مساء أول من أمس، وبعد أن استمع الى الكثير من التعليقات حول خطابه في حفل إفطار "اتحاد العائلات البيروتية" وبعد أن تلقى الكثير من الاتصالات في الموضوع نفسه، ردّد الزعيم الشاب لتيّار المستقبل سعد الحريري أكثر من مرة أن ضميره مرتاح حيال ما تضمّنه الخطاب من مواقف يعترف ـ وقد اعترف له الحاضرون ـ بأنها الأولى من نوعها في الخطاب السياسي لدارة قريطم لجهة الحزم و"الشدّة" والوضوح الشديد. وفي لحظة من لحظات الحديث، نطقَ سعد الحريري بجملة "معبّرة" إذ قال "أفكّر في وضع كتاب عن تجربتي خلال العام ونصف العام المنصرمَين". قالها وقد اختلطت في نفسه الثقة بالذات بـ"المرارة" من جوانب عدة من تلك التجربة.
الرئيس الشهيد في نظر الحزب قبل 2004
مِن أين يبدأ الكتاب إن شاء الحريري وضعه بالفعل؟ وما هو أهمّ الفصول في هذا الكتاب؟
وكي لا تكون الصورة ضبابية و"الموضوع" مبهماً، يجب القول منذ البداية إن أهم فصول الكتاب "العتيد" هو الذي يُفترض أن يتناول العلاقة مع "حزب الله".
جميع الذين واكبوا تاريخ العلاقة بين الرئيس الشهيد رفيق الحريري و"حزب الله"، وهي العلاقة التي كان مقدراً لها أن تنشأ وأن تقوم في مرحلة الوصاية السورية على لبنان، يعرفون أن الجانب "الجدّي" منها، الحواري في العمق، لم يبدأ إلاّ في وقت متأخر من العام 2004، في حين أن هذه العلاقة استمرّت مأزومةً طيلة اثني عشر عاماً بسبب ما اعترى نظرة الحزب الى الرئيس الحريري من شكوك بشأن مشروعه السياسي الذي احتار الحزب في توصيفه ولم يوفّر فرصةً لـ"مواجهته". بيدَ أن الرئيس الشهيد لم يبادل "حزب الله" سلبيّته وظل طوال هذه الفترة يحاول نسج علاقة سويّة معه. وفي إحدى الجلسات الحوارية بين الرئيس الحريري والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، قال الأول: يا سيّد حسن أنا أنظر إليكم كحزب ومقاومة بوصفكم "جبلاً" فكيف تنظرون إليّ في المقابل؟ ردّ الثاني: ونحن أيضاً يا دولة الرئيس نرى فيكم "جبلاً". فسارع الرئيس الحريري الى القول: وهل يجوز أن يصطدم جبلان؟
المهمّ هو أن الرئيس الحريري كان ينظر باستمرار الى "حزب الله" ليس فقط كقوة "جبّارة" بل بوصفه "صاحب موضوع"، وصبرَ على رشقه من جانب الحزب آنذاك بكل الاتهامات.
حوافز رفيق الحريري الى الحوار العميق
في العام 2004، إعتبر الرئيس الشهيد أن ثمة ظرفاً مناسباً للشروع في حوار عميق مع الحزب. فمن ناحية، كانت الأوضاع في العراق "تنبئ" بتوتّرات شيعية ـ سنيّة خطيرة، "يحتمل" أن تكون لها تداعيات في كل دول المنطقة بما فيها لبنان، وكان "الهمّ العراقي" لا يفارقه، وكان شديد الحرص على تحصين لبنان بتأكيد الوحدة الإسلامية. ومن ناحية ثانية، كان لبنان آنذاك على موعد مع انتخابات رئاسة الجمهورية، وقد سعى الرئيس الحريري الى محاولة اكتساب "حزب الله" الى موقف ضد التمديد لإميل لحود، في وقت كان الحزب "يسرّب" بين الحين والآخر بما في ذلك عبر "المستقبل" أنه ليس حزباً تمديدياً.. بالضرورة.
وقعت كارثة التمديد. وصدر القرار الدولي رقم 1559. لم يعتبر الرئيس الشهيد وقوف "حزب الله" بقوة بجانب التمديد عائقاً أمام استمرار الحوار الذي تواصل بعد ذلك. قامَ الرئيس الحريري بخطوات كي لا يمسّ القرار 1559 "حزب الله" بأي سوء. حال بعلاقاته الدولية دونَ إدراج الحزب على اللائحة الأوروبية للإرهاب. وكان قبل ذلك بشهور "توسّط" لدى فرنسا في قضية منع محطة "المنار" من البث.
