في مشروع الدولة بمرجعية اتفاق الطائف.
"حزب الله" يجازف مع الطوائف الأخرى
ماذا من جهة "حزب الله"؟
ثمة من يقرأ في خطاب الحزب وأدائه المتوتّرين ملامح أزمة بين الحزب وبيئته.. إما أزمة قائمة الآن وإما أزمة ستنشأ في المدى المنظور. لكن مع ذلك، ليس هذا هو الموضوع المباشر.
فحزب الله حتى على افتراض أن لا مشكلة "حقيقية" له في البيئة الشيعية، إنما يجازف بعلاقاته مع الطوائف الأخرى في المقابل.
الخوف المسيحي
يجب أن يقرأ الحزب في انتقال "الرأي العام" المسيحي أو معظمه من "الضفة العونية" الى ضفة 14 آذار، كما تجلى ذلك في المهرجان الذي نظمته "القوات اللبنانية" في حريصا قبل أسبوع، أمرين متلازمين: الأول هو أن الرأي العام المسيحي يذهب إلى حيث من يطمئنه وليس الى حيث من يخيره بين احتمالات أحلاها مرّ، والثاني هو أن ثمة خوفاً مسيحياً منه ومن سلاحه خارج الدولة، وهو أن ثمة خوفاً من مشروع "غلبة" على الآخرين لديه.
الاحتقان السني
ويجب أن يقرأ الحزب بتمعن رد رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري عليه. صحيح أن قيادة الحزب تقول إن التعبئة التي تقوم بها ليست على أساس طائفي أو مذهبي بل على أساس سياسي. لكن الصحيح في المقابل أن هذه التعبئة من قبل "حزب الله" تؤدي الى احتقانات طائفية. ولا يخفى في هذا المجال أن الحملة على حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، إذ تقترن بمواقف لا تستهدف من السلطة إلا رئيس الحكومة، إنما تولد احتقاناً إسلامياً ـ سنياً ـ خصوصاً أن الحزب يقدم "فلسفة" خاصة لاتفاق الطائف. وبهذا المعنى، فإن خطاب سعد الحريري كان يعكس "الغليان" في شارعه من ناحية لكنه كان يحذر من استمرار التجييش من ناحية ثانية، ويحاول منع الفتنة على الساحة الإسلامية من ناحية ثالثة. ولذلك، فإن "المشروع السياسي" الموضوع تحت عنوان "حكومة الوحدة الوطنية" بما يرافقه من حملات، إنما يقع على "خط التماس" مع الفتنة الشيعية ـ السنية التي يعلن "حزب الله" باستمرار أنه ساع الى منعها.. فكيف إذا كان الحزب لا يرد على حليفه عون عندما يعتبر أن المشكلة في لبنان هي ما يسميه "الاستئثار السني".
أزمتان لا تصنعان حلاً.. والتوتر الأهلي
يُستنتج مما تقدم ان طرفي "المشروع السياسي" المعنون بـ"حكومة الوحدة الوطنية" يعانيان من أزمات إما في بيئتيهما وإما بالعلاقة مع البيئات الأخرى، ويلعبان على الملعب الطائفي بخطورة. فأزمتان لا تنتجان حلاً ولا تعززان فرص الحل.
سبق للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله أن قال في "مهرجان الانتصار" أن "المقاومة منعت الحرب الأهلية". وهذا القول هو على المحك السياسي العملي اليوم. ذلك أنه يقتضي تذكير "حزب الله"، والجنرال عون استتباعاً، بأن مشاريع تغيير السلطة في بلد كلبنان، هي مشاريع على "هاوية" الحرب الأهلية، كما أن الصراعات على السلطة في بلد كلبنان، هي مشاريع حروب داخلية، خصوصاً إذا كانت النية تقوم على محاولة الاستيلاء على السلطة.
طبعاً، لا بد من القول فوراً أن الظروف السياسية ليست مفتوحة في المدى القريب على احتمال الحرب الأهلية، لكن الوضع الهش قد ينزلق اليها. ويجب الاعتراف بأن حرباً أهلية من جميع الضفاف لا "أساس" لها في الظروف القائمة، بيد أن حرباً أو فوضى أهلية قد يقود اليها فريق واحد أيضاً.
"التذاكي"
"الحل" ليس بـ"التذاكي". فمِن متابعة المعطيات السياسية، يتبين أنه إذا كان صحيحاً أن المطالبة بتغيير السلطة هي مطالبة مشتركة بين "حزب الله" وعون، فإنها في ما يتجاوز الظاهر من الأشياء، مشروع "حزب الله" لمرحلة ما بعد حرب تموز. وهي مطالبة بدأها النظام السوري على لسان رئيسه بشار الأسد، لكنها دُعمت بالدعوة الصادرة من إيران وأوردتها الصحافة، الى تغيير الحكومة اللبنانية، مقرونة بدعوة "حزب الله" الى البحث عن شريك سني "قوي" جديد. ولذلك، فإن تطويق "المشكلة" الشيعية ـ السنية التي يخشاها "حزب الله" لا يكون بـ"تلبيس" المسألة لعون، ولا يكون بالسير خلف عون لتشتيت الأنظار عن "صاحب المشروع" الاصيل، ولا يكون مثلاً بمساعدة الجنرال في الحشد في 15 تشرين الأول الجاري كي لا يظهر مستوى انفكاك الرأي العام عنه. ولا يكون بالاحتشاد بـ"البرتقالي" لمصلحته.
الحل: الحوار والتسوية "الشاملة"
"الحل" بالتسوية السياسية المتكاملة. وفي هذا الإطار، ثمة مجال لاستئناف الحوار الوطني، وهذا ما تدعو اليه حركة 14 آذار وتتحرك من أجله.
والتسوية السياسية يجب أن تتضمن البنود التي تم التوافق عليها بالإجماع في الجولات السابقة من جهة وأن تتضمن حلّ أزمة رئاسة الجمهورية من جهة ثانية وموضوع سلاح "حزب الله" تأسيساً على المناقشات السابقة وآخذاً في الاعتبار النقاط السبع والقرار 1701 من جهة ثالثة. وعندما تبتّ هذه العناوين، يفتح المسار السياسي على مصراعيه، فإما "حكومة اتحاد" أو حكومة انتخابات فانتخابات مبكرة. لكن أي مسار "تسلّطي" لن يكون مقبولاً، ونتائجه ستكون خطيرة جداً.
اما البديل السلمي من التسوية السياسية فانتظام للصراع السياسي ديموقراطياً ضمن المؤسسات الدستورية.. علماً ان المسائل الكبرى بُتّت بالتوافق خلال العام الفائت. وانتظام الصراع السياسي ديموقراطياً يعني انتظار ما بعد انتخابات رئاسة الجمهورية العام المقبل إذا لم يكن تحالف "حزب الله" وعون حاضراً لمعالجة الأزمة الرئاسية في المباشر، ثم انتظار الانتخابات النيابية المقبلة في موعدها الدستوري.
حذار التصعيد الطائفي. انه لعب بالنار. وما اشتغل أحد بذلك إلا حرق أصابعه.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.