ومن المنطقي ـ الآن ـ افتراض أن الرئيس الشهيد كان "يعي" تماماً أن القرار 1559 يؤذن بأفول الوصاية السورية على لبنان. ولذلك، كان حواره مع "حزب الله" يهدف الى خلق ظروف لبنانية مواتية لـ"تموضع" الجميع بالشكل المناسب بعد الانسحاب السوري، لا سيما أن النظام في سوريا كان "مزّق" كل فرص التسوية اللبنانية ـ السورية.
لا يمكن القول إن الحوارالمكثّف والمطوّل الذي كان الرئيس الحريري يجريه مع السيد نصرالله نجح في "اختراق" قراءة "حزب الله" للمعطيات الجديدة آنذاك حول لبنان. والدليل على ذلك أن الحزب مع اقتراب الانتخابات النيابية، ظلّ "ينصح" الرئيس الشهيد بتقديم التنازلات تجاه المطالب الانتخابية السورية.. وكان "نصحه" قبل ذلك بتشكيل حكومة ما بعد التمديد بما يناسب دمشق.. كما كان الحزب نصحه "محذراً" بعدم التقرّب من "المعارضة المسيحية".
رفيق الحريري: دخول "حزب الله" الى الدولة
ومع ذلك، لم يشكل الاختلاف في القراءة حجر عثرة آنذاك أمام حوار الحريري ـ نصر الله. ولم يكن الرئيس الشهيد يكثر من الحديث عن هذا الحوار أو يكشف عن مضامينه. لكنه ذات يوم، قبل أيام قليلة من جريمة اغتياله، وبعد إلحاح من سائل عن سرّ تلك الجلسات المطولة بينه وبين الأمين العام لحزب الله، قال "سأتأبط ذراع حزب الله وسنمشي جنباً الى جنب وكتفاً الى كتف من أجل الدخول جميعاً في الدولة". وبدا من خلال كلامه المختصر هذا أنه يراهن على دور يقوم به من أجل "إدخال" الحزب في مشروع الدولة. وبـ"الاستنتاج"، يمكن القول إن النقاش بينه وبين السيد نصر الله حول المقاومة، لم يكن مختلفاً عن النقاش الذي دار بعد ذلك، حول الجانب الاقليمي، حول مزارع شبعا، حول التسوية الاقليمية، حول الدولة والمقاومة الخ...
اغتيل رفيق الحريري. تحدث السيد نصر الله مرتين عن حواره مع الرئيس الشهيد وأعطى لهذا الحوار مضامين معينة.. أي قدّم "روايته" الخاصة لهذا الحوار.
سعد.. والوصية الملزمة شرعاً
هنا بدأ السطر الأول من كتاب علاقة سعد الحريري بحزب الله. سأل الشاب الآتي الى السياسة حديثاً وبـ"صدفة" دراماتيكية عن علاقة والده بالحزب وزعيمه. قيل له كلام كثير، لكنه استبقى منه أن مشروع الدولة يجب أن يتسع لحزب الله وأن مشروع "حزب الله" يجب أن "يتصالح" مع مشروع الدولة. وأكثر من ذلك، كان سعد الحريري في أحيان كثيرة يقول بدون نقاش: إن والدي الشهيد أورثني العلاقة بالحزب، وهذه العلاقة هي مثابة وصية منه، وشرعاً لا يجوز لي أن أحيد عنها.
ظل سعد الحريري، بالرغم من كل ظروف البلد بعد جريمة اغتيال والده الرئيس، حريصاً على وحدة الساحة الاسلامية. وظل يتعامل مع أمور علاقته بحزب الله بـ"بساطة" أي من دون مناورات. لكن الحزب ناور معه و"تذاكى" وأخلف بـ"الوعود الصادقة" فتراكمت لديه خيبات كثيرة.
الاعتكاف
اللائحة طويلة جداً، لكن بعض ما فيها يكفي. اعتكف وزراء "أمل" و"حزب الله" في كانون الأول من العام الماضي.. وكان صوت "حزب الله" أعلى من صوت أمل. حصل الاعتكاف على خلفية المحكمة الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الحريري. كان واضحاً ان "حزب الله" غير راغب في تشكل محكمة دولية، هي ـ أي المحكمة ـ مطلب زعيم "تيار المستقبل"، كما توسيع التحقيق الدولي الى جرائم محددة هو مطلب قريطم والحلفاء.
ومع ذلك، وبالرغم مما تعنيه المحكمة الدولية اليه، ماذا فعل سعد الحريري؟ دخل وسيطاً على خط المفاوضات الشاقة مع "حزب الله" لإنهاء الاعتكاف والعودة الى مجلس الوزراء.
قمة الخرطوم
ثم كانت قمة الخرطوم حيث تصادم رئيس التمديد إميل لحود ورئيس الحكومة فؤاد السنيورة. في الخرطوم قال السنيورة كلاماً لا يبرر أزمة، عندما تحدث عن "مقاومة الشعب اللبناني". قامت قيامة الحزب ولم تقعد. ماذا فعل سعد الحريري؟ في الليلة نفسها أصدر بياناً يشيد بالمقاومة ويتمسك بها، وبدا "مخالفاً" للرئيس السنيورة ومختلفاً معه. ودخل وسيطاً بين الحزب ورئيس الحكومة، وبحث عن المخارج حتى انجلت الأزمة بعبارة السنيورة الشهيرة "لم اسمِ ولن أسمي المقاومة بغير إسمها".
وفي غضون هذه المدة كلها، كانت حملات "حزب الله" على السنيورة لا تتوقف. ذهب الرجل الى نيويورك فشككوا فيه تحت عنوان الخضوع للاملاءات السياسية. جال في العالم يتحدث عن الحلول اللبنانية، فاتهموه بتنفيذ القرار 1559. أصدر المبعوث الدولي لمتابعة تنفيذ القرار 1559 تيري رود ـ لارسن تقريراً فحمل الحزب على السنيورة "المتواطئ".
التغيير الرئاسي وأحمد جبريل
ثم بعد وقت معين، كانت طاولة الحوار. على هذه الطاولة أقرّ المتحاورون عدداً من البنود، منها مثلاً موضوع "السلاح الفلسطيني" خارج المخيمات. وقبل أن يعلن المؤتمرون ما مفاده عدم التوافق على التغيير الرئاسي، كان هذا البند قد تُرك لمرحلة من "التشاور". سمع الزعيم الشاب لـ"تيار المستقبل" من "حزب الله" كلاماً عن إمكان النظر في تغيير إميل لحود، وعن بحث مع قيادة النظام السوري من جانب الحزب في هذا الموضوع.. لا بل دخل الحزب معه في بحث بالأسماء، ليتم بعد ذلك تسريب هذا البحث.. وليتم طيّ صفحة التغيير الرئاسي بطلب سوريّ من "حزب الله".
و"جازف" سعد الحريري باستقبال الأمين العام لـ"الجبهة الشعبية ـ القيادة العامة" في قريطم بناء على طلب من "حزب الله" وفي حضور قيادي للحزب، وذلك ايماناً منه بأن مصلحة لبنان فوق اي اعتبار.. ليكتشف بعد ذلك ان المسألة "طبخة بحص".
ليس هذا فقط، فقد انقضّ جبريل على تعهداته في قريطم وراح يضع شروطاً. وفيما عطّل النظام السوري تنفيذ مقررات الاجماع الوطني، وجد "حزب الله" ضالته في الحكومة فحمّل الحكومة ورئيسها المسؤولية، وكان سبق له "الفضل" في عدم الردّ على وصف الرئيس السوري بشار الاسد للرئيس السنيورة بأنه "عبد مأمور لعبد مأمور".
الوعد بصيف هادئ
.. ثم كانت الجلسة الاخيرة للحوار، حيث أجمع المتحاورون على أنهم اتفقوا من دون إعلان على تقطيع فترة الصيف. فقد وعد السيد نصرالله بتهدئة "الجبهة" في الجنوب. وبالفعل كان نقاش بين الحريري ونصرالله. وفي هذا النقاش الذي دار جزء منه على خلفية أسر الجندي الاسرائيلي في غزة، نقل سعد الحريري الى نصرالله أجواء ومناخات دولية تفيد ان ثمة جنوناً اسرائيلياً يقتضي الاحتراس منه، وان اي عملية أسر حتى ضمن مزارع شبعا ستكون محفوفة بالاخطار.. والجنون الاسرائيلي. ثم كان نقاش واتفاق في شؤون "اليسار" و"لينور" والتشكيلات الديبلوماسية وغيرها. فكانت عملية الاسر خارج المزارع وخلف الخط الازرق بالرغم من كل الوعود.
لائحة "خروق" الحزب لسماء العلاقة مع الحريري طويلة جداً. أدرك زعيم "المستقبل" ان الحزب يحاول "استغفاله". وأدرك ان الحزب استطاب "لعبة" الفصل بينه وبين السنيورة ليتمكن من مهاجمة الثاني. وأيقن ان ثمة اصطداماً بينه وبين خيارات الحزب اقليمياً وداخلياً في ظلّ ولاء الحزب لعلاقته بالنظام السوريّ ولعلاقاته بالفلول السوريّة. و"وعى" ان أخذ الأمور بـ"عفوية" لا يجدي في السياسة، خاصة اذا كان ثمة من يفاخر بقدرته على "الذبح بالقطنة".
ضبط الاحتقان والخطاب القوي
صار مصير البلد كله على المحك. وخطاب سعد الحريري اول من امس ينضح بالهواجس والمخاوف. ثمة احتقان في شارعه حيال الخطاب السياسي لحزب الله وأدائه. وضبطُ الاحتقان يقتضي منه مواقف حازمة. وكيف لا يكون الامر بحاجة الى مواقف حازمة جازمة، عندما تتكشف من المشروع السياسي لحزب الله نية السيطرة على الحكومة، و"أجواؤه" تنقل ان معه رئاسة الجهورية ورئاسة المجلس وتبقى الحكومة؟ وكيف لا يكون الامر في حاجة الى مواقف حازمة جازمة عندما تتم مشاهدة أدوات النظام السوري في عباءة السيّد بـ"العين المجردة". وكيف عندما يكون اتفاق الطائف الناظم للعلاقات اللبنانية ـ اللبنانية وللشراكة الوطنية مهدداً بـ"النقض"؟
أعطى للعلاقة بالحزب الكثير. وبقي وحيداً في 14 آذار "يصدّق" الحزب وهو ينفّذ سياسة تقطيع الوقت.
كان من الطبيعي، وسط خيبات الامل المتراكمة من "حزب الله" أن يكون خطاب سعد الحريري "قوياً". انه بذلك لا يضبط الاحتقان في شارعه فقط، بل يساهم مساهمة كبرى في حماية السلم الاهلي. و"الخطاب القوي" عندما يأتي من زعامة الاعتدال وتيار الاعتدال الاسلامي والوطني يكون عادة اكثر مدعاة للتفكر.
"افترضوا" انه يمكن اغراق سعد الحريري برسائل "التهدئة" تحت الطاولة، فيما "هم" يصعّدون المعركة باسم الانتصار. و"افترضوا" ربما ان هذا الشاب لن يقول ما قاله. لكنه قال أخيراً ما يجب قوله، فبلّغ "حزب الله" انه راكم ما فيه الكفاية من المرارات، وان على الحزب ان يعيد قراءة الوضع اللبناني بدقة، وأن يعترف بأن حركة 14 آذار تجمع الطيف الوطني كله.. وان عليه ان يعرف تماماً ان السنيورة هو الحريري، وان "اللعبة" السابقة لم تعد "تمشي".
ذات يوم، وكان سعد الحريري منزعجاً من بعض الحرتقات، قال: الجميع، لا سيما "حزب الله"، يستطيع ان يصعّد طالما ان سعد الحريري "لا يدخل في الحيط"، اي طالما انه "لا يجن". لكنه اول من امس، لم يجن ولم يدخل في الحائط. وضع النقاط فوق الحروف، وبعد ان بيّن "حقه"، لم يتركه، فمد يده للحوار الجدي. هنا سيكون المحك الفعلي.
هنا المحكّ الفعليّ وليس في مهرجان انتصاريّ جرى "تركيبه".. ولم يخلُ من ارتباكات على غير صعيد.
هنا المحكّ الفعلي وليس عبر "شاشة" مفتوحة أمام كلّ مُنافق وفاسق موالٍ لنظام بشّار الأسد.. لأنه من "عدّة الشغل" البائسة فقط.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